Ch|11
وضعت رسيل وشاح الدانتيل الاسود علي رأسها مغطيه وجهها وهي تحمل المصباح فاتحه باب غرفتها بهدوء شديد ثم تسللت من الباب الخلفي للقصر ....رمقت الظلام بهدوء ثم اخذت نفس بقلب ينبض بقلق وخوف وحماس يجتاح كل خليه في جسدها... ابتسمت بتوتر ثم تقدمت خلال الضباب الذي يغطي الوادي المؤدي الي الغابه ....كانت تسير في الظلام دون ان تضيء المصباح حتي تبعد بالقدر الكافي عن الرؤيه وهي بالفعل لا تحتاجه كانت تحفظ هذا الطريق...كل صخره وكل شجره تعرفها وشاهده عليها وهي تسلل كل ليله في الظلام لعله يوماً ما يختفي ويحل النور علي قلبها وذلك الوادي.....دلفت الغابه واشعلت المصباح الزيتي واخذت تسير من خلال العلامات ....
كان الضباب حالك داخل الغابه بين الشجر ورائحه الندي فوق الورق والتراب المبتل ....ابتسمت بهدوء حينما رأت المسجد فتحت الباب بهدوء ودلفت واضعه اياه جانباً ثم افترشت الارض وجلست علي ركبتيها وضمت يديها الي قلبها مستشعره روحانيه المكان ....كانت تدعو داخلها وهذا اقصي ماتعرف ...لكن ليس لوقت طويل ستعرف اكثر ....ابتسمت وهي مغمضه العينين هامسه بكم تحب ربها في سرها ثم فتحت عينيها لتتجمد رامقه الاخر الذي يجلس القرفصاء امامها ويرمقها بشرود ....ارتبكت الاخري وقلبها خفق بفزع هذا الرجل يجب ان يعلق جرس في عنقه حينما يتحرك لان هدوءه مخيف بشكل مرعب .....والاغرب انه لم يتكلم او فسر لها سبب تحديقه المربك لتكسر رسيل الصمت قائله : لقد اتيت ....قالت هذا ثم نهضت واقفه لينهض الاخر بهدوء مؤمي دون اجابه متقدم نحو الكتب الذي يغلفهم الغبار ....تقدمت رسيل حامله بعضها في حضنها وهي تردف : سنبدأ من هنا ....امال الاخر رأسه قليلاً ثم مد يده نحو الكتب التي تحتضنها الي قلبها بقوه وسحب اكبر كتاب بهدوء ونفض الغبار عنه بضربة من كفه....كان غلافاً جلديا مهترئ تآكلت أطرافه بفعل الرطوبة والزمن....
فتح الصفحة الأولى ليرى خطاً عربياً قديماً....معقداً....وجميلاً....همس بنبرة خالية من المشاعر وهو يمرر عينيه على الأسطر مردفاً ببرود وبلا اكتراث :أولى خطوات النجاة هي ألا تخافي من الأسئلة....الكتب لا تعطي إجابات معلبة....بل تمنحكِ القدرة على الشك....والشك هو بداية المعرفة....
رفعت رسيل عينيها إليه...كان الضوء الشحيح المتسلل من النافذة يرسم ظلالاً حادة على وجهه...مما جعله يبدو كتمثال غامض....سألت بصوت متوتر من الحماس والارتباك : هل ستعلمني؟ هل ستفك لي طلاسم هذه الحروف؟
جفلت حينما أغلق الكتاب بقوة أحدث صدىً في أرجاء المسجد الخالي ثم التفت نحوها ببطئ مقترباً خطوة جعلتها تشعر بأنفاسه الباردة والدخان الذي يخرج من فمه بفعل البرد والفجر قائلاً بهدوء : سأعلمكِ القراءة.....وسأعلمكِ كيف تفهمين ما بين السطور....لكن تذكري....العلم ثمنه باهظ....بمجرد أن تفتحي عينيكِ لن تعودي قادرة على إغماضهما مرة أخرى....لن تعودي تلك السيده المباركة التي تنصاع الي العادات والتقاليد وتنفذ ما يأمرونها به .... ستصبحين غريبة بينهم.....تماماً مثلي...
ابتلعت رسيل غصتها وشعرت ببرودة الكتب تلامس صدرها كدرع مردفه وهي ترمق الفراغ بشرود : أنا غريبة بالفعل.....الموت حرقاً أهون علي من العيش بجهلي.....ومكتب يامن.... اعدك سأفتح لك أبوابه دون حتي ان اسال لما ....حتى لو كان ذلك آخر ما أفعله....الاهم ان تعلمني كيف اعبد ربي حق عبادته
ابتسم الاخر ابتسامة باهتة لم تصل لعينيه ومد يده مرة أخرى ليمسك بطرف الكتاب ويفتحه أمامها مشيراً إلى أول حرف وكأنه يخبرها انه لا وقت : إذًا.... لنبدأ....هذا الحرف يسمى الألف..... هو البداية... وهو الارتفاع...وهو الوحيد الذي يقف مستقيماً بينما تنحني بقية الحروف...
نظرت رسيل إلى الحرف...شعرت وكأنها تراه لأول مرة....لم يكن مجرد خط أسود على ورق أصفر قديم وظنت انها ستموت دون ان تعلم ماسرها وماذا تحتوي ....لم يكن مجرد حرف ....كان مفتاحاً لزنزانتها.... رددت خلفه بصوت بدأ يستعيد قوته:ألف...ثم ابتسمت رامقه الاخر حتي ظهرت اسنانها بسعاده وقلبها يرتجف ليشرد الاخر بعينيها مبتلع ريقيه اخفض وجهه نحو الكتب ثم ظهر شبح ابتسامه علي وجهه و اختفي ....ومن هنا بدأ الامر وبدأ يفتح لها عالم اخر لم تكن تعرف بوجوده ولم تكن تعرف انه بهذا الاتساع
تنهدت رسيل رافعه يدها وهي تجلس ارضاً وسط الكتب والدفاتر مقاطعه حديث الاخر للمره العاشره مردفه :مهلاً مهلا ....انت تتحدث بسرعه وانا اخذ وقتاً ....لنراجع ماقلته للتو ....هذا الرجل الذي يرتدي قبعه يدعي الف ....والطبق الذي سقط منه قطعه لحم هو باء ....والطبق الذي يحوي قطعتين خبز يعني تاء صحيح ؟ ...ثم تطلعت نحوه بكل جديه وهي ترمش بلطف والمثير للضحك انها قالت انه يتحدث كثيرا وهو بالكاد الكلمات تخرج منه واذا خرجت تكون عميقه وذات فكر مخيف لدرجه انها احيانا لا تفهمه
مسح طوسون وجهه بهدوء جالساً وهو يردف : نعم ماقلته صحيح ...ابتسمت لتمسح الاخري عرقها الوهمي من فوق جبينها قائله بارهاق مزيف : شيوووه ....هذا جيد كم تبقي حرف لدينا
طوسون ببرود :خمسه وعشرون حرف
فتحت رسيل فمها عاجزه عن الكلام بعدم تصديق ليبتسم الاخر بخبث مظهر غمازته الوحيده لتهز رأسها ناهضه : هذا يكفي للدرس الاول لا استطيع المكوث اكثر تأخر الوقت ....رمق الاخر ساعته التي تجاوزت الثانيه قائلا زاماً شفتيه بسخريه: لطيف ....لما تأخرتي اذا وقد خرجتي بالفعل بعد الحاديه عشر ؟
لتردف رسيل وهي تعدل الوشاح الدانتيل فوق رأسها: لا اعتقد انه امر يخصك
نهض الاخر مقترباً لتعود الاخري للخلف وهو يميل رأسه مردف وهو يرفع حاجبيه: تقولين لا يخصني! لتومي الاخري باصرار مردفه ببرود مشابه لاسلوبه معها : عملك يقتصر علي كونك معلماً لي وانا اجلب المعلومات لك صفقه جيده ....ظهرت ابتسامه اعلي ثغره مؤمي دون كلمه لتتقدم الاخري حامله المصباح من الارض ثم تقدمت نحو الباب ليردف الاخر : السرداب ....اريد معرفه مايحدث بخصوصه
التفتت رسيل نحوه عاقده حاجبيها: ولكن هذا مخصص لرجال ممنوع علي النساء الدخول اليه بأي طريقه حتي ام جميل ....ممنوع علي كل امرأه دخول السرداب انه للمباركين
ليتقدم الاخر وهو يهز رأسه بسخريه: ظننت انك السيده المباركه كما يدعون!
لتردف رسيل بهدوء:قلت انك لا تؤمن بهذه الخرافات لما صدقتهم اذا ...لا يوجد مباركه ولا بطيخ ...سأحاول ايجاد طريقه ....اومئ الاخر بشرود لترمش الاخري ثم التفتت مغادره حامله المصباح بين يديها عائده الي القصر ....
استمرت الجلسات السرية في ذلك المسجد المهجور.... حيث كان ضوء الفجر الرمادي هو الشاهد الوحيد على تحالفهما الغريب....كانت تجلس ارضاً بينما تفترش الكتب حولها بفوضويه وهي ترمق الدفتر كان قد اعطاها بعض الحروف لكتابتها وحفظها ....رفعت وجهها نحوه معتدله حينما اشار لها ان تنتبه له ....كان يجلس على الأرض المتربة ببرود....واضعاً ظهره المسند إلى المنبر الخشبي المتآكل....بينما تجلس أمامه....واحتضنت ركبتيها بلهفة تلميذة وجدت أخيراً نافذة للنور وسط عتمة السجن....
مرر إصبعه الطويل فوق أسطر الكتاب.... وصوته الرخيم يكسر سكون الفجر:اقرئي هذه الجملة يا رسيل.....العقل هو ميزان الوجود...وما لا يقبله الميزان...لا يستقيم به الحال....
تعثر لسان رسيل في البداية....لكنها استجمعت شتات نفسها ونطقت الحروف ببطء...وكأنها تتذوق طعم الحرية لأول مرة....وتباً كان الشعور رائعاً لدرجه ارادت البكاء لكن لم تفعل خشيه ان يسخر منها وهو لا يصدر رده فعل من الاساس لطلما كان بارداً وهادئ حتي وهو يعلمها كان ساكنا وذا بال طويل ....التفتت نحوه بعينين تلمع بالتساؤل واستغراب: تقول إن العقل هو الميزان....لكن قلبي يخبرني أن هناك ما هو أبعد من العقل....هذا الشعور بالسكينة حين أقف هنا...هل هو وهم؟
ابتسم الاخر بسخرية مريرة...ورفع نظره نحو سقف المسجد المتهاوي والمكان المهتر مردفاً بهدوء : السكينة التي تشعرين بها هي مجرد احتياج رسيل.....الإنسان ضعيف...يخترع قوى عظمى ليحتمي بها من بطش أمثال يامن ورجاله المقرفين ....أنتم تؤمنون لأنكم تخافون من الفراغ....تخافون أن تكونوا وحدكم في مواجهة هذا الظلم...
اعتصرت رسيل طرف وشاحها...تكره استنكاره وتكره كُفره ....تكره فكره ان يستنكر ربها ....لذا ردت بحدة هادئة:بل نؤمن لأن الظلم الذي نراه لا يمكن أن يكون هو النهاية....لو كان العقل وحده هو الحاكم....لكان الانتحار هو الحل المنطقي لكل مظلوم في هذه القرية....الإيمان هو ما يجعلنا نتنفس رغماً عن الخنق....
أغلق الكتاب فجأة لتجفل الاخري حينما اقترب بوجهه منها حتى رأت انعكاس خوفها وقوتها في عينيه الغائرتين مردفاً بهدوء وفحيح مرعب : إذًا لماذا لم ينقذكي إيمانك تلك الليله؟ لماذا وقفتِ تشاهدين تلك المرأة تُحرق حيه....هل كان ربك ينظر إليكي وأنت تغسلين وجهكِ بدمائها؟
احمرت اعين رسيل حتي سقطت دمعة حارقة على وجنتها...لكنها لم تبتعد....رمقت عينيه المظلمه ورمست هامسه بصوت مبحوح وايمان يخرج من اعماق روحها :كان يختبر إنسانيتي....وقد فشلت....لستُ أدافع عن نفسي....بل أبحث عن المغفرة....أنت تلحد لأنك ترى الشر....وأنا أبحث عن الله لأنني لا أحتمل العيش في عالم يحكمه الشر وحده...
ساد صمت طويل....تلاقت فيه نظراتهما...نظرة جافة ترى العالم معادلات وظلماً....ونظرة روحية جريحة تبحث عن معنى خلف الألم.... مد يده ببطء.... ولم يمسح دمعتها هذه المرة....بل وضع يده فوق الكتاب الذي بينهما وقال بنبرة أخف حدة:أنت غريبة....تملكين يقيناً يحسدك عليه حتى الفلاسفة....لكن تذكري...القرب مني خطر ياصغيره....أنا لا أؤمن بالمعجزات...أؤمن فقط بما تفعله يداي....واريدك ان تكوني يدي التي ستساعدني لاصل لمكتب يامن
نظرت رسيل إلى يده القريبة من يدها فوق الكتاب وشعرت بجاذبية غريبة نحو هذا الرجل الذي يجلدها بالحقيقة المرة....لكنه يمنحها المفتاح لتفهمها....رمقت ملامحه وعينيه الغائره التي لا تُفهم وانما تسلب العقل وتجعل المرء شارداً بها وبأعماقها السوداء ....أومأت برأسها ببطء وهي تردف :سأكون يدك هناك....مقابل أن تظل أنت عقلي الذي يقرأ لي ما عجزتُ عن فهمه....
ارتخت اعين الاخر نحوها بهدوء وشرود....وكأنه يخبرها انه يستطيع ان يكون اكثر من ذلك ولا تفهم لما فسرت الامر كذلك ...ساد صمت أثقل من حجارة المسجد العتيق....صمت لم يكن فراغاً...بل كان صراع مكتوم بين فكرين لا يلتقيان.....سحب يده عن الكتاب ببطء....وكأنه يخشى أن تعديه حرارة إيمانها....ثم شبك أصابعه خلف رأسه مسنداً إياه على الحائط المقشر وقال بنبرة متغطرسه وبارده : تسمينه إيماناً.... وأسميه مخدر العبيد.....فلسفتكم تقوم على تأجيل العدالة إلى عالمٍ لا يراه أحد....لكي يسهل على الطغاة حرقكم في هذا العالم الذي نراه....العقل لا يحتاج لغفران.....العقل يحتاج للفعل... أنتِ تنتظرين معجزة لتنصف تلك المرأة المحترقة...بينما أنا أؤمن أن المعجزة الوحيدة هي البارود أو السم أو المفتاح الذي سأسرقه من مكتب زوجك
نظرت إليه رسيل مطولاً....ولم تكن تكترث لنظرته المستهزئة هذه المرة....بل جعلتها تتشبث بمصحفها القديم كأنه قلبها النابض....وردت بهدوء فلسفي فاق جهلها بالقراءة: أنت ترى الله من خلال أفعال البشر...وهذا هو ضلالك....البشر ليسوا مرايا لربهم....بل هم خياراتهم.....السيد يامن اختار أن يكون شيطاناً...وأنت اخترت أن تكون عدماً...ثم ابتسمت بشرود رامقه الفراغ وهي تكمل بنبره غريبه: اما انا ....فجهلي بالكتب لا يعني جهلي بالخالق....إنني أراه في النور الذي يطارد العتمة كل فجر خلف تلك النوافذ المحطمة....ثم رفعت زمردتها نحو عينيه : أراه في صمودي أمامك وأنا حطام....أنت تقرأ الكتب لتمجد عقلك...وأنا أريد قراءتها لأعرف كيف لم ييأس الأنبياء في قرى تشبه قريتنا....
مال الاخر برأسه نحوها رامقاً عينيها واحده تلو الاخري .... وشعور غريب اجتاحه سكنت حركة رمال الشك في عقله وهو يرى الدمعة العالقة في رمشها تتلألأ بضوء الفجر....شرد في ملامحها التي بدت في تلك اللحظة مقدسة بشكل لا يفسره العلم ولا المنطق...داهمه هوسٌ غريب...شعر وكأن إلحاده يترنح أمام هذا الجمال الصامد وسط القهر....مبتلع ريقه بظلام ثم تنحنح محاولاً استعادة قناعه البارد و أردف بجمود وملامح توحي بملل ماحولها : فلسفتكي عاطفية... والعاطفة بضاعة الضعفاء... غداً...سأعلمكِ كيف يكتب الفلاسفة عن موت الإله وكيف استيقظ الإنسان ليجد نفسه سيد مصيره....سنرى حينها....هل ستصمد سكينة قلبك أمام تشريح عقلي للمقدسات؟...لا لا اظن لانك وقتها ستتأكدين ان عالمك الاخر الوهمي الذي يوجد به اله ينتظرك سيكون فراغاً هذه هي الحقيقه ياصغيره
اخفضت رسيل عينيها لصمت دام لثوان ثم ابتسمت بطريقه لطيفه رافعه وجهها نحوه و اردفت بهدوء : سأخبرك امراً غريب سيد طوسون ....بالنسبه لك لا تؤمن ان هناك عقاب في الاخره او شئ يدعي عالم اخر لكن سأسالك سؤال اين كنت قبل ولادتك الم تكن في رحم امك؟ هذه حقيقه لا تستطيع انكارها الجميع كان في ذلك العالم الصغير والمحدود داخل رحم الام يتغذي عبر حبل داخل معدتهم وهذا حقاً غريب فانا الان لا افعل ذلك كيف يمكن للمرء ان يأكل من هنا انا اكل من فمي فقط؟!! هذا حقاً غريب وغير حقيقي ....كنت هناك وكنت جاهله لكيان اخر لا اراه وانما اشعر به كان يدعي الام التي تطعمني وتمدني بالغذاء والصحه ولم اكن ملحده بها وانا داخلها !...أمال طوسون رأسه قليلاً ...وقد بدأت ملامح السخرية تتلاشى لتحل محلها دهشة غريبة....ليس من قوة الحجة فحسب...بل من بساطة التشبيه الذي لامس فيه فطرة كان يظن أنه دفنها تحت أكوام الكتب
أكملت رسيل بنبره ثابته وكأن الكلمات تُملى عليها من وحي الصدق لا من تعلم الحروف او الكتب :كنتَ في رحم أمك... عالماً ضيقاً... مظلماً...ومحدود....لو قيل لك وأنت هناك إن خلف هذا الجدار اللحمي فضاءً شاسع... وشيئاً يدعى الشمس ....وبحاراً لا نهاية لها....وقبائل من البشر.... لكنتَ ألحدت بذلك العالم كما تلحد بالآخرة الآن! كنت ستعتبر القول بوجود الدنيا مجرد خرافة أو مخدر لتهوين ضيق الرحم عليك....أليس كذلك؟
....سكتت رسيل لثانية ثم اقتربت من وجهه متكئه بيدها علي الارض حوله وعيناها الزمردية تخترق جدار بروده هامسه بنبره خافته: خروجك من الرحم إلى هذه الحياة كان موتا لعالمك القديم....لكنه كان ولادة لحقيقتك الكبرى..... والموت الذي تراه النهاية... ما هو إلا خروج من رحم هذه الدنيا الضيقة إلى سعة ما وعد به الله.....نحن الآن نملك عقولاً في هذه الدنيا....تماماً كما كان لنا أعضاء في أرحام أمهاتنا لم نعرف قيمتها إلا بعدما خرجنا.....الروح يا سيد طوسون هي العضو الذي لا يجد وظيفته الكاملة إلا حين نخرج من ضيق هذه القرية وهذا العالم الي عالم اخر الروح فيه تعمل بكفاءه لانها مقيده هنا....
ارتخت اعين رسيل رامقه الحائط المقشر خلفه بشرود ثم أردفت بابتسامة باهتة:أنت تجادل في وجود الشمس وأنت لا تزال داخل الغرفة وتغلق الستائر.....ثم التفتت بعينيها نحو عينيه الشارده بها واكملت بهدوء غريب بالنسبه له : افتح ستائر عقلك.... وستدرك أنني لم أكن ملحدة بأمي وأنا في أحشائها رغم أنني لم أري وجهها...فكيف ألحد بخالقي وأنا أتقلب في نِعمه!....الفرق بيني وبينك.... أنني شعرتُ بالحبل السري الروحي الذي يمدني بالصبر....وأنت قطعتَ حبلك بيدك وادّعيت أنك وجدتَ الحرية....بينما أنت تتضور جوعاً من الداخل...
ارتجف جفن طوسون قليلاً رامشاً بثقل وساد الصمت مجددا.... لكن هذه المرة كان صمتاً مهزوم....رمقها بشرود قاتل وشعورٌ بالهوس ينمو داخله....لم تكن هذه الفتاة جاهلة.... بل كانت تمتلك بصيرة تجعل كل فلسفات العدمية التي قرأها تبدو كقصص أطفال جوفاء....
همس ببحه صوته المميزه وكأنه يخاطب نفسه وشبك اصابعه متكئ برأسه فوق حائط المنبر خلفه:إذًا.. أنتِ لا ترين الله بعينك....بل تشعرين به كـ أم تطعم روحك وسط هذا الخراب؟....لطيف ....لم تجيبه بل اكتفت بنظرة جعلته يشعر لأول مرة بصغر حجم عقله أمام اتساع يقينها...
وقفت رسيل ونفضت التراب عن ثوبها بكرامة تليق بملكة لا بسجينة وعدلت الوشاح فوق رأسها وقالت وهي تتجه نحو الباب ثم التفتت نحوه قائله : قلت لي هل ستصمد سكينه قلبي امام تشريح عقلك للمقدسات! ....نعم ....سأصمد سيد طوسون.... لأن من خلق العقل الذي تتباهى به.... هو نفسه من وضع في قلبي هذا اليقين الذي يزعجك....نلتقي غداً.....يا من تبحث عن الحقيقة في الأوراق وتتجاهلها في الأرواح....والان هل سترافقني في العوده ام تبقي هنا؟
صمت ....كان صامت بالفعل ولم يجيبها فالحجه التي ألقتها كانت أبسط وأعمق من أن يفككها منطقه البارد.....لقد لمست وتراً فيه لا يعترف هو بوجوده....الخوف من أن يكون على خطأ....رمقت كيف ارتخت يد طوسون التي كانت تشبك أصابعه خلف رأسه وسقطت ببطء لتستقر فوق ركبته....ظل يرمقها بشرود وعيناه اللتان كانت تفيضان بالغطرسة وفلسفه متعجرفه قبل قليل أصبحت تائهة في ملامحها الان ....لم يكن ينظر إلى وجهها كأنثى....بل كان ينظر إليها كـلغز حي يحطم كل ما قرأه في كتب نيتشه وشوبنهاور.....لم ينطق بكلمة لإنكار ما قالته عن الرحم لأن المنطق هناك كان دامغاً.... بدلاً من ذلك زفر هواء بارد كأنه يحاول طرد فكرة الإيمان التي بدأت تتسلل لمسامه....وأردف بنبرة جافة يحاول بها استعادة سيطرته وانكار الامر : لطيف.....استخدمت البيولوجيا لتثبتي الميتافيزيقيا.... أنت لا تفتقرين للذكاء يا رسيل.... بل تفتقرين فقط للأدوات.....
نهض طوسون ببطء ونفض الغبار عن معطفه ثم اقترب منها بضع خطوات حتى أصبح ظله الضخم يغطي جسدها الصغير....انحنى قليلاً ليصل لمستوى أذنيها... وهمس بفحيح هادئ لكنه شعرت بالهوس والظلام داخل نبرته وهو يردف :لن أنكر تشبيهك....ولن أؤكده.....فالفرق بين الجنين وبيننا... أن الجنين لا يملك خياراً.... أما نحن فقد خرجنا لهذا العالم ووجدنا أن الأم التي تتحدثين عنها تترك أبناءها يُذبحون ويُحرقون في الميادين دون أن تحرك ساكناً....إذا كان هناك إله يطعمنا كالأجنة....فلماذا يتركنا نتضور قهراً الآن؟
سحب نفسه للخلف فجأة وعاد لبروده وملامحه غير المكترثه وكأن المعركة الفلسفية انتهت بالتعادل...ثم أردف بجدية واعين نصف مغلقه :
كفانا حديث عن الغيب....فلدينا واقع قذر يحتاج للتغيير....غداً ليلة اجتماع يامن مع كبار القرية في الساحة الكبرى....سيكون القصر شبه خال.... أريد منك الدخول لمكتبه.....هناك درج سري خلف لوحة الخريطة.....أريد المفتاح الذي يحمل شعار الغراب الصدئ إذا فعلت ذلك.....سأعلمك كيف تقرئين كتب التاريخ لتعرفي أن الأنبياء الذين تتحدثين عنهم....كانوا ثواراً قبل أن يكونوا مصلحين....رمقته رسيل بارتباك وقلق ....لكنها شعرت أن خلف قناعه الملحد والبارد ثمة طفل مرعوب يبحث عن الحقيقة تماماً مثلها..... لكنه يداري خوفه بالتمرد.....لذا تجاهلت حديثه واكترثت فقط للنسمه البارده التي لفحت قلبها ثم اردفت بهدوء وثقه : لطيف ....سنري اذاً ....ثم التفتت وتركته خلفها يراقب طيفها وهو يختفي في الضباب بين الغابه ليمسح الاخر وجهه رامقاً كتبها فوق الارض وقد بدأ يدرك أن معركته معها لن تكون تعليمها القراءة....بل حماية نفسه من أن يؤمن بها....
تقدمت رسيل نحو القصر بهدوء من الباحه الخلفيه بهذا الوقت ربما لن يراها احد لكن تباً لحظها العاثر ...ارتعشت رسيل حينما رأت الضوء عند السرداب مفتوح ...كانت بوابه خلفيه للقصر وقد نسيت تماماً ما اليوم ولانها غادرت باكراً وذهبت لوالد الفتاه التي احترقت كي تؤدي واجباته وتطعمه كما تفعل منذ فتره دون ان يعلم احد وتأخرت وذهبت مباشره نحو المسجد ونسيت امر اليوم ....وتباً وكأنه يوم سعد طوسون الوغد لانها قررت بكل غباء ان تكتشف امره ...اضرب علي الحديد وهو ساخن مقولها قراءتها ويبدو ان نور العلم سيطفئه يامن اذا رأها هنا بلكمه من يده او وربما يجلس فوقها بكرشه السمين ....
نفضت رسيل افكارها الغبيه وركضت نحو السرداب واقفه جانباً مدت رأسها ورمقت الضوء عبر السلم الذي ينحدر الي الاسفل ثم وبلا تردد دعست اول سلمه وركضت علي اطراف اصابعها حتي وصلت الي عده ممرات غريبه دلفت الي واحد واخذت تسير في الظلام نحو الضوء الخافت كانت هناك روائح غريبه ومقرفه وممتزجه ببعض البخور ....حتي تجمدت وهي تري دور سفلي عبر سور تقف خلفه تري من بالاسفل لكن الاعلي لا يراها لانها بالظلام لتعتصر وشاحها برعشه وهي تري منظر مقزز لرجال كثيره تجلس فوق ارئك ناعمه وحولهم اولاد صغار يجلسون في احضانهم ويضعون مساحيق تجميل ويرتدون ملابس غريبه ومقززه علي اجسادهم الصغيره واللطيفه والطاهره لتلتفت بذعر حينما رأت احدهم قادم من خلال ضوء وعلمت ان هذه نهايتها لتشهق حينما شعرت بأحدهم سحبها من خصره نحو زاويه مظلمه سانداً جسدها علي الحائط وداخل حضنه ....يحيطها بذراعيه حاجباً عنها الرؤيه...رفعت راسيل عينيها خلال الضوء المعدوم رامقه طوسون وهو ينظر الي المكان الذي مر منه الرجل الذي يحمل مصباح ثم التفت ليجدها شارده به بعينيها الزمرديه الخلابه ليبتلع الاخر ريقه من قربها والاخري شعرت برعشه داخلها من التصاقه بها وانفاسه ورائحته الرجوليه التي ملئت رئتها لتشعر بقشعريره سرت في ساقيها حينما ارتخت اعين الآخر نحو شفتيها ثم قرب وجهه ببطئ نحوها لترمش بخوف متصلبه لكنه توقف ...لم يفعل ...فقط ابتعد ممسك معصمها ثم سحبها بقوه نحو الخارج بعيداً عن القصر لتسحب رسيل يده متجمده ثم التفتت رامقه القصر مجدداً وكأنها تحلم ...وكأنها تريد التأكد من الحقيقه التي رأتها للتو والتي ابدا ابدا لن تقبلها.....
تقدم الاخر واقف خلفها بهدوء ليغطيها بطوله وهو يري شرودها بالمكان لينحني بابتسامة ميته ملقي نحوها بحقيقة جردتها من سكينتها في لحظة ...جردتها من طهرها ....جردتها من انسانيتها ...مردف بنبره صوته الذي يخرج كحشرجة من أعماق بئر مظلم: تتحدثين عن الرب الذي يطعم الأجنة يا رسيل وتظنين أن زوجك يامن مجرد شيطان في أفعاله العادية؟
...التفتت رسيل نحوه ببطئ رامقه اياه بملامح باهته ليقترب منها أكثر حتي تلاشت المسافه بينهم ....وهذه المرة كانت عيناه تفيضان بقرف حقيقي لم تره فيه من قبل مردف بنبره خافته:
في مكتبه... خلف ذلك الدرج الذي ستفتحينه.... لن تجدي فقط صكوك ملكية أو سبائك ذهب....ستجدين سجلات..... سجلات بأسماء أطفال....أطفال القرية الذين اختفوا العام الماضي والذين قبلهم.... الصغار ذوي الوجوه الجميلة الذين قال أهاليهم أنهم ذهبوا لخدمة المقدس والسيد المبارك.... هم ليسوا في الخدمة يا رسيل...هم في السرداب السفلي للقصر.... يُباعون ويشترون كقطع الحلوى لرجال يرتدون ثياب الزهد نهاراً ويهبطون للقاع ليلاً....
شحب وجه رسيل حتى اصبح بلون وشاحها الأبيض وشعرت بغثيان داخل أحشاءها بينما استمر هو في جلدها بكلماته التي تمنت لو تدفن حيه قبل ان تسمعها وتعلم عن بشاعه العالم الذي تعيش فيه :يامن لا يحرق النساء فقط.... بل يسرق براءة الصغار ليملأ خزائنه.... يجمع أولئك الجميلين في قبو لا تصله شمس كأنهم بضاعة صالحة للاستهلاك الآدمي المقزز.... فهل سيخبرك إيمانك الآن لماذا يصمت ربك وهم يصرخون في السرداب تحت أقدامك وأنت نائمة في فراشك الحريري
....ترنحت رسيل بدوار وهي تشعر بالارض تسقط بها ليسندها الاخر من خصرها لتسند يدها على ذراعه معتصره اياه وهي تتنفس بأعين حمراء.... كانت الكلمات أثقل من أن يحتملها عقلها....الوحش الذي تعيش معه ليس مجرد طاغية.... بل هو سمسار للأرواح الصغيرة....رفعت رسيل عينيها رامقه الاخر الذي يتطلع نحوها ببرود وكأنه يعلم الحقيقه منذ وقت طويل وجهه وملامحه الان كانت توحي لها بمدي احتقاره ومدي كراهيته للامر ....شعرت به وهو يضغط عليها بقوه هامساً بهوس: أريد تلك السجلات.. أريد الدليل الذي ينهي هذه المهزلة....أنت تريدين إثبات وجود الله؟....اذهبي وأحضري لي ما يدين هؤلاء المسوخ ....وسنرى إن كان العدل سينزل من السماء....أم سأحققه أنا بيدي الملوثتين
التفتت رسيل نحو القصر المظلم البعيد برعب جديد....لم يعد القصر بالنسبة لها سجناً....بل أصبح مقبرة للأحياء...وغصة السرداب خنقت كل الكلمات في حنجرتها ولم تتحدث الحقيقه المريره والمخيفه والمرعبه ....
:سيدتي
شهقت رسيل مبتعده عن طوسون بسرعه وهي ترمق ام جميل خادمه السيد يامن وهي ترمقها ببرود ثم رمقت طوسون الذي ارتخت عينيه بلا اكتراث نحوها لتردف ام جميل : لا اعتقد ان السيد يامن سيحب وجودك بهذه الوقت في حضن هذا الغريب ايتها السيده المباركه ....قالت هذا لتلتفت للمغادره باتجاه القصر لتركض رسيل برعشه ممسكه يدها بتوسل هازه رأسها بخوف : لا لا تفعلي ارجوكي انت لا تفهمي شيئاً ....لتردف الاخري وهي تسحب يدها بتقزز : بل اصبحت افهم سبب خروجك كل ليله بالظلام ....انت دناسه ويجب ان يتم تطهيرك ....هزت رسيل رأسها وهي تتشبث بها كي تحاول شرح الامر لها ممسكه اياها من اكتافها لتتجمد حينما رأت طوسون يقف خلف المرأه بهدوء وملامح سوداء داخل الظلام وضخامته وهو يرفع ذراعيه ثم ضرب رأس ام جميل في لحظه لتشهق رسيل ساقطه ارضاً حينما سقطت الاخري ارضاً والاخر انحني ضارباً رأسها مره بعد مره بعد مره بحجر ثقيل حتي اغرقت دمائها يديه وهي ترمقه بذعر وكأنه مغيب والدماء تغرق يده وبعضها تناثر فوق وجهه حتي توقف بعدما هشم رأسها واختفت ملامحها رافعاً وجهه نحو رسيل لتري الاخري شخص اخر ليس طوسون كان شخص اخر مخيف ليس الرجل الهادي الذي يتحدث معها بفلسفه منطقيه كان وحش فتاك ومخيف يبتلع روحك من بشاعته ....وحينما ادرك انها تري حقيقته لم يحاول التبرير او قول شيئ وانما ابتسم بطريقه مخيفه ماسحاً الدم من وجنته بيده الملطخه لكنها تلطخت اكثر وهو ينهض ببطئ وهدوء مرعب متقدم نحو الاخري الجامده ارضاً ليجلس القرفصاء امامها رافعه وجهها لاعلي برجفه وخوف والاخر مد يده الملطخه بالدماء ببطئ مرجع خصلاتها خلف اذنها بهدوء لتصاب بقشعريره سرت في جسدهاوالاخر ينحني نحو وجهها اكثر حتي تلاحمت انفاسهم هامساً بنبره خافته وملامح فارغه وكأنه يحدث نفسه مبتسماً بطريقه غريبه ومريضه : سأخبرك بسر ....حينما رأيتك بالمره الاولي قلت إذا كان هذا العالم بلا إله....فمن أين استعارت ملامحك كل هذا الطهر لتعتذر به عن قذارة العالم .... لقد ألحدتُ بكل الاديان ... لكنني في حضرتك أكاد أؤمن أن للجمال ديناً....وأنتي قبلته الوحيدة.....
ارتجفت شفتيها برعب وهي تري شخص اخر تماماً شخص مخيف ليس الملحد العقلاني الذي يتحدث معها عن المنطق وفلسفه نيتشيه وانما روح محطمه استبدلت الايمان بالعنف المطلق والمخيف في ثانيه وكأنه يراها شئ مقدس يحميه بدمويه مفرطه ومرعبه ....ابتلعت ريقها برجفه حينما انحني نحو وجهها اكثر رامقاً عينيها وانفاسه تلفح وجهها ...حاولت النطق لكن صوته كان اسرع وهو يكمل بنبره ممتلئه بالسواد والفراغ ويده الملطخه بالدماء لازلت تمسك وجنتها بلطف شديد يتناقض مع وحشيته قبل قليل هامساً: لا ترتجفي ....هذا الدم علي يدي ليس الا القربان الوحيد الذي اقدمه لقبلتي ....هذه المرأه مجرد صوت من الماضي ...وانا لا اسمح للماضي ان يلوث مستقبلي معك....ثم امال برأسه هامساً ثم بابتسامه هادئه لم تصل لعينيه المخيفه : انت قلت انك توبتي أليس كذلك؟....اذاً تقبلي ذنوبي بصمت .....كما يتقبل إلهك صرخات الاطفال في السرداب
قال هذا ثم مرر ابهامه الملطخ فوق شفتها السفلي ببطئ شديد وعينيها تلمع ببريق غير متزن ومختل : الآن.. اذهبي للقصر....اغسلي وجهك الجميل من أثر جريمتي....وادخلي مكتب يامن....أريد السجلات يا رسيل.....أريد أن أحرق هذا العالم القذر لنبني فوق رماده معبداً لعينيك فقط.....لا تخافي من الجثة.....الضباب سيتكفل بها....وأنا سأتفرد بك ....
*******
وضعت لينا شارة الخالدون فوق جبهتها وأسدلت النقاب كستارٍ أخير بينها وبين قبح العالم...مستسلمة لقدر لم تعد تراه غريباً...بل اصبح جزءاً من روحها المشوهة.... رمشت بثقل وأعين حمراء باهته وهي تحدق في الجدار الرمادي...جالسه فوق الفراش الذي شهد استباحة جسدها..... الفراش الذي اصبح بالنسبة لها مقبرة أبدية...اخفضت وجهها نحو الرداء الاسود الذي يلفها وشعور بالدناسه يسكن مسامها... فبعدما سمم عقلها آمنت بيقين ممزق أن الله قد تخلى عنها... وإلا لما ترك وحش مثله ينهش طهرها....كانت تشعر أن حجابها الداخلي قد هُتك قبل سترها الجسدي...وأنها باتت غريبة عن جسدها...منفية داخل جلد لا تعرفه.....كفتاة نُشئت على الوضوء والطهر باتت تشعر بـقذارة وجودية.... يهمس لها شيطانها وعقلها المنهك بأنها غير صالحة للسماء....وأن صرخاتها التي مزقت سكون الغرفة لم تتجاوز السقف الرمادي.... فكان الصمت هو الجواب الإلهي الذي صدقته....في ظنها فقدت شرفها فظنت أنها فقدت ربها....هذا الشعور جعلها تنطوي علي نفسها اكثر وتتوقف حتي عن تحريك شفتيها للدعاء خجلاً من طهر الكلمات امام واقعها المدنس بالخطيئه ....تعيش داخل منطقه انعدام الوزن ...لا هي حيه فتقاوم ولا هي ميته فترتاح .....سمعت لينا صوت الباب وهو يفتح بهدوء لتنهض ببطئ وثقل واقفه وهي تنصت لخطوات حذائه العسكري الثقيل وانعكاس ظله الضخم الذي غطاها لتلتفت بهدوء رامقه صدره ثم رفعت وجهها ببطئ نحو الغتره التي تلتف حول عنقه ثم وجهه رامقه عينيه المظلمه وهي تنظر لها بفراغ وشرود وكأنها شئ مقدس داخل معبد شيطاني ....
اخفضت عينيها بملامح الموتي وروح باهته وهو يرفع يده ساحباً الغتره من حول عنقه بهدوء شديد ثم فتحها واضعاً اياها فوق راسها بتملك وكأنها قدسيته وتعود له ثم انحني قرب النقاب هامساً :انظري لي ...لا تشيحي بعينيك عني صغيرتي....رفعت لينا زرقاويتها نحو عينيه لتجد عينيه تظلم بفراغ شديد وكأنها فتنه بالنسبه له وهي كانت تنظر اليه بملامح صامته وذابله لم يكن خضوع وانما موت داخلي كالجثه وصوت يهمس داخلها ...لو كان الله يريد لي النجاه ...لما انتهي زفافي بدماء من احببت ...لما ماتت امي وزوجي والجميع ....ولو كان لي احد لما تركني بيد هذا الشيطان .....اغمضت لينا عينيها حينما امسكها من اكتافها مقرب اياها منه يجذبها نحو عالمه المظلم لتضع رأسها علي صدره بصمت تام ....كانت الغترة التي وضعها فوق رأسها ثقيله ... كأنها تاج من شوك يثبت انتمائها له ولطائفته.... لم تشعر بحرارة جسده ولا بقربه.....بل شعرت ببرودة تسري في عظامها....وكأن غترته هي الكفن الذي اختاره لها وهي لا تزال تتنفس....عندما أطبق ذراعيه حول خصرها بتملك شديد لم تقاوم.... بل سكنت سكونا جنائزيا.... كان عقلها المسموم يكرر صدى كلماته وهو يمسد ظهرها بيده بحنان مخيف مردفاً بنبره كانت تخلل شراينها كالسم لم تكن مجرد كلمات كان يمارس عليها الاباده النفسيه : انظري اليك ....تبدين جميله ....يليق بك ...انت خلقتي لتكوني بين ذراعي الي الابد ....سيبقي دوماً مفتوحاً لك ....سيقبل بك دوماً....ثم اغمض عينيه بانتشاء اخذاً نفساً من رائحتها مكملاً بنبره سوداء خافته وخشنه : السماء لم تنشق لتنقذكِ...والأرض لم تبتلعني....لان هذا هو مكانك الصحيح الذي تنتمين اليه .... فأنتِ لست مجرد امرأة سقطت في يدي.... أنتِ خطيئتي المقدسة التي انتظرتُها طويلاً..... أنتِ النبض الذي سرقتُه من أقدارهم لأحبسه داخل صدري...فمنذ هذه الليلة....لم يعد لكِ هواء يستحق الاستنشاق إلا ما يخرج من رئتي....ولا حياة لكِ خارج حدود ظلي.....انا ربكِ ...وسجانك...ومنقذك الوحيد ....حتي ذلك الذي كنت تهمسين باسمه في صلاتك تركك لي .....اليوم ستعمدين لتكوني من الخالدين ....لا شرائع خارج هذه الغرفه ولا احد ينتظرنك بالخارج......
في تلك اللحظة آمنت لينا بأسوأ كوابيسها.... أن صلاتها القديمة...وطهرها.... وحجابها...لم تكن سوى أوهام تلاشت تحت وطأة رصاصه....شعرت بأن حجابها الداخلي قد تمزق إرباً....ليس لأن هذا الشيطان لمسها....بل لأنها صدقته....صدقت أن الله قد تخلى عنها..... وهذا هو أقصى درجات الانتهاك.... أن يسرق المجرم من الضحية صلتها بخالقها.....كانت تشعر بروحها غارقه داخل عتمه سوداء.... تسمع صوت قلبه ينبض بقوة بجانب صدرها الخامد الذي تلاشي صوت نبضاته واصبح فارغاً....وكأنه يسرق منها الحياة ليعيش هو.....لم تعد لينا المسلمة..... بل أصبحت الجسد المستباح الذي لا يملك حتى حق الصرخة.... لأن الصرخة تحتاج لأمل.....وهي قد قايضت أملها بالعدم....لان المقاومه تحتاج الي دافع والدافع انتحر داخلها
انحنى أكثر...دافناً وجهه في انحناءة كتفها مستنشقاً رائحة انكسارها التي يقدسها وهو يغمض عينيه بادمان بينما كانت هي تغيب في غيبوبة نفسية...تمنت فيها لو أن الأرض تنشق وتبتلعها....ليس هرباً من ألمه....بل هرباً من قذارة وجودها التي باتت تشعر بها في كل خلية من خلاياها.....لتهمس له بنبرة خافته خالية من الروح واعين باهته ترمق فراغ الغرفه امامها بينما رأسها مسنود فوق صدره بعجز :أنت محق....لقد قتلت الجميع وبقيت أنت....فلتفعل ما شئت.... فليس هناك قلبٌ آخر لينكسر...ولم يعد لي إله أشكوك إليه....ولا بشر يبكي علي.....أنا الآن خالدة في جحيمك....
قالت كلماتها الاخيره وعينيها تنطفئ ببطئ بينما ابتسم بظلام وهو يدفن أصابعه في خصلات شعرها خلف النقاب محتضناً إياها بقوة وتملك كادت تكسر أضلاعها .... لم تكن لينا سوى دمية محطمة بين ذراعيه.... جسداً يرتجف برعشة الموت الباردة...بينما كان هو يشعر لأول مرة أنه امتلك السماء حين سرق منها إحدى مؤمناتها....ساد الصمت بالغرفة ....صمتٌ لم يقطعه سوى نبض قلبه فوق جسدها الذي أعلن الوفاة رفعت لينا عينيها الذابلتين نحوه حينما ابتعد عنها رامقاً اياها للمره الاخيره ثم التفت نحو الباب لتتبعه بهدوء وصمت خلال الممر الطويل وهي تسير خافضه رأسها ملتصقه به كالظل وتري الناس تمر من جوارهم يشبهونه ويشبهونها حتي توقف حينما اوقفته امرآه مردفه باسمه بهدوء لترفع لينا عينيها رامقه فتاه شابه وجميله بأعين صفراء وملامح حاده وواثقه لا ترتدي النقاب كالاخريات ولا تغطي وجهها تقف بحزم وانتباه وتتحدث اليه مردفه : انتظرك بالاجتماع اليوم ولا داعي لاي تأجيل اخر ...كما تري الحرب بلغت ذروتها وكل دقيقه الخالدون اولي بها ....قالت هذا ثم التفتت برأسها رامقه لينا وكأنها لاحظت وجودها للتو لترمش فاطمه باستغراب مميله وجهها قليلاً بصمت غريب حينما لاحظت غتره ظلام تغطي رأسها لكنها لم تعلق وكأنها لم تراها رامشه باعين بارده ثم التفت ملقيه السلام الاخير وتقدمت بهدوء وكأنها قائده الغرور والثقه تملأ محياها
لتنتبه لينا لظلام الذي تحرك لتتبعه بهدوء حتي فتح لها احد الغرف كانت لا تفرق شئ عن الغرفه التي كانت بها غرفه رماديه باهته باضاءه خافته الفرق انها بلا اثاث فقط كرسي امام نافذه مغلقه بها فتحات لا تظهر من بالداخل او الخارج فقط يدخل منها صوت .....شعرت بيده فوق ظهرها وهو يدفعها بلطف نحو الكرسي لتجلس فوقه بهدوء بجوار النافذه وهو ابتعد ووقف بعيداً متكئ علي الحائط مشعل سيجاره لنفسه زافراً دخانها بهدوء وهي كانت تنصت...كان اجتماع لاحد افراد الخالدون او ربما جلسه دينيه لا تعلم ....كانت غائبه في عالم اخر ....تسمع كلماتهم عن القوه والدم وكأنها ضجيج لا يعنيها ....كانت طقوس مظلمه عبوديه الجسد والروح وهي اصبحت جزء من هذه الطقوس لم تعد لينا العروس الهادئه التي كانت تضحك قبل ايام في زفافها اصبحت أمَةٌ كما وصفتها الداعيه للتو وهي تخبرها ماذا يجب ان تفعل وتخبرها ان وظيفتها ان تخدم الامير الخالد في خلوته وان تكون حاضره في اجتماعاتهم المظلمه وان تنسي عالمها القديم عائلتها وكل ماعرفت ....اصبحت ملكيه خاصه لابن الزعيم وعليها ان تعتمد الملابس السوداء الخشنه وان الخالدون لا يعبدون الا القوه.... أغلقت عينيها متمنية لو أن الظلام الذي يلف الغرفة يبتلع وجودها تماماً لترتاح من عبء كونها الشاهدة الوحيدة على موتها البطئ....ماكانت تنصت له ليس فقط تنظيم اجرامي وانما عبث عقائدي جعلها تشعر ان الغرفه الرماديه ليست سجن فحسب وانما هي دين جديد اجبرت علي اعتناقه بالدم والنار ....كانت جامده عندما يتحدث عن الخلود وانضمامها لهم...تنصت بصمت .... ليس اقتناعاً.... بل لأن صوت العقل داخلها انطفأ....تشعر أن الغرفة التي تجلس بها هي قبرها...وأن هؤلاء القتلة هم ملائكه العذاب
انتهي الامر لتنهض بهدوء رامقه اياه ليفتح الباب بهدوء خارجاً وهي تسير خلفه رامقه ظهره العريض وملابسه السوداء والحذاء العسكري الثقيل كان يسير باتزان وملامح قاتمه وكأنه ملِك المكان والجميع يمشي تحت اوامره كان شعره اطول قليلا لاحظت ذلك للتو اخفضت عينيها حينما فتح باب غرفتها او زنزانتها وقبرها ودلف بهدوء تاركاً الباب نصف مفتوح لتدلف هي مغلقه اياه خلفها وهو يقف بمنتصف الغرفه امام الفراش وضوء خافت للغايه فوق رأسه التي تبعد عن السقف المنخفض خمسون سنتميتراً فقط لتقترب لينا منه واقفه امامه كجثه بلا روح رامقه انعكاسها داخل سوداويته كانت صورتها مهتزة... كأنها لا تعرف نفسها....كفتاة مسلمة....كان كيانها يرتجف من فكرة الدنس... لكن عقلها كان يهمس لها...أين كان الطهر حين سُفكت دماء أمك....سقطت دمعة باردة وهي ترى يده تقترب لتنزع ما تبقى من كرامتها...لم تتحرك.... لم تقاوم.... بل استسلمت لبرودة الأرض وهي تشعر أن الله قد رفع ستره عنها في تلك اللحظة المظلمة.....لم تصرخ لينا في وجهه...ولم تبصق عليه وعلي امثاله كما كانت تفعل في الماضي.....بل مالت برأسها ببطء غريب....وسندت جبينها على صدر الرجل الذي قتل عالمها....علامه علي أقصى مراحل الانهزام النفسي...حيث يبحث الضحية عن مأوى في صدر جلاده لأنه لم يعد يملك مكاناً آخر في هذا الكون الشاسع....كانت دموعها قد جفت...وحل محلها برودٍ كالموت....واستسلام جنائزي يشهد موت الهويه القديمه وولاده الأمَه المحطمه ....لم يكن في لمستها له حنان.... بل كان فيها ثقل الجثة التي أرهقها الوقوف....كانت رائحة التبغ والعطر الفاخر العالقة في ثيابه تقتحم أنفاسها لتؤكد لها في كل ثانية أن هذا هو مصيرها وعقلها المنهك يهمس مرة أخرى محطماً آخر حصون إيمانها ...لو كان صدره محرماً... لما كان جبينك الآن ملتصقاً بنبضه....لو كان الله يراكِ.... لما كنت في قاع هذا القبر الآن....كانت هذه الكلمات هي الرصاصة الأخيرة التي أطلقتها على نفسها....في تلك اللحظة.... رفعت يدها ببطئ شديد فوق صدره وتمسكت بطرف ملابسه.... ليس حباً....بل كغريق يتمسك بصخرة مدببة تجرحه....رامقه اياه بملامح ذابله لينحنى هو قرب شفتيها دون تقبيل محيطاً إياها بذراعيه كأنه يغلق عليها باب التابوت وقال بنبرة دافئة وهوس مظلم : هكذا يا أمتي.... هنا ينتهي العالم...وهنا يبدأ خلودك.....لا داعي للحزن علي غائب لن يعود ....ولا علي رب استودعكِ في يدي ....فملامحي هي الآيه الوحيده التي سأسمح لعينيك بتلاوتها منذ الان ....الجحيم الذي تخافينه ليس بالخارج ...الجحيم هو ان تعيشي بعيداً عن ظلي ....فجمالك المشوهه ورمادك هو الفضيله التي سأسمح لك بإعتناقها .....كان يهمس لها بتلك الكلمات بجنون وتملك شديد ....ليس فقط يريد انتهاك جسدها وانما عقيدتها....يضع نفسه في منزله الرب في حياتها ليجبرها علي الشعور بأن لا ملجأ لها الا اليه ....وان هذه هي ستكون حياتها الي الابد ....(والعياذ بالله)
شعرت أن كلماته حقيقة مريرة كالعلقم.....جعلتها تفقد اخر حصونها ....رفعت لينا عينيها الذابلتين نحوه وقالت بنبرة محطمة خالية من أي حياة: أنت محق.. لقد تخلوا عني جميعاً....فلا أحد في هذا الكون يريدني سواك.. لا أحد يرى وجودي غيرك....ابتسم ظلام بملامح مختله رامقاً انكسرها ونور عينيها الذي انطفئ بمرض شديد علامه انها لن تتركه وانه حقق غايته المرضيه في امتلاكها.... بينما كانت لينا في الحقيقة قد انقطعت عن عالم الأحياء تماماً...وأغلقت قلبها بقفل اليأس....مغمضه عينيها بوهن حينما قبل شفتيها بعنف وظلام معتصر اياها الي جسده بذراعيه لدرجه لم تعد تشعر بالارض ...ابتعد عنها لتفتح عينيها وهو يتكئ بجبهته فوق خاصتها بارهاق شديد وكأنها تقتله وعروق عنقه تصلبت لاعقاً شفتيها ببطئ وجوع شديد وهو يرمق عينيها بفراغ....لم تنظر إليه....بل كانت تنظر إلى الفراغ....استسلمت ليده التي حملتها بين ذراعيه ...لم تبتعد...ولم ترتجف.....كانت روحها قد غادرت جسدها بالفعل لتلحق بأمها وزوجها ...حاملاً اياها نحو الفراش وهو يجردها من انسانيتها الاخيره وهويتها وكرامتها....لن تقاومه....ليس لأنها ذكية أو تخطط لشيء....بل لأنها فقدت الرغبة في النجاة.....
كان يعبث بعقلها ويخبرها أنها لا تملك غيره....وهي ايقنت انها الحقيقه كأنه قدَرها المحتوم....تتعامل معه بـخضوع الموتى....تنفذ ما يطلبه بآلية مرعبة....كأنها إنسان آلي....لأنها تعتقد أن الاعتراض لن يغير من حقيقة أنها منبوذة من السماء والأرض كنوع من العقاب الإلهي الذي تستحقه حسب ظنها المشوه بالصدمة لانها السبب في موت والدتها ومايل والجميع ....ستتوقف عن الدعاء....وتتوقف عن البكاء.....الصدمة النفسية جعلتها في حاله خرس روحي....عندما كان يهمس لها بكلمات الهوس المسموم لم تكن تجيبه بل كانت تنظر لسقف الغرفه تاركه جسده يفعل بها مايشاء بينما تحلق روحها بعيداً متجرده منها ومما تفعل وكأنها لا تنتمي الي هذا الجسد الضعيف وهي تشعر بالبرود وكأنها ليست هي ترمق سقف الغرفه الرمادي وتتسأل متي سيتوقف قلبها عن النبض ....اعتصرت لينا الفراش كاتمه انينها في كتفه مغمضه عينيها ورائحته التي التصقت بها تخنقها دافعه كتفه بضعف كي يسمح لها بالتنفس بسبب ضخامته وثقل
جسده فوقها ....لتصق اسنانها حينما أذاها اكثر وهو يلعن تحت انفاسه لتعتصر لينا عينيها متصرفه بجمود نعم الجثث لا تشعر ....الجثث لا يجب ان تشعر ....اغلقي عينيك فكري بمكان جميل ....فكري بمايل ...لا لا ...لا يجب ان افكر به بهذا الوقت ...مع هذا الرجل ...بهذا الوضع المقزز ....انه اطهر من ان افكر به ....شهقت حينما رفع الاخر جزئه العلوي يتكئ بذراعيه الضخمين حولها رامقاً اياها بملامح مخيفه وكأنه يعلم ما يدور داخل عقلها وكأنه يعرف محولاتها البائسه للتصرف كالجثث البارده ....ابتلعت ريقيها حينما توقف واخذ يرمقها بملامح قاتمه وغير مفسره لا يفصل وجههم عن بعض سوي انش واحد عينيها الحمراء داخل عينيه ليرفع يده ممسد وجنتها بابهامه ثم تحسس شفتيها بهدوء نزولاً نحو عنقها ثم اعتصره دون خنق وكأنه يخبرها ان حياتها بين يديه مقرب وجهه اكثر حتي تلاشت المسافه بينهم هامساً قرب فمها بملامح مظلمه وانفاسها اختلطت بأنفاسه: استطيع جعلك تصرخين لكني لا اريد ايذاء صغيرتي ....كلما تقبلتي الحقيقه كلما تلاشي حزنك ....لما تحاولين انكار الامر ....وانت تعلمين ان شبحي يرافقك لسنوات ....امال ظلام رأسه رامقاً عنقها وكتفها ممسداً اياه بيده ببطئ وهوس لتميل لينا رأسها بالاتجاه الاخر مغمضه عينيها دافنه وجهها بالوساده وهو ينحني طابعاً قبله بلطف بين نحرها ووكتفها معتصر اياه بقسوه وهو يهمس بنبرته الاشبه بفحيح الموت :لا تحاولي الهرب لداخلِك.... فأنفاق عقلك مظلمة.... وأنا أسكنُ في نهايتها قبلك.....أغمضي عينيك كما تشائين....لكنك لن تري سوى ظلي.... ولن تشمي سوى رائحتي التي باتت تجري في عروقكِ كالسُم.....انسي الجميع وكل ما حدث....فمنذ هذه الليلة....حتى ذكرياتك أصبحت ملكاً لي....ولا يحق لكي استحضار أي وجه غيري في حضرة خلودنا.... ثم أمال رأسه أكثر هامساً مباشرة في أذنها ليرتعش جسدها المتعب معتصره عينيها برجفه : أنتِ لست جثة لينا...الجثث لا تتألم....وأنا أريدك أن تشعري بكل خلية في جسدك وهي تصرخ باسمي.....استسلمي لشبحك.... ففي هذه الغرفة....أنا قدرك الذي لا يُرد والشيطان الذي تخشينه وتستعيذين به في صلاتك....لا تقاومي ما افعله بك بل اعتنقيه ....لانك خُلقتي لتفني بين ذراعي .....ثم ابتسم بطريقه مختله ....
هذا جعل روحها تتمزق ....لم يكتف فقط بانتهاك حاضرها وانما قرر احتلال ذاكرتها ايضاً ....لم يكتفي بصمتها وانما اراد صراخها والمها حتي يرضي هوسه المريض بها .....وقد نجح بالفعل اجبرها علي الصراخ باسمه علي اقتحام حتي عقلها وكلما حاولت اغلاق عينيها لتهرب كان يصفعها بقسوه ويمسكها من شعرها بقوه مجبر اياها علي النظر داخل عينيها وهو يقتحمها بقسوه وعنف رامقه اياه والعرق يتصبب فوق تضاريس جسده الاسمر ووجهه وكأنه لم يلمس امرأه من قبل يتعامل معها بوحشيه مخيفه وكأنها ستختفي .....يقبلها بعنف بينما يشتمها وكأنها تفقده صوابه ولا يكتفي ...يريدها مره بعد مره بعد مره بشكل مريض ....وهكذا استمر الامر ....وهكذا استمرت حياتها بين ذراعيه تصرخ باسمه كل ليله لدرجه شعرت انها ستفقد عقلها وهو وكأنه ادمنها اكثر ....وكأنه جن بها اكثر واكثر ...كلما سمعت صوت خطوات بالخارج ترتجف ظناً انه اتي ليضاجعها ويلعن حياتها لدرجه فقدت صوابها وهي ترمق الباب كل ثانيه حتي وان اخبرها انه ذاهب باحد مهماته وسيتاخر لم تكن ترتاح تبقي جالسه بزوايه الغرفه بالظلام وهي ترمق الباب بقلق حتي تتعب وتنام
وفي كل صباح....كانت تستيقظ على صوت الأغلال التي تقيد معصميها....ليس بحديد....بل بذل أثقل من الحديد......تراه يجلس فوق الكرسي امامها يدخن سيجارته ويشاهدها نائمه بملامحه السوداء ....نهضت وتقدمت نحو الخزانه وحملت بعض الملابس ودلفت الي الحمام بدلت ملابسها وارتدت العباءه الثقيله والنقاب ثم خرجت خلفه .....كانت تمشي خلفه في ممرات الوكر الرمادية....مطأطئة الرأس .....ترتدي الملابس السوداء الثقيله وشاره الخالدون فوق جبهتها .....تشم رائحة البخور الممزوجة برائحة الموت والبارود.....كان يأخذها تمارس الطب لبعض النساء دون ان تتحدث.....كانت تتعامل معه ومع الجميع بصمت مرعب....لم تعد تقاوم لمسته....ليس حباً.... بل لأنها أصبحت تشعر أنها مشوهه مثله كما يصفها....وأن جسدها اصبح ملكاً للقبر الذي تسكنه..... كانت حياتها معه عبارة عن انتظار طويل لانتهاء اليوم....وسقوط مستمر في هاوية اليأس ليلاً ....حيث تصدق يوماً بعد يوم أنها فعلاً أصبحت وحيدة.....وأن الجميع.....حتى السماء....قد غضوا البصر عن مأساتها .....
تقدمت لينا بهدوء بعدما فرغت من فحص بعض المرضي وتدوين لهم بعض العلاج الذين يقومون بصرفه من صيدليه بجوار غرفه الكشف التي تجلس بها.... كانت تسير خلال الرواق بصمت وملامح باهته اسفل النقاب وعينيها الزرقاء ذابله وحمراء لا ينطفئ توهجها ليوقفها صوت ما.....التفتت نحو رواق جانبي طويل وشعور بروده غريب يسري في صدرها لتتقدم ببطيء وبقلب يرتجف للمره الاولي منذ اكثر من شهرين خلال الممر حتي توقفت امام احد ابواب الغرف وهي تنصت الي صوت خاشع وجميل وهو يتلو (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) )احمرت اعين لينا ودمعه تسيل من عينيها وهي ترفع يدها فوق الباب واضعه رأسها بخفوت منصته للقرآن وكأنها طفل مشتاق لوالدته وكانت حقاً كذلك ...كانت يتيمه ووحيده ومنكسره ....كانت تنصت له وكأنه ماء بارد لا يطهر جسدها فقط وانما روحها التي ابتلعها الظلام ....مبتلعه غصتها وهي تشهق بصوت مكتوم منصته للصوت وهي تتذكر صوت مايل وذلك المكان ابتسامتهم وكيف كانت تنام علي صوته وهو يقرأ لها القرآن بيقين تام ان القرآن هو من سيشفيها وبالفعل تذكرت كلمات والدها التي ادركت معناها للتو .....كان دوماً يقول ...اقرأ القرآن لانه نجاتك ....احفظ القرآن لانها درجاتك...تعلم القرآن لانه حال قلبك وقرارتك ....اقرأ القرآن بنيه الثواب ....اقرأ القرآن بنيه الشفاء ....اقرأ القرآن بنيه الهدايه والحصول علي النور ....خاسراً من قرأ القرآن بنيه الثواب فقط ....لطلما اخبرها والدها بهذا وكان محقاً ....القرآن كان اشبه بالنور داخل العتمه ....وهذا ما تشعر به الان وهي تنصت الي الايآت التي تتردد داخل روحها وجمود جسدها ......لا تتذكر متي اخر مره استمعت له ....كانت ايامها متشابهه ....لا تري فيها ضوء الشمس ولم يكن هناك فرقاً بين الليل والنهار ...كانت تعيش كالموتي فقط وهذه الكلمات استشعرت بها انها لازالت حيه ....لازالت تتنفس ....لازلتي تتنفسين لينا ....انصتي .... فالسماء لم تغض البصر....السماء كانت تنتظر انكسارك لتبنيكِ من جديد.....
وضعت جبينها فوق خشب الباب البارد....ليس عجزاً هذه المرة....بل سجوداً خفياً للكلمات التي أعادتها لبيتها.... لصلاتها..لمايل .... لامها ووالدها....تذكرت وصيته ...خاسر من قرأ القرآن بنية الثواب فقط...والآن....هي لا تطلبه للثواب....هي تطلبه للحياة....تطلبه لتعرف أنها ليست مسخ وليست قذارة وجودية ....بل هي أمة الله التي ضلت الطريق في مكان مظلم ......شهقتها المكتومة كانت إعلان استقلال داخلي.... ففي هذه اللحظة....سقطت سطوة شبحها عن قلبها....هو يملك جسدها....نعم.. يملك حركتها... نعم.. لكنه لم يعد يملك تعريفها لنفسها..... لم يرفع الله ستره.... بل كنت أنتِ من أغمضتي عينيك في الظلام.....
توقف صوت القرآن لتكتم لينا شهقاتها مبتعده عن الباب برجفه ليفتح بنفس اللحظه شاب طويل ربما في بدايه الثلاثين اعينه زرقاء ويربط شماغ فالنتينو ناعم يربط به رأسه فوق شعره الطويل الظاهر من الجانبين يرمقها باستغراب ليردف بهدوء : تريدين شئ اختاه؟....لم تجيبه رمشت بتوتر رامقه اياه بخوف ثم رمقت الممر ليقترب الاخر منها لتعود لينا الي الخلف ملتصقه بجدار الممر خلفها رامقه اياه باعين حمراء خائفه وحائره اسفل النقاب والاخر اردف : لا ترمقيني بهذه الاعين نحن نخشي الفتنه
:يوريان
التفتت لينا بزعر رامقه ظلام الذي يقف بنهايه الممر رامقاً اياها لتلتفت لينا الي يوريان ثم التفتت نحو ظلام متقدمه بسرعه سابقه اياه الي الغرفه وهو التفت خلفها ليصيح يوريان : لن أكلها انا نباتي ....
لم تسمع اجابته ولم يجيب عليه من الاساس كانت تسبقه وهي تسير بقلق ورجفه نحو الممر الذي يؤدي الي غرفتها وهي تعلم ان شبحها خلفها ....سبق ان امرها بعدم الحديث مع احد او الذهاب لاي مكان داخل الخليه فقط الي حجره الطب والحمام والي غرفتها حتي طعامها كانت تسمع ثلاث مرات باليوم طرق فوق الباب تفتح فتجد الطعام او هو يحضره له بنفسه ولا احد اخر رأي وجهها ابداً وهذا كان تحذيره الدائم ان تسدل النقاب دوماً علي وجهها .....دلفت الي الغرفه نازعه العباءه الثقيله عنها بتوتر في نفس اللحظه التي شهقت بصراخ حينما امسكها من شعرها من الخلف دافعاً اياها بالحائط بقوه لتسقط ارضاً بألم وسقط معها حجابها ونقابها زاحفه للخلف بالزوايه برعب ضامه قدميها الي صدرها وهي ترمقه بزعر حينما صاح بها بملامح مخيفه : ماذا كنت تفعلين ....تحاولين الهرب ....لما دخلتي الي هناك ...قال الكلمه الاخيره بصياح وهو يحمل الكرسي ضارباً به الحائط لتصرخ الاخري بفزع واضعه يديها علي اذنها وهي ترتعش حاشره نفسها بالحائط اكثر لم تكن ضربة الكرسي بالحائط هي ما أرعب لينا فحسب.... بل كان ذلك الشعور بأن ظلام يحاول خنق النور الضئيل الذي تسلل لقلبها منذ لحظات....كانت ترتجف في الزاوية....وجسدها ينكمش ليصبح أصغر من حجمه....كأنها تحاول الاختفاء داخل الجدار الرمادي برعب....اقترب ظلام منها بخطوات ثقيلة وعيناه مظلمه بغيرة مريضة ليست على حبها....بل على ملكيته المظلمه والمريضه....انحنى فوقها بهدوء محاصراً إياها بجسده الضخم وهمس بفحيح مخيف اشعرتها بالتهديد بكل حرف بها:ألم أحذرك؟.... الممرات لست لكي.... والهواء في الخارج ليس لك ....أمسك بفكها بقسوة لترمقه لينا بأعين حمراء وذعر مجبراً إياها على النظر داخل سوداويته وأردف بنبرة تملؤها الكراهية:لا أحد يراكِ... ولا أحد يسمعكِ.... ولا أحد يلمسُ طرف ردائكِ إلا أنا.....عودي لجثتك لينا.. عودي للصمت....لأن المرة القادمة التي تتركين فيها غرفتكِ دون اذنً مني ....سأجعل الممر الذي مشيت فيه قبرك.....هل تفهمين ياصغيره ....لتؤمي له لينا برعشه ليتركها الاخر ناهضاً بطوله وضخامته لتنكمش اكثر محتضنه ساقيها الي صدرها وهي ترتعش وتنظر اليه بخوف وهو يخرج من الغرفه مغلقاً الباب من الخارج لتفرك لينا بهستريا ورعشه شعرها ونصف وجهها وهي تخبيء نصفه الاخر بالزاويه فاركه انامل قدمها ببعضهم وهي تحتضن ساقها اكثر بوضيعه الجنين والذعر تبكي بأنين للمره الاولي شعرت بالغصه تخنقها وهي تبكي بنحيب مكتوم وتغطي رأسها ووجهها ....كانت تأن وهي تبكي داخل الغرفه بمفردها في تلك البقعه المظلمه وصوت بكاءها يتردد بالغرفه
كانت تشعر بعينها وكأنها قطعه جمر ملتهبه وتحرقها من كثره البكاء حتي صدرها كان ينتفض بنشيج يرتجف معه صدرها في كل مره تحاول أخذ نفس واحد وكأنها تختنق ...فركت عينيها بحرقه رافعه وجهها رامقه الغرفه وهي تفرك تخدش ذراعها بأظافرها حتي ادمته والدموع المالحه حرقت وجهها تشهق بصوت وينتفض مع شهقاتها اكتافها كطفله صغيره رافعه وجهها نحو السماء ثم مسحت دموعها بظهر يدها وذراعها ثم اخفضت وجهها ارضاً وكأنها تبحث عن شيء ما برعشه لتتوقف عند عبائتها لتجثو علي ركبتها منحيه ساحبه اياها وهي ترتجف ثم وضعتها فوق رأسها وهي ترتعش لا تستطيع السيطره علي رجفتها محتضنه نفسها بالعباءه ساتره نفسها وهي تجثو علي ركبتيها ثم رفعت وجهها نحو السماء واخفضت وجهها ارضاً وبقيت هكذا لدقائق طويله ترتعش والشهقه في صدرها عينيها عالقه في الارضيه وكأنها تبحث عن الكلمات ...وكأنها فاقده للذاكره تبحث في عقلها ....لتهزأ رأسها فاركه رأسها بعنف وغيظ ولا يتردد في رأسها سوي صوت ظلام وصراخ الجميع يوم زفافها دماء مايل ووجه والدتها الملطخ بالدماء ملامحه فوقها كل ليله وهو يجبرها علي النظر له لتصرخ باختناق وصوت عال وهي تمسك رأسها : اخرج من رأسي ...اخرج من رأسي ....اه ....اه ...اخذت تصيح بألم وهي تنحني نحو الارض ممسكه رأسها وجبهتها مسنوده فوق الارضيه تحاول استعاده شتات امرها بوضعيه السجود دون ان تنتبهه حتي شعرت بالارض تستقر كانت جبهتها المسنودة فوق الأرضية الباردة هي النقطة الوحيدة التي تشعرها بالثبات بينما كل شئ يتساقط فوق رأسها كانت تشعر بالتمزق مع كل أه تخرج من حنجرتها المبحوحة....كان الوجع يتسرب من صدرها ليختلط ببرودة الأرض ترتجف حتي غطت رأسها بعباءتها كأنها تحاول الاختباء من عين القدر.... أو ربما من عين شبحها الذي تظن أنه يراقب حتى أفكارها..... وفجأة....وسط ضجيج الصراخ في رأسها....وصور الدماء التي تلطخ ذاكرتها.....لمعت في عقلها آية واحدة كبرق خاطف.....سكنت لها رجفتها قليلاً.....الآية التي سمعتها كذكري ضبابيه(أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ).....توقفت صرخاتها وبقيت فقط شهقاتها المكتومة التي تهز ظهرها تحت العباءة.....أغمضت عينيها المحترقتين وبدأت شفتيها ترتجفان.... لا لتبكي هذه المرة....بل لتهمس بأولى الكلمات التي استطاعت استرجاعها من بين ركام ذاكرتها المحطمة....همست بصوت بالكاد يخرج من اعماق روحها.... صوت يخرج من قاع بئر مهجور لسنوات بغصه واختناق : يا رب... يا رب أنا لا أذكر كيف أدعوك... لكنك تراني... ترى ما فعلوه بي... وترى أنني لم أعد أعرف نفسي...كانت هذه الكلمات هي الخيط الأول الذي سحبها من غيبوبتها النفسية....لم تتوقف الصور البشعة عن الظهور في عقلها لكنها بدأت تشعر بأن هناك مستمعاً آخر غير جدران الغرفة الصماء وغير ظلام الذي يسكن الممرات....رفعت رأسها ببطء....العباءة لا تزال تظلل وجهها الشاحب وزرقاويتها الحمراء ومسحت الدماء التي خرجت من ذراعها المخدوش بقطعة من القماش وهي تنظر إلى الباب المغلق مردفه بخوف ورعشه....هو يملك الباب... ويملك الممر... لكنه لا يملك الأرض التي أسجد عليها.....امالت لينا رأسها بحسره وقهر رامقه السماء بغصه وتعتدل من سجودها فوق ركبتيها فاركه اناملها ببعضها وهي تتذكر ....او ربما تم وحي ذاك الي ذاكرتها وهي تتذكر موقف النبي صل الله عليه وسلم حينما عاد من الطائف بعدما أذوه أهلها وناجي ربه وبكي من ضعفه وقله حيلته هامسه بما قاله وشفتيها ترتجف والدموع تسيل علي وجهها : اللهمَّ إليك أشكو ضَعْفَ قوَّتي....وقلةَ حيلتي....وهواني على الناسِ....يا أرحَمَ الراحمِينَ....أنت رَبُّ المستضعَفِينَ..... وأنت ربِّي....إلى مَن تَكِلُني؟ إلى بعيدٍ يَتجهَّمُني....أو إلى عدوٍّ ملَّكْتَهُ أمري؟! إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالِ.....ولكن عافيتُك هي أوسعُ لي..... أعوذُ بنورِ وجهِك الذي أشرقت له الظلماتُ....وصلح عليه أمرُ الدنيا والآخرةِ....مِن أن تُنزِلَ بي غضبَك....أو تُحِلَّ عليَّ سخطَك....لك العتبى حتى ترضى....ولا حول ولا قوة إلا بك....لا حول ولا قوه الا بك ....لا حول ولا قوه الا بك ...اخذت تردد الجمله وهي ترتجف ثم اخفضت وجهها بعجز نائمه فوق الارضيه محتضنه نفسها بوضع الجنين بمنتصف الغرفه ملتفه بعبائتها واستسلمت للنوم من فرط التعب النفسي هذا النوم هو اول نوم آمن لها لأنها وضعت حملها عند من هو اقوي من سجانها ....اتكئ ظلام برأسه فوق الحائط الذي يسند طوله فوقه بجوار الباب داخل الممر المظلم رامقاً الفراغ امامه بأعين سوداء مرتخيه حتي سكن صوت شهقاتها ....لم يتحرك او اصدر رده فعل لدقائق طويله حتي اخفض وجهه بهدوء معتدلاً ثم مد يده نحو الباب فاتحاً اياه بهدوء وعينيه وقعت نحو جسدها الصغير والنحيل فوق الارضيه متكوره حول نفسها ارتخت اعين الاخر مميل رأسه بقهر مبتلع ريقه ببطئ ثم تقدم نحوها بخطوات هادئه منحني نحوها ...مد اصابعه الطويله نحو طرف العباءه الذي يغطي وجهها مبعد اياه بهدوء شديد عنها رامقاً ملامحها الحمراء والدموع التي حرقت وجنتيها ثم اخفض وجهه نحو جسدها ليحملها برفق شديد ناهضاً نحو الفراش ....وضعها بهدوء ثم دثرها وجلس علي ركبتيه ممسكاً يدها واضعاً اياها فوق وجهه بهدوء وهو يرمقها بأعين سوداء باهته كان ملمس يدها البارده والمخدوشة فوق وجهه يحرقه أكثر من أي جرح أصيب به في معاركه.....رمق ملامحها النائمة بشرود .... تلك التي لم تهدأ إلا حين ابتعدت عنه وعن عالمه....ليهمس بنبرة خافتة ....ممزقة....وكأن الكلمات تخرج منه رغماً عنه مميل رأسه بحسره واختلال: لماذا تفرين مني إلى من لا ترينه.....وأنا هنا....أملأ جدرانك وأنفاسك بوجودي.... أوجعتك لتنظري لي ... فرفعت وجهكِ للسماء..... كسرت كل ما حولك لتتمسكي بظلي.....فتمسكتِ بالتراب.....نامي صغيرتي .. نامي وأنت تظنين أنك نجوت.....لكنك حتى وأنتِ بين يدي من تشكينني إليه....تظلين خطيئتي التي لن أغفر لها.....نعم لن اغفر لك ....لانك جعلتني ضعيفاً ومهوساً بك ....لترتخي عينيه نحو ملامحها الساكنه كالملائكه ممسد بيدها وجهها وكأنه يمسح بطهرها قباحته وهو يهمس بهوس وكأنه ثمل بها وبرائحتها : لكن ستظلين خطيئتي التي لا اريد التوبه منها ....ولن أتركها ترحل.... ثم انحنى أكثر مقبلاً كفها المرتجف في نومها وأكمل بنبره ناعمه ومخيفه: غداً ستستيقظين....وستجدين أن السماء لا تزال بعيدة....وأن الأرض لا تزال تحت قدمي..... وأني أنا... وجحيمي.....الحقيقة الوحيدة التي لن تستطيعي الهروب منها بدمعة أو سجدة.....اعترف بذنوبي لكني استمتع بهذا السواد معك ....اريدك ..... ارتخي جفنيه وهو يستنشق رائحة شعرها العالقة في العباءة وكأنه يحاول سحب أنفاسها لتعيش داخل رئتيه هو مكملاً بهمس: أريدك.... ليس كجثة تسكن غرفتي...بل كروح مصلوبة داخل روحي....سأحارب فيك هذا الطهر حتى يتسخ بي....وسأحطم فيك هذا اليقين حتى لا ترين احد غيري .... اعبدي من تشائين في سجودكِ....لكن حين تفتحين عينيكي.... ستجدين أني أنا من يمنحك الحياة.... وأنا من يملك حق سلبها....
اعتدل في جلسته ببطء....وعيناه لا تزال عالقه بوجهها الشاحب ثم مرر إبهامه فوق شفتيها المرتجفتين برقه وظلام ثم نهض بكل طوله وضخامته ملقي نظرة أخيرة على جسدها الضئيل بعدما دثره بعناية مبالغ فيها ثم خرج من الغرفة بخطوات لم تصدر صوتاً وأغلق الباب خلفه بهدوء شديد تاركاً خلفه رائحة البارود والتبغ لتخنق آياتها التي كانت لا تزال تتردد في أرجاء الغرفه ....
فتحت لينا عينيها بهدوء وتعب رامشه ببطئ ثم رمقت حولها لتنتفض جالسه حينما رأت نفسها مدثره فوق الفراش وليس الارضيه البارده ...انتفضت عائده للخلف ملتصقه بجدار الفراش رامقه غترته فوق الفراش الذي يغطيها واخذت تمسح وجهها بعنف فاركه يدها لتتجمد رامقه ذراعها لتجده مضمد بشاش ناعم مكان الخدوش بعدما تم تنظيفها ...رمشت بملامح باهته نحو الضمادات وكأنها دميه يقوم باصلاحها ليعيد اللعب بها ....وهذا الشعور بالدونيه جعل الغصه تجتاح صدرها ثم فجأه شعرت بالغثيان لتركض نحو الحمام لتتقئ بخواء حتي شعرت بالدوار امسكت الحوض ورأسها يدور ثم رمقت ملامحها الباهته والصفراء خلال المرآه ...غسلت وجهها ثم التفتت خارجه مرتديه ملابسها وذهبت الي العياده ....اكملت عملها هناك وعادت الي غرفتها بعد ساعات فاتحه الباب لتتصلب حينما رأت ظلام يجلس فوق فراشها معطي لها ظهره ودخان السجائر يطفو حول هالته المرعبه .....ارتخت ملامح لينا مغلقه الباب خلفها ببطئ وكأنها تغلق علي روحها كي لا تري بشاعه ما سيحدث ثم مدت يديها ساحبه النقاب وفكت ازرار عبائتها لتسقط ارضاً ببطئ داعسه فوقها وهي تسير نحوه بهدوء وملامح خافته واقفه امامه دون ترمق عينيه التي تنظر لها بهدوء وفراغ ثم نهض واقفاً بطوله وضخامته ليصل رأسها الي صدره وهو يمد يده نحو فكها وانحني كرجل نبيل مقبل شفتيها برقه تحت صمتها الجنائزي والغصه التي تجتاح صدرها وهو يبتعد ملقي اياها فوق الفراش امامه وعينيها ترمق خاصته التي تبتلعها بظلام وهو يفتح ازرار قميصه الاسود ثم انحني فوقها وهي لم تغلق عينيها هذه المره تركتها مفتوحه غارقه في سواد عينيه دون ان تراه فعلياً ....كانت تنظر من خلاله نحو الفراغ خلف كتفه الضخم وانفاسه التي يلفحها فوقها تصيبها بقشعريره بارده .....
فتحت عينيها حينما وجدت نفسها بمفردها ....نهضت بتعب وغصه حامله الغطاء حول جسدها العاري متقدمه نحو تلك الزوايه بنهايه الغرفه لتفعل مااعتادت علي فعله منذ ذلك اليوم وتلك الليله التي استغاثت به ربها ولم تجد اجابه بعد ....لكنها لم تيأس كانت تكتب رساله بمسمار صغير فوق الحائط ....كل مره يسلب فيها طهرها اكثر واكثر ويغرقها بظلامه اكثر وكأنه يحاول اثبات لها ان لا صوت يعلو فوق صوته وان لا خلاص لها الا من خلال موته وكأنه يخبرها صلي ما شئتي فهو بالنهايه من يملك المفاتيح ...الابواب ....والظلام ....وكلما كان يفرغ منها ويتركها بالكاد تتنفس كانت تنهض بذلها وانكسارها والغصه في حلقها والاثار الذي يتركها علي جسدها تسير ببطئ نحو الزوايه وتكتب بروح مكسوره وضعيفه تنتظر اجابه ...رب اني مستي الضر وانت ارحم الراحمين .....سندت لينا رأسها علي الحائط وكتفها معطيه ظهرها للفراغ خلفها وهي ترمق الحائط الاخر امامها بعدما حفرت الجمله للمره السادسه والخمسين ...لتسيل دمعه علي طول وجنتها ثم نهضت بروح خاويه نحو الحمام لتغسل قذارته من فوقها
كانت تجلس بالعياده خلف المكتب البسيط بينما تخبرها احد الجنديات بالخالدون ان تشعر بأعراض الغثيان والقئء الصباحي وانقطعت عنها الشهريه منذ شهرين ولينا تدون ماتقوله بصمت وهدوء حتي توقفت عن الكتابه متجمده ثم ابتلعت ريقيها ببطئ رامقه الاعراض التي دونتها للمرأه مره اخري ثم ارتعشت رموشها وارتجف القلم من يدها ناهضه ببطئ لتتركها خارجه نحو غرفه الدواء الكبيره ....دلفت خلال الرواق والطبيبه الصيدليه تحاول معرفه ما تريده لكن لينا لم تجيبها وهي تبحث خلال الحروف حتي توقفت امام الدرج الخاص باختبارات الحمل ساحبه واحداً ثم خرجت بسرعه نحو الحمام ....وضعت الشريط فوق الحوض ممسك اياه كي لا تسقط وهي تشعر بالكون يدور بها رامقه الخط الاحمر وهو يمر ببطئ شديد وتلك العلامه الثانيه بدأت تظهر ببطئ وروحها تسلب معها ....
ادمعت عين لينا بجمود وهي تري الاختبار ايجابي لتسقط دمعها من عينيها هازه رأسها بعدم تصديق ....لم تعرف ماذا تفعل ....كانت تريد البكاء لكنها فجأه ضحكت ...ضحكت بعدم تصديق ...ضحكت بجنون هيستريا وكأنها فقدت عقلها ممسكه رأسها ثم اختفت ابتسامتها وضحكها فجأه رامقه الشريط وكأنه حقيقه وليس وهم كما تصورت ....حملت الشريط بهدوء ويد بارده كالثلج ثم خبئته في كمها متقدمه خلال الرواق نحو العياده مجددا ...كانت شارده طوال الوقت وحينما لم يأتي احد كانت قد قررت العوده لغرفتها لكنها رفعت وجهها نحو طبيبه مساعده وممرضه كانا يجلسلان بعيداً عنها ويتحدثان ...لم يكن واحده بهم تعرفها او هي تعرفهم الجميع يعلم أنها أمَّه ظلام ومِلكه لكن لا احد يجرء علي الحديث معها بما انها خاصه امير الخالدون ....لكن ماجذبها في حديثهم انهم كانوا يتحدثون علي عقد قران وتحالف سيتم عقده الليله لترمش لينا حينما التفتت لها الطبيبه ثقة : مارايك ان تحضري الكثير سيكون حاضراً يمكنك القدوم معنا ثم ابتسمت لها: اعتقد انك ستحبين الامر لان الامير سيكون حاضراً
لم تفهم لينا سبب ابتسامتهم الغريبه ولما كانوا مصريين علي اخذها ولا تفهم لما فعلت كل ما يشغل عقلها هو تلك الروح العالقه معها في احشائها داخل هذا المكان ...والتي لا تعلم مصير كليهما ....والاسوء لا تعلم شعورها وحقدها عليه لانه مهما بلغت المسميات ليست زوجته وليست ملك يمين ولا احد السبايا ....هي مختطفه هنا وماتحمله داخل احشائها ابن زني وطفل غير شرعي ....كانت لينا تسير بالرواق وهي تتسأل لما طوال اربعه اشهر لم يتزوجها بشكل رسمي ....لما طوال الوقت كان يأتيها دون زواج ....لما يخفيها داخل ذلك الممر بتلك الحجره.... لماذا تركها في منطقة رمادية قانونياً وشرعياً....كأنها سرٌّ قذر لا يجب أن يخرج للنور!....هل هي جارية في نظره لدرجة لا تستحق عقداً.... أم أنه يخفيها داخل ذلك الممر وكأنه يخشي أن يراها العالم.. ...وكأنه يخفيها عن عيونٍ أخرى داخل الخالدون أنفسهم....وتباً اتت لها الاجابه بسرعه لم تتخيلها حينما تباطأت خطواتها وهي تسمع صوت شيخ يبدأ عقد القرآن ببعض الايات رافعه وجهها نحو النساء الكثيره التي ترتدي الاسود مثلها متقدمه بينهم وهي تمر من خلالها حتي تجمدت بالمنتصف حينما رأت ظلام يجلس فوق الكرسي امام الطاوله يرتدي غترته السوداء وملابس الخالدون السوداء وكأنه اميرهم وهو يمسك يد احد اخر رجل كبير بالعمر ويجلس بجواره فتاه تدعي فاطمه تعرفها وسبق ان رأتها عده مرات دون حتي ان ترمقها كما تفعل مع الجميع وكما امرها ظلام بذلك ....ظلام الذي كان يردد العهود مع الشيخ لقبول الفتاه العفيفه والبكر الرشيد اميره الخالدون والسيده فاطمه زوجه امام الله ورسوله والشهود الحاضرون...لتحمر اعين لينا والجميع علا صوته بالتهليلات لتقف فاطمه مع والدها الذي صافح ظلام وصافح الزعيم مورسال يضحكون بسعاده لكن اعين لينا الحمراء كانت مصوبه نحو فاطمه التي امسك يد ظلام مقبله اياها وهو انحني قليلاً مقبلاً رأسها امام الجميع ثم صاحوا والنساء كانت تصلي علي النبي بصوت عال ويهللون وفاطمه تبتسم لهم ولازالت يدها تمسك يد ظلام الذي كان يحني رأسه بهدوء شديد علامه تحيته للموجودين ثم الي النساء دون ان ينظر لهم وعاد برأسه نحو الرجال ليتوقف لثانيه مبتلع ريقه ببطئ ثم التفت باتجاه النساء وعينيه استقرت داخل عينيها الزرقاء ودمعه حمراء زرفت من عينيها تحت النقاب ثم استدارت ببطئ خارجه من بين الزحام
******
#يتبع باذن الله
#ورده_عبدالله
سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك ربي واتوب اليك
هناك قاعدة مشهورة تقول "ناقل الكفر ليس بكافر"....في الأدب عندما تكتبين حواراً على لسان شخصية إرهابية أو مجرمة أو مختلة فأنت لا تبدين رأيك الشخصي...بل تجسدين شر هذه الشخصية.... تصوير الشخصية وهي تدعي الألوهية أو تتطاول على الذات الإلهية يهدف لإظهار مدى طغيانها وسوادها...وليس للترويج للفكرة والعياذ بالله عشان هيك اعذروني بس في بعض الامور وارجو الانتباه لها شخصيه ظلام شخصيه سوداويه جدا لم اضع لها اي فلاتر روائيه وانما نقلتها بشكلها الحقيقي والبشع وربما اقل بشاعه ايضاً من الواقع لا اعلم هذا الحكم هو رايكم انتم لهذا ارجو التفهم للمره الحاديه عشر ان هذه الروايه ثقيله وتحتاج قلب حاضر وواعي ومنتبه عشان يقدر يفرق بين التلاعب النفسي والايمان الحقيقي لينا تم التلاعب بها هذا ليس خضوع ابداً هذا انتهاك لحرمه جسدها وعقيدتها وعقلها ....لينا لم تتعرض فقط لانتهاك داخل السجون وانما تعرضت لانتهاك فكري وهذا تم ذكره بأكتر من كتب تحدثت عن التلاعب النفسي بالسجون وكيف كانوا يجبروهم يسمعون القرآن اثناء الاعتداء عشان يوهموهم ان الله تخلي عنهم حسبي الله في بشاعتهم وطغيانهم لهيك اعتذر واكرر اذا انت بنت تحت الثامنه عشر اتمني تتركي الروايه لانها ماتناسبك ومااريد تقري هيك واقع بشع
Love U all🎀
تعليقات
إرسال تعليق