Ch|14 رماد
كانت لينا تقف في ذلك الممر البارد تحت الأرض....تقف بجمود وروح مسلوبه ....لم يكن وقع أقدام الحرس أو هتافات الخالدون هو ما مزق قلبها....ولا حتي عينيه المظلمه التي ترمقها بفراغ وملامح سوداء وهناك شبح ابتسامه علي وجهه .... بل كانت تلك اللحظة من الإدراك الشنيع هو مامزق قلبها....أن الأرض التي فوقها لم تعد تشبهها....مااسوء ماقد يشعر به الانسان سوي الغُربه والوحشه ....لم يعد الوطن مكاناً يمكن العوده اليه.....نجح بالفعل ...كان رجل ذا كلمه دوماً...يفعل دوماً ما يقوله ....سلب روحها وانفاسها والان سلب وطنها كي لا تجد ملجأ الي اليه....انسحبت لينا وهي تضع يدها علي بطنها وتسير بجوار الحائط لعلها تتكئ بثقلها عليه كي يعينها تاركه الهتاف باسمه خلفها....وصلت الي غرفتها واغلقت الباب ثم تقدمت ببطئ نحو زوايه الحائط كما اعتادت وجلست ارضاً ببطئ وهي تتكئ بظهرها علي الحائط حتي ارتطمت بثقلها علي الارض محتضنه بطنها بساقين مقوسه ثم سندت رأسها علي الحائط بجانبها رامشه بثقل نحو الايه المحفوره لعشرات المرات والتي محتها منذ وقت طويل لكنها لم تتوقف عن الجلوس بالزوايه بجوارها تتأملها بصمت جنائزي موحش وانفاس ساكنه ...وكأن هذه البقعه من الجدار اشبه بحضن لها يواسيها ....اغمضت عينيها بتعب لا تعلم كم مر من وقت حتي تسللت تلك الرائحه الي انفها لتفتحها ببطئ رامقه اعين الاخر السوداء وهي شارده بها جالساً القرفصاء امامها مغطيها بظله وضخامته ...لم تتحدث ...لم تتفوه بكلمه ...كانوا يقولون الصمت لغه العظماء ...وانا اقول ان الصمت لغه الضعفاء ....ضعيفه لدرجه ليس لدي القدره علي الصراخ بوجه الشخص الذي كان يرسم لها احمر شفاه بالامس بينما الشوارع غارقه بالدماء بسببه ....لدرجه شعرت ان احمر الشفاه كان دماء الشهداء الذين قتلوا في سبيل وطنهم ....كان يرقص بها ...يحتفل معها بفوزه بالحرب وهي كانت شريكه في الجريمه ....كما كانت ترقص فوق جثث عائلتها يوم زفافها ....رمشت لينا حينما مد الاخر يده بهدوء ساحباً نقابها ثم ارخي يده ممسك كلا يديها الموضعه في حجرها بيد واحده واخذ يفرك بابهامه ظهر يدها بهدوء هامساً بنبره خافته : تبدين متعبه
اخفضت لينا وجهها بصمت رامقه يده الكبيره السمراء واوردته المتضخمه ثم رفعت وجهها نحو وجهه رامقه عينيه السوداء واحده تلو الاخري هامسه بنبره مبحوحه ومتعبه : قليلاً ..
اومئ الاخر ثم مد يده الاخري عابثاً بخصلاتها بين انامله مميل رأسه قرب وجهها: لما عينيك حمراء ....لتميل لينا وجهها ماسحه عينها بكتفها ثم رمقته قائله : تؤلمني ....تحرقني بشده ....اومئ الاخر بهدوء ممسك وجهها بين يديه ثم انحني لترتجف لينا ممسكه بكلا يديها معصميه معتصره اياهم وهو يطوق وجهها ويقبل جفن عينيها واحده تلو الاخري ببطيء ....اخذ يقبل عينيها بهدوء ورقه سامه لم تكن فقط تمزق قلبها وانما تطعن جسدها بأكمله الذي بدأ يعتاده ويعتاد لمساته وهذا ما يجعل قلبها يعتصر بألم شنيع ....توقف متكئ بجبهته فوق خاصتها مغمض عينيه بارهاق امام صمت روحها ....كانت تشعر بأنها خاويه ....متعبه لدرجه انفاسها بالكاد تلتقتها ...شعرت به يجلس ارضاً امامها فاتحاً ساقيه وهو يسحبها من خصرها من زاويه الحائط لتستقر داخل حضنه بين ساقيه وذراعيه الضخمين ظهرها مقابل صدره ورأسها فوق ذراعه رامقه زاويه الحائط امامها كعالمها المسدود ولا تمتلك مكان اخر يحتويها سوي ذراعيه ...ارتخت اعين لينا الحمراء حينما دفن الاخر رأسه داخل عنقها دافناً وجهه داخله مستنشق عنقها وملابسها وكأنها موته وحياته
استسلمت لينا لهذا العناق الذي يشبه القيد....كانت تشعر بأنفاسه التي تلفح عنقها كأنها جمرٌ بارد.... يمتص منها ما تبقى من حرارة روحها....لم يكن ظلام يحتضنها كحبيب...بل كان يطوقها كغنيمة حرب...كأرض محروقة لم يتبقي له فيها سواها...
في هذه الزاوية الضيقة... اصبح صدره هو أفقها الوحيد...وذراعيه هما حدود عالمها الجديد.... كانت تدرك في تلك اللحظة من السكون الموحش أن الهرب لم يعد يعني الخروج من باب أو ممر...بل يعني الخروج من جلدها....من ذاكرتها.... ومن نبض الجنين الذي يتحرك بداخلها وكأنه يدق طبول الولاء لظلام....
غاب صوته... لكن جسده كان يصرخ بالتملك...كل شهقة هواء يسحبها من عنقها كانت تبدو وكأنها استرداد لدينٍ قديم... أما هي...فقد استسلمت لثقل جفونها.... تراقب الزاوية الخالية أمامها... وتتخيل أن الجدار يبتلعها...يمحو ملامحها.... ويحولها إلى مجرد نقش باهت في حكاية رجل قرر أن يعبدها بطريقة دموية....
كانت تشعر بخيانة جسدها...فبرغم الحقد... وبرغم دماء الشهداء التي كانت تظن أنها تلوث يديها.... إلا أن جسدها بدأ يرتخي تحت وطأة هذا الحنان السام.... هذا هو التمزق الحقيقي...أن تجد الأمان في حضن الوحش.... وأن تشعر بالدفء في قلب العاصفة التي دمرت وطنك...
أحكم ظلام قبضته حول خصرها أكثر ودفن وجهه بعمق أكبر في ثنايا عنقها هامساً بصوت كأنه قادم من قعر بئر مظلم ومخيف : لقد أحرقتُ العالم بأسره فقط لأصنع من رماده أرضاً لا تطأها قدماكي إلا بصحبتي... هذه الحرب لم تكن لأجل دولة أو نفوذ...بل كانت طقساً دموياً لأنتزعكي من مخالب القدر وأحبسك في عتمتي للأبد.... انظري حولي ...كل هذا الدمار هو الثمن الذي دفعته بدم بارد لأسمع أنفاسكي المتعصبة داخل صدري وأوقن أنكي... أخيراً... لا تملكين مهرباً إلا إلي...
ارتخت جفونها وهو يبتعد واخذ يمسد شعرها بحنان بأنامله وهو يهمس قرب اذنها مكمل بأعين شارده بها بهوس مستمر بتمسيد شعرها مع كل كلمه وكأنه يحاول حفظ خصلاته: يسمونه نصراً عسكرياً....وأسميه أنا استرداد ملكيتي.... لقد خضتُ جحيما كاملاً لأهدم كل جدار قد يحميكي مني... ولأمحو كل وطن قد يحن إليك.... حتى تصبحي غريبة لا تعرفي وجهاً سوى وجهي... مهووس بك يجعلني أستلذ برؤية العالم ينهار.... طالما أن حطامه قد دفعكي لتسكني بين ذراعي..... أنتِ جائزتي الكبرى.... والآن....ثم ابتسم بملامح مظلمه واعين مخيفه كان يمرر أصابعه فوق وجنتها بـرهبة مسمومة... وكأنه يلمس ضريح محرم ...خاض لأجلها حروباً لم يبقي فيها حجر على حجر.... لم تكن لمسته لمسة بشر...بل كانت طقساً من طقوس الاستحواذ....يرتجف لها قلبه هوساً بينما يغرس نظراته السوداء في تقاسيم وجهها التي غدا يقدس ذبولها كما يقدس انتصاره مردفاً بظلام : لم يعد هناك كون يتسع لنا... أنا وأنتي والعدم...حيث لا وطن... لا عائلة....ولا هرب.. ليس لكي إلا صدري....قبراً أو وطناً... سميهِ ما شئتي...
أغلقت لينا عينيها تماماً....ولم تعد ترى سوى السواد...سواد يشبه عينيه.... يشبه مستقبلهما....ويشبه هذا الحب الذي ولد مشوهاً في رحم الموت.... لم تعد لينا تبكي... فالدموع رفاهيه لا يملكها من فقد حتى حق الصراخ... بقيت فقط تتنفس برتابة...و الرتابة توحي بأن الشخص مستسلم تماماً... فهي لا تتنفس لأنها تريد العيش.... بل لأن جسدها يفعل ذلك كآلة....مستسلمة لهذا العدم الذي يحيط بها....والذي يرتدي قناع رجل يدعى ظلام.....
*********
مرت الايام سريعاً هنا ...بالكاد تتنفس بسبب التدريبات الشاقه التي تتلقاها علي يد يوريان ....الرهبه في قلبها اختفت تدريجياً واصبح لديها صداقه قويه مع الحديد والارتفاع ....اصبح السرداب الذي كان يوماً يثير ذعرها ورهبتها ولم تتوقع دخوله...محراباً تمارس فيه طقوس قوتها الجديده...لم تعد الطبيبه ذات الاعمال المحدوده داخل مشفي الجيش العسكري....اصبحت اورفا التي تروض الوحش المعدني داخل الظلام....
في ذلك المساء...كان التدريب مختلفاً.... لم يكن يوريان خلف شاشات التحكم...بل كان داخل مقصورة القيادة المزدوجة خلفها مباشرة.... يراقب كل حركة من أناملها وكل نبضة تظهر على شاشات المؤشرات الحيوية.....كان صوته عبر السماعات هادئاً...رخِيماً.... ومشبع بثقة لم يمنحها لغيرها قط واعني انه حتي الان لم يثق بأحد ليسلم له قياده الصقر الاسود خاصته ...هذا الطائر الذي امسك مقود قيادتها الان ...تباً تتذكر كيف يمنع حتي المتدربين من لمسها ....قاطع شرودها صوته وهو يردف :المحركات مستقرة...والضغط الجوي مثالي.. أورفا... المقبض لك بالكامل اليوم....أرني مهارتك ولا ترهقي صغيرتي ...
أخذت تانيا نفساً عميقاً وهي تبتسم ...يدعو طائرته بالصغيره ....احم الطائره وليس انتِ... زفرت تانيا الهواء وأغلقت أصابعها على مقبض القيادة بجمود تام.... انطلقت الطائرة.... ومع كل جي-فورس كان يضغط على جسدها....كانت تشعر بروح ماركو تحلق بجانبها.... قامت بمناورة حادة.... انعطاف رأسي مفاجئ جعل الطائرة تلتف حول نفسها في قلب الفراغ... لم تصرخ... ولم تضطرب أنفاسها.... كانت تقود ببرود جراحي وتركيز تام.... وكأنها لا تشق الهواء بل تشرح جسد السماء بمشرط بواسطه هذه الجميله ....
كان يوريان يراقب خصلات شعرها المتمردة التي أفلتت من خوذتها وعينيها المثبتتين على الأفق في تركيز وكأنه غير موجود معها .... لم يعد يلمس أدوات التحكم ....ترك لها السيادة الكاملة علي الطائره وشعر لأول مرة برغبة في أن يظل عالقاً معها في هذا الارتفاع للأبد.... بعيداً عن صراعات الأرض وقوانين الخالدون....عينيه كانت شارده بها بينما هي استمرت بالقياده بتركيز غير مكترثه لوجوده ...رفع يوريان يده ببطيء مبتلع ريقيه ممسك خصله من شعرها واخذ يتحسسها بذبول وكأنها تفقده رشده ....ثم ابتلع ريقيه تاركاً اياها واخذ يستغفر تحت انفاسه مغمض عينيه مردفاً :لنهبط ...يكفي هذا
رغم اعتراضها الا انها انصاعت لاوامره ولا تفهم لما فجأه لكنها لم تسأل فقط التفت بالطائره نحو المقر...بعد الهبوط السلس....وتوقف هدير المحركات ساد صمت عميق داخل المقصورة الضيقة....لم يتحرك أي منهما.....التفتت تانيا برأسها قليلاً نحو الخلف.... لتجد عيني يوريان شاخصتين فيها بذهول هادئ....لتردف بابتسامه سعيده : كيف كُنت ....مدهشه صحيح؟
نزع يوريان سماعاته بهدوء ومال برأسه للأمام حتى اصبح قريباً من أذنها هامساً بنبرة امتزج فيها الفخر بالهوس الذي بدأ يتملكه قائلاً :لقد تجاوزتي حدود التلميذة أورفا.. أصبحتي جزءاً من هذا السلاح.... وأصبح هذا السلاح جزءاً منك....قريباً بعد اخر اختبار لك ستصبحين رسمياً احد الصقور السوداء
ابتسمت تانيا بسعاده وقلبها يخفق حتي اختفت ابتسامتها حينما مد يده ببطء وبأطراف أصابعه التي اعتادت على ملمس السلاح أزاح خصلة شعر عن وجهها المبلل بالعرق وتابع بصوت خافت: في عقيدتي يقولون إن الجنة تحت ظلال السيوف....وأنا أرى جنتي الآن تحت ظلال جناحيك.... لقد منحتك السماء... ومنحتني أنت الشك في كل يقين كنتُ أؤمن به...
رمشت تانيا ببطء وشعرت بحرارة أنفاسه تخترق برودة المقصورة.... لم تعد تخشى يده....بل اعتادت على هذا القيد غير المرئي الذي يربطها به ويسحبها نحوه اكثر واكثر.... ابتسمت ابتسامتها الغامضة التي بات يخشاها وردت بهدوء:عقيدتك مختله يوريان ....كل ماتؤمن به
ارتجفت أجفان يوريان ولم تتحرك يده عن وجهها بل غاصت أصابعه أكثر في خصلات شعرها المتمردة وكأن كلمات تانيا كانت كفراً لذيذاً يشتهي سماعه.... ساد صمت ثقيل داخل مقصورة الطائرة لم يقطعه سوى أنين المعدن الذي بدأ يبرد وأنفاسهما التي أصبحت تشكل ضباباً خفيفاً على زجاج الخوذة....
رد يوريان بصوت هاديء وهو يقترب أكثر حتى تلاقت نظراتهما في حيز ضيق لا يتسع لشيء سوي انفاسهم:ربما هي مختلة.. لكنها العقيدة التي جعلتني أراكي آية وسط هذا الخراب.... إذا كان إيماني بكي خللاً... فأنا لا أريد الشفاء منه....
خفقت ضربات قلبها ببطيء وهي تنظر إلى فمه وهو ينطق بهذه الكلمات وشعرت بمرارة في حلقها...فهي تعلم أن هذا الرجل الذي يراها جنته هو نفسه الذي اقتلع عائلتها من جذورها....مالت برأسها قليلاً لتتخلص من لمسته لكن عينيه ظلتا تلاحقانها بهوسٍ صامت لتردف ببرود :أنت لا تؤمن بي يا يوريان.. أنت تؤمن بالصورة التي صنعتها لي في خيالك...أنت تهوى اورفا....لكنك لا تعرف شيء عن تانيا وحطامها
لمعت عينيه الزرقاء بقسوة مفاجئة وابتعد بجسده قليلاً ليمنحها مساحة للتنفس لكنه لم يشح بنظره عنها مسترخي بظهره العريض فوق الكرسي متمتماً بنبرة هادئه وصوت رخيم: الحطام هو ما يُصنع منه الرصاص يا أورفا.. وأنا قبلت بكي حطاماً وقداسة.... استعدي.. غداً فجرا مهمة الاستطلاع ستكون اختبارك الأخير أمام الخالدون.. وأمامي...
أطبق يوريان يده على حافة مقعدها بأنامله الطويله ثم خرج من المقصورة وتركها وحدها في العتمة لتجد تانيا نفسها تتنفس بصعوبة....لم تكن الطائرة هي من يخنقها....بل ذلك القيد غير المرئي الذي بدأ يلتف حول عنقها...قيد يغريها بالاستسلام لصدره الواسع بينما صوت ماركو يهمس في أذنيها: لا تنسي.. هم من وضعوا الحبل حول عنقي...
أغمضت تانيا عينيها بشدة وضغطت على مقبض القيادة حتى ابيضت مفاصِلها شاعره بإختناق وكأن الحبل حول عنقها هي مرتجفه .... في تلك اللحظه ادركت تانيا أن معركتها القادمة في السماء ستكون أسهل بكثير من معركتها مع هذا الرجل الذي بدأ يرى جنته في جحيمها...يحبها؟....ربما فعل ...وماذا عني؟ ماذا ادعو تلك المشاعر التي تتسلل الي روحي
كانت الساعة تشير إلى الرابعة فجراً....الوقت الذي تلبس فيه الصحراء ثوبها الأكثر برودة وغموضاً....وقفت تانيا أمام طائرتها ترتدي البزه السوداء القتاليه مغطيه وجهها بلثام اسود وراسها لا يظهر سوي عينيها تحمل خوذتها بيدها واليد الاخري تتفحص بلمسات سريعه بدنها الأسود المطفأ حتي لا يتم التقاطتها من الردارات...انحنت تانيا سانده جبهتها فوق معدن الطائره البارد بينما كان يوريان يقف خلفها....يراقبها وهي تبتعد عن الطائره ترتدي خوذتها وتخفي وجهها باللثام الأسود تحتها....
دنا منها يوريان وصوته عبر جهاز الاتصال اللاسلكي اليدوي كان هادئاً كهدوء ما قبل العاصفة: أورفا....التفتت تانيا نحوه ليقترب يوريان مردفاً بهدوء : أنت اليوم عين الخالدون....ولست يدهم الضاربة.... مهمتك هي الاستطلاع فقط.... التقطي الصور... ارصدي التحركات عند الحدود.... وعودي قبل أن تشق الشمس ستر الفجر....أي اشتباك يعني ضياع الترسانة وضياعك
نظرت إليه تانيا من خلف زجاج الخوذة عيناها الخضراء كانت تشبه بريق الرادار في الظلام ابتلع يوريان ريقه ببطيء شارداً بهم وهي تردف باقتضاب وحزم :سأكون شبحاً لا يترك أثراً.. كما علمتني...اومئ الاخر بهدوء لتلتفت الاخري صاعده الطائره ليميل رأسه خلفها بضياع ...رفع يده ببطيء واضعاً اياها علي قلبه الذي ينبض وهو يراقبها
انطلقت الطائرة بصمت مرعب بفضل تقنية كواتم الصوت التي زودت بها محركاتها التجريبية.....ارتفعت تانيا في السماء حتى تلاشت معالم الأرض وانطلقت ....أصبحت تشاهد القواعد العسكرية التابعة للجيش الوطني كبقع ضوء صغيرة متناثرة...في غرفة التحكم تحت الارض كان يوريان يجلس أمام شاشات الرادار....يتابع النقطة الخضراء التي تمثل تانيا.....كان قلبه ينبض بإيقاع غير مستقر... فهو لا يخشى على الطائرة....بل يخشى على تلك المرأة التي تسكنها...تمتم بينه وبين نفسه بآية قصيرة طلباً للحفظ وهو يرى النقطة الخضراء تقترب من منطقة الخطر:
اللهم استودعتك تلك الروح التي اصبحت تسكنني
كانت تانيا تحلق فوق الثكنة العسكرية .....
فتحت عدسات التصوير الليلية وبدأت بمسح المنطقة ببرود....كانت ترى الجنود يمشون في الأسفل... يمارسون حياتهم العادية... غير مدركين أن هناك ملاك موت يراقبهم من الاعلي...بضغطه زر تبيدهم جميعاً .... في تلك اللحظة.... أدركت تانيا معنى القوة الحقيقية....ليست القوة في القتل....بل في القدرة على اختيار متى تقتل.....
جاء صوت يوريان عبر السماعة من جديد مشوباً بنبرة هوس وتملك: أورفا.. أرى نبضك يتسارع على الشاشة....عودي إلى الوكر.. السماء بدأت تضيق.... وأنا أضيق ذرعاً بانتظارك...
ابتسمت تانيا بمرارة وغصه في قلبها وهي تميل بالطائرة عائدة نحو المقر السري ...توقفت بالاعلي رامقه المكان بأعين حاده وفارغه ...تطلع يوريان نحو مؤشراتها الحيويه ونبضات قلبها السريعه وكأنها تنتفض ...اعتصرت المقبض واضعه ابهامها علي الزر الاحمر الخاص بالصواريخ نحو مقر الترسانه وجسدها ينتفض ...لينهض يوريان واقفاً رامقاً الشاشات بأعين شاخصه رامقاً وجه تانيا عبر الشاشه لا يظهر سوي عينيها واصبعها فوق الزر
شعرت برغبة عارمة في ضغط زر القصف.... في إحالة ذلك المكان إلى جحيم.... لكنها تذكرت وجه ماركو... كلماته في المذكره....وقلبها يخفق بجنون حتي اتاها صوت يوريان المحذر....: مهما كان ماتفكري به ....فهو خاطيء ....لتغمض تانيا عينيها هامسة لنفسها.....لقد رأيتهم يا ماركو...رأيت ضعفهم من الأعلى....الموعد يقترب....لذا لا تظن اني لم افعلها ضعفاً ....بل لان الاوان لم يحن بعد ....اعدك ....سأجعل ليلهم نهار ....سأحرقهم جميعاً ....سأبيدهم واخفي انفاسهم كما اختفت انفاسك ....حتي لو كان اخر شيء افعله ....ابعدت تانيا اصبعها عن الزر ببطيء هابطه داخل المقر...بقيت داخل المقصوره جامده ترمق الفراغ واضواء الازرار تنعكس داخل عينيها حتي قاطع شرودها نقر فوق زجاج المقصوره ...رفعت تانيا وجهها رامقه يوريان الذي اتكئ بكف يده فوق الزجاج وهو يرمقها باعين غير مفسره رامقاً عينيها الحمراء لتمد تانيا يدها واضعه اياها علي الزجاج فوق يد يوريان رامقه يديهم المتلامسه والزجاج بينهم كحائل ....كالقوانين والانتقام ....رمشت تانيا رامقه اعين يوريان الصافيه لتشعر بغصه تجتاح صدرها ....احببته!....نعم فعلت ....حبه جعلني اتردد....ارتخت يد تانيا معتصره اياها ثم فتحت المقصوره خارجه ...لم تتحدث له نزلت الدرج المعدني بخطوات بسرعه الي الداخل ....بدلت ملابسها وارتدت زي الحارسات ثم خرجت نحو الصحراء.....كانت تسير بهدوء وشرود عينيها ترمق الرمل وهو يلتف حول نفسه جلست ارضاً وهي تعبث بالرمل بين يدها تراقب الشمس تشرق وانعكاسها داخل خضراوتيها الشفافه ....كانت تشعر انها مبعثره كحبات الرمل تلك ....لا تفهم مالذي حدث لها ....ماذا حدث لقلبها ....كان يحترق من الانتقام ...والان هناك حريق اخر يجتاحه ....وضعت تانيا يدها علي قلبها مربطه فوقه لربما تهدأ خفقاته حتي سمعت صوته خلفها : لما تهربين
التفتت تانيا برأسها لتجد الاخر جالساً القرفصاء بساقين منفرجين حول ظهرها وهي بينهم لتبتلع ريقيها من قربه وهو يرفع يده ببطيء ساحباً اللثام عن فمه وجهها مقابل صدره شارده بعينيه لتردف تانيا بلا وعي: اهرب منك ...من قلبي الذي اضل الطريق
ليخفض يوريان رأسه نحو وجهها رافعاً كفه الضخم امام وجهها دون لمس لتغمض عينيها وهو ينزل يده ببطيء كضريح محرم يخشي لمسه بينما تتنفس هي بصعوبه من قربه ورائحته وانفاسهم وعينيه التي تراقب سكناتها وانفاسها انخفضت يده حتي طرف وشاحها الملثمه به ليمسك قماشه بين انامله ساحباً اياه نحو انفه مستنشق رائحته وعينيه داخل عينها ثم قبل وشاحها ببطيء لتسري قشعريره داخل جسدها هامساً بنبره ذابله: اذاً لا تهربي....ربما لم يضل قلبك الطريق....بل اهتدي طريقه الي ....وانا طال ضلالي في دروب الحرب حتى ظننت أن قلبي قد صنع من صخر هذا الجبل.... لكنكي جئتي كصاعقة شقت الصخر لتُخرج منه ماء لم يرتوي إلا بوجعك... لا تهربي أورفا.. فما الفائدة من الطيران في السماء إذا كانت وجهتك دائماً هي الهروب؟ اهبطي في قلبي...ولو كان جحيماً....سأحرقه لأجلك ليكون برداً وسلاماً....
شعرت تانيا بخدودها تشتعل رامقه اعين الاخر التي ذبلت من فتنه عينيها حتي كسرت الصمت هاربه حينما ضحكت فجأه دافعه الاخر من صدره ليفقد توازنه ساقطاً ارضاً وهي تنهض راكضه والاخر ضحك ساحباً لثام الغتره عن فمه والاخري تركض بعيداً وهي تنفض الرمل عن ملابسها ثم نظرت إليه بطرف عينها والابتسامة لا تزال مرسومة على شفتيها لتردف بمشاكسة: يوريان... كلامك شاعري جداً بالنسبة لرجل خطير مثلك ... هل كنت تتدرب على هذا الخطاب أمام المرآة قبل أن تأتي خلفي؟
تجمد يوريان مكانه لثوانٍ ورمش ببطء وهو يراقب تحولها المفاجئ من الكآبة إلى المرح ليرتفع حاجباه بذهول بابتسامه جانبيه وعدم تصديق ثم نهض ببطء وهو يحاول استعادة وقاره العسكري المعتاد منزلاً لثامه بالكامل ليظهر نصف ابتسامة محروجة: كنت أحاول أن أكون عميقاً لمرة واحدة أورفا... يبدو أنني اخترت الوقت الخطأ...لكن علي الاقل اظهري بعض الاحترام لمشاعري المرهفه
ضحكت تانيا لتختفي ملامح الاخر ذائباً حتي شعر بدمائه وجسده يتبعثر إثر ضحكتها ليبتلع ريقيه وهو يمشي ببطيء خلفها وهي بدأت تمشي أمامه بخطوات واسعة وواثقة الهواء يحرك غترته الذي يلفها حول رأسه وطرفه يتطاير ليرفعه ملثماً فمه لا يظهر سوي عينيه الشارده بوشاحها الاسود وعينيها التي ترمقه بين الفنيه والاخري وهي تتمايل بخفة وتلتفت إليه بين الحين والآخر بينما يسير هو خلفها مباشرة كظلها الضخم.... يراقب قفزاتها الصغيرة فوق الرمال رامشا بثقل وهي تخفض وجهها ببعض الخجل حينما تجده شارداً بها بهيام ....
التفتت إليه وهي تمشي للخلف بظهرها بضحكة مكتومة ليردف يوريان : لما تضحكين
تانيا : لا استطيع نسيان مشاعرك المرهفه....ثم ضحكت وهي تكمل: لقد بدوت كبطل في رواية قديمة مبتذله! هل ستخبرني المرة القادمة أن النجوم خُلقت من بريق عيني أيضاً؟
قهقه يوريان بصوت مسموع ووضع يده خلف عنقه بقلة حيلة وهو يسرع خطواته ليلحق بها:
تباً لسانك السليط... لقد أفسدت اللحظة الرومناتكيه تماماً! ثم صمت قليلاً وهو يتقدم وهي توقفت مكانها حتي تلاشت المسافه بينهم ليخفق قلبها رافعه رأسها لاعلي حينما انحني رامقه عينيه وهو يردف بنبره غير مفسره: النجوم!...لا اورفا .... النجوم مجرد احجار مضيئه في سماء الله.... لكن لو كان لي أن أصف بريق عينيك بعقيدتي.... لقلتُ سبحان من أودع سر ملكوته في هاتين العينين....ليكون فتنةً لمن كفر....وهدايةً لمن آمن....النجوم تظهر لتنير ليل الغرباء.... أما عينيك.... ثم انحني اكثر نحوها ليرتجف قلب الاخري مبتلع ريقها ببطيء وهو يكمل: فقد خُلقت لكي تُضيء عتمة رجل ظن أن الفجر لن يشرق في صدره أبداً.... فتنةً تختبر ثبات قلبي.... وضوء يهدي روحي التي ضلت طريقها في سراديب الحرب...ضوء يهدي قلبي المثقل بالذنوب ...
رمشت تانيا بأعين دامعه وحمراء وقلبها يخفق بجنون والاخر ينحني امامها ببطيء جاثياً علي كلا ركبتيه كرجل حرب هُزم امام عينيها وهذه الحركه تدل علي الاستسلام التام في لغه الجسد العسكريه ساحباً اللثام من فمه مردفاً :
أَتَيْتُ تَائِهَا نَحْوَكِ فَضُمِّينِي
وَاجْعَلِي قَلْبَكِ مَنْزِلًا يَحْتَوِينِي
وَكُونِي بِقُرْبِي فَبِكِ تَطِيبُ سنيني
وَوَهَبْتُ لَكِ رُوحِي مَوْطِنًا فَاسْكُنِينِي
وَلْتَعْلَمْ عَيْنَاكِ أَنِّي اخْتَرْتُكِ
وَسَأُكْمِلُ مَعَكِ نِصْفَ دِينِي.....تجمدت تانيا وشعرت بأن الهواء اختفي والشمس تحرق ظهرها رامقه عينيه بأعين حمراء وهو يهمس بنبره خافته مميل رأسه: اورفا....هل تقبلين الزواج بي
لطلما كانت الحياه قاسيه ...مخادعه ....ومخيفه ....تختبر ارواحنا طوال الوقت ....فجاه تسلب منك كل شيء ...وتعطيك كل شيء...لا تعلم صدقها من كذبها ...ولا ماتخفيه خلف ابتسامتها السوداء....احيانا تنبت لنا ازهار الحب داخل الاراضي الاكثر دمار وقسوه ....حينها يأتي الحب كضيف غير مرغوب به في قلبها المحمل بالانتقام ....ليختبر قدرتنا علي البقاء كصخره صماء امام نبض يرفض الانصياع لخناجرنا....بعدما امتلئت روحي بالاسود والظلام اتي هو ليجعلني ارتجف ....ارتجف امام العدو الذي اصبح ملاذاً ....ليصبح الابتلاء الارقي....ان تجبر علي اختيار الحياه من يد من سلبك اياها ....وتدرك ان قلبك الذي ظننته قبراً ...مازال هناك حياه تدب داخله....تائهه....وفي هذا التيه....نكتشف ان اصعب المعارك ليست تلك التي نخوضها بالسلاح ....بل هي معركه النجاه من عينين نري فيها النعيم والضياع في ان واحد
:لا ....لا اقبل
اردفت تانيا هذا بجمود وعينيها في اعين الاخر دون ان ترمش ليشحب يوريان وجفونه ترتخي ...ليهمس مميل رأسه بغصه :لماذا ...لترمقه تانيا بحزم وملامح قاتمه: لست الشخص الذي قد احبه يوماً ....لا استطيع ان اتزوج رجل مثلك ....انا بالكاد اراك ....لست سوي شخص حقير ويدك غارقه بالدماء ....مكانتك داخل الخالدون بأنك قائد سراديب الموت كأقوي سلاح لديهم لن تنكر حقيقتك ....لاكن واضحه معك ....اتيت هنا وانا متعطشه للدماء ....فلا تظن ان كلماتك السخيفه ستؤثر بي ....اتيت هنا لاشبع رغبتي بالقتل واحارب معكم ولست فارغه لترهات الحب ....ابتلع يوريان ريقه ببطيء وكأن سكين يذبحه والشمس في عينيه انطفئت وهي تكمل بكل قسوه واعين حاقده رأها للمره الاولي في حياته : أتعتقد حقاً أن رتبتك العسكرية أو هيبتك التي يرتعد لها هؤلاء المسوخ في السراديب تجعل منك رجلاً في عيني؟ ...ثم ضحكت تانيا بأعين حمراء وكأنها اصيبت بالجنون مردفه : استيقظ من أوهامك يوريان... أنت في النهاية لست سوى إرهابي منحته الأقدار سلاحاً.....ومجرماً يختبئ خلف عباءة العقيدة ليبرر عطشه للدماء....هل تعتقد نفسك بطل في رواية؟ ...ثم احتدت عينيها مردفه بنبره قاسيه وحاقده : أنت بطل في سجلات القتلة فقط...
ثم ضحكت ضحكة قصيرة وجافة خالية من أي مودة مظهره وجهها القبيح الملطخ بالانتقام وأكملت:الزواج منك ليس نصف دين.... بل هو صك غفران لجريمة لا تغتفر....يداك التي تمسح بهما الآن على الرمل.... تفوح منهما رائحة الموت التي لا يغسلها عطر ولا صلاة.... أنا لم آتِ هنا لأكون سكناً لمجرم مثلك....بل أتيت لأكون وحشاً يضاهي وحشيتكم.... فلا تخلط بين حاجتي لسلاحك.... وبين قرفي من وجودكم... ففي النهاية...أنت والذين تقتلهم....وجهان لعملة واحدة قذرة
قالت هذا ثم التفتت تاركه اياه و هي تمشي بخطوات ثابتة تخفي خلف ظهرها يديها التي كانت ترتجف رغماً عنها.... ليس خوفاً منه.... بل خوفاً من قلبها الذي كان يصرخ اعتراضاً على كل كلمة نطق بها لسانها.... وهو كان لازال جاثياً علي ركبتيه فقط يحدق بأثر قدمها فوق الرمال والهواء يبعثره حتي اختفي اثرها ولازال جاثي ارضاً بصمت كان ثقيل داخل قلبه ....رامشاً بأعين حمراء دامعه ...اغمض عينيه مانع اياهم من الهطول جالساً ارضاً ماسحاً وجهه باختناق ثم مد يده ساحباً القلاده من عنقه قاطعاً اياها وهو يرمق الصليب الخاص بها معتصر اياه بقهر
********
امسكت لينا الملابس من العلبه الكبيره التي ارسلها لها ظلام مع احد الحارسات ...كان ثوب جديد صنع يدوياً خصيصاً لها لحضور الاحتفال الكبير به ....كان ثوب اسود حريري وشال من الكتان بتطاريز اندلسيه بارزه من الخيط الاحمر والاسود وقناع قماشي رمادي بنقوش غريبه من الاحمر والاسود والرمادي وقفازات نفس الشيء وتاج ورد احمر قاتم من الازهار امسكته لينا بين اناملها متحسسه الازهار بأطراف اناملها كالاشواك اغمضت عينيها وارتدت الملابس بصمت واضعه القناع فوق فمها لا يظهر سوي عينيها تاركه التاج فوق الفراش ....التفتت نحو الباب الذي فتح ببطيء رامقه الاخر الذي دلف يرتدي الاسود ملثم بقناع قماشي وحول عنقه غتره من الكتان بخيوط بارزه من الاحمر القاتم تشبه خاصتها اخفضت وجهها بصمت والاخر يقترب منها واقفاً امامها بطوله وضخامته وهالته السوداء ارتخت عينيه نحوها متحسساً طرف خمارها بين انامله ثم مال برأسه قليلاً نحو الفراش رامقاً التاج فوقه ...لينحني بهدوء ساحباً اياه بين انامله لتخفض وجهها حينما وضعه فوق رأسها بهدوء وعينيه شارده بها اعتصرت ملابسها وهو يرفع فكها بطرف سبابته كي تنظر له رامقه سوداويته خلف القناع بأعينها الحمراء لترتجف حينما امسك يدها رافعاً اياها نحو فمه ببطيء طابعاً قبله طويله في باطنها ارسلت قشعريره رغم انه يرتدي قناع وهي ترتدي قفازات ....ويده الاخري تتحسس بطنها المنتفخ....احكم علي يدها بين قبضته كغنيمه حرب وسحبها نحو الخارج
كانت تسير بجواره وهو يرفع رأسه بشموخ والجميع ينحني له باحترام وهي تسير بجواره تمسك بطنها وعينيها نحو الارض ....لا يرون ....لا يرون ان من ينحنون له هو سيد الدمار الذي حل بالوطن ....لا يرونها....لا يرون انها لا ترتدي ثوب يشبهها ....ولا هي نفس الشخص ....لا يرون انها هي الجريمه ....واثر الجريمه داخل رحمها ....
دلفت الي باحه كبيره مزينه بأعلامهم وراياتهم السوداء واسم الخالدون كانت تسير وكأنها انسان الي ...دميه خشبيه ...هو الوحيد الذي يتحكم في احبالها بين انامله القاسيه والمتوحشه ...يتحكم في روحها ...وفي عقلها ايضاً.....رمقت فاطمه تقف مع والدها وبعض المسؤلين والقائد مورسال كانت تتحدث باريحيه وابتسامه علي وجهها واختفت ما ان رمقت لينا تدلف مع ظلام وكأنها زوجته واميره الخالدون لتعقد حاجبيها باستغراب وظلام يصافح بعضهم ويضع ذراعه الضخم فوق كتفها وهي تهز رأسها بإمه وبصمت واحراج نحو بعضهم وهم يرحبون بها والاخر يبتسم لهم وهو يمسد كتفها بابهامه ....شعرت لينا بثقل بطنها لا تستطيع الصمود طويلا وهي واقفه خاصه وان العدد يزداد والجميع يرحب به بحفاوه كبيره وكأنه احد الثوار الذي يسعي لنهضه وتحرير الوطن وليس خرابها ...وهو متشبث بها وكأنه يريدها ان تبقي واقفه بجواره لتشهد علي انتصاره ...وليشهد الجميع انها خاصته.....التفتت بوجهها نحوه لينحني الاخر برأسه نحوها بهدوء ولطف وكانهم زوجين لطيفين لتبتلع ريقيها بحرج من قربه هامسه في اذنه بهدوء : اشعر بالتعب اريد ان اجلس
اوميء الاخر ثم اخذها نحو الطاولات الخاصه بالامام لتتوقف هازه رأسها ثم اردفت بنبره خافته : دعني اجلس بالخلف ....شعرت انه لم يرق له الامر يريدها ان تجلس بين النخبه في الامام وحينما رات اعتراضه امسكت يده بين يديها مردفه بنبره خافته وواهنه: ارجوك ....رأسي يؤلمني من الصخب سأجلس بالخلف اشاهد ....
ارتعشت لينا باحراج حينما رفع كلا يديها امام الجميع دون خجل مقبل اياهم وهي تلتفت حولها شاعره بأعين الجميع نحوهم لتسحبها برجفه ثم تقدمت نحو اخر طاوله بالزاويه بعيداً وجلست فوق الكرسي بهدوء وبطئ ممسكه بطنها....بدأ الاحتفال بكلمه للقائد وهو يلقي كلمته وكيف استطاعوا السيطره علي اغلبيه الاراضي متفاخرا بابنه ظلام..... اخفضت لينا رأسها ماده اناملها اسفل كمها ساحبه اسوره مايل التي تخفيها متحسسه فصوصها بشرود وعينيها الزرقاء نحو الجميع وهي تجلس في الخلف منبوذه بمكان ليس مكانها وبين ناس لا تشبهها ....انتبهت نحو فاطمه وهي تتحدث بابتسامه واسعه وهي تمسك ذراع ظلام كزوجين والاخر يقف ببرود ينصت لحديثهم وبين الفنيه والاخري عينيه تقع داخل زرقاويتها ....فركت لينا عينيها التي تحرقها ثم رفعتها حينما كان يتكلم مورسال علي انجازات ابنه وكيف استطاع اخضاعهم بخطط عسكريه ....واخذ الجميع يهتف باسم ظلام ...باسم صانع الحرب ...باسم صانع الدمار ....باسم صانع الرماد
التفتت لينا نحو الشاب الذي التقت به منذ فتره صديق ظلام يوريان كان قائد السرداب الخاص بفيلق الطيران ....وللحقيقه لم تستغرب انهم يمتلكون واحداً لانها علمت ان القطع تاتي بشكل خفي لسنوات وبعضها تم تصنيعه يدوياً علي يد سجانها ومسخها التي لم تعد تستغرب اي شيء يفعله....كان ذكي يمتلك عقليه مرعبه هاديء ...بينما تراه يبتسم او يقف بهدوء كانت هناك حروب ودماء تسفك بأمر منه ....كيف ينام الليل بجوارها يجبرها علي الغناء له بصوتها وهناك من يصرخ رعباً بسببه ...كم طفل اصبح يتيم ...كم فتاه اصبحت ارمله ....كم ام فقدت طفلها خلف تلك الحروب ....وبينما كل هذا يحدث بالخارج ....هم هنا ...يحتفلون ....يمتلكون المال الكافي لصنع الحرب ...ولا يمتلكون المال الكافي لاطعام الفقراء والمساكين الذي من المفترض انهم يحاربون لاجلهم
اخفضت لينا راسها نحو الاسواره مجددا وهي تتحسس فصوصها متذكره كل لحظه مع مايل .... انتبه سمع لينا نحو صوت مألوف لترفع وجهها نحو مجموعه من الجنود الذي سيتم اعلان اسمائهم لاستخدام سلاح جوي من الاشباح السوداء عقدت حاجبيها رامقه سته جنود من الرجال يقفون خلف يوريان وفتاه وحيده تقف جانباً ترتدي الزي القتالي وقناع علي وجهها ووشاح فوق رأسها وشاره الخالدون ....كان مورسال يوزع اسماء كل طائره علي كل جندي ....طائرات مرعبه وتبدو مخيفه مثلهم ....حتي اصدر اسم المحاربه السوداء التي تدعي F-22 Raptor (المفترس) والتي تعد اقوي طائره هيمنه جويه وشبحيه في العالم وتم تعيين الجنديه رقم سبعه لها ....ليصفق الجميع ويهتف باسم الخالدون لتعقد لينا حاجبيها حينما شكرت الجنديه القائد مورسال بهدوء وجمود لترتبك لينا ملتفته نحو احد الحارسات وقلبها ينبض : من فضلك ...ما اسم هذه الجنديه
التفتت لها الحارسه واردفت : انها اورفا ....الجنديه الاولي التي ستستلم احدي المحاربات الجويه ....رمشت لينا باحباط رامقه الجنديه مره اخري ....كانت بعيده للغايه لا يظهر منها شيء ...شعرت انها تانيا بسبب صوتها المألوف لكن خاب املها بان تجد صديقتها يوماً ....اخفضت رأسها بحزن فاركه عينيها بقوه حتي كادت تقتلعهم لتتصلب حينما امسك احد يدها مبعد اياها عن عينها لتجد ظلام يجلس بجوارها مد ذراعه اسفل كرسيها ساحباً اياه بها لتلتصق به واخذ يمسح عينها الحمراء بابهامه مردف بهدوء: لما ترهقيها
لتردف لينا بنبره خافته:تحرقني ....اصبحت لا اري بشكل جيد بسببها ....اشعر انها منتفخه طوال الوقت
اومئء الاخر بهدوء مردفاً : بعد الحفل سأحضر لك علاج جيد لها ....اومئت لينا بصمت والتفتت نحو الناس والجميع ولازالت اعين الاخر نحوها بشرود وكأنه لا يري احد بالكون غيرها وهي تري الجميع ولا تراه...وبعد صمت دام لدقائق اردف بابتسامه هادئه: هل اخبرك شيء طريف....التفتت لينا نحوه ليردف الاخر بهدوء :مريض ذهب لطبيب نفسي وقال له: دكتور.... أنا أشعر أنني رجل غير مرئي... لا أحد يلاحظ وجودي... لا أحد يستمع إلي..الكل يتجاهلني في هذا العالم الموحش فصرخ الطبيب منادياً ممرضته:سعاد! ادخلي المريض التالي رجاءً...يبدو أن غرفة الانتظار فارغة!...
رمش الاخر حينما ابتسمت لينا اسفل القناع من ثم ضحكت بعد ثوان بخفه ليبتسم الاخر بشرود ليتذكر ضحكتها الاولي التي جعلته مهوس بها لكن ابتسامته اختفت حينما اصبحت ضحكه الاخري هستريه وكأنها لا تعرف كيف تتوقف ...وكأن ضحكتها تخبره كم هي تتألم ليمسك وجهها كي تنظر له وهي تضحك بشكل مقطع رامقه عينيه حتي تحولت عينيها الي الاحمر وصوت ضحكتها اصبحت نواح خافت ليردف ظلام وهو يطوق وجهها : ما الامر ؟....لتردف لينا بغصه واختناق : انا اتالم ....اختنق ....المكان هنا يخنقني ....لا شيء يشبهني ....
اغمضت لينا عينيها حينما سحب ظلام رأسها نحو صدره وهي متشبثه بملابسه بقوه معتصره اياهم وهي ترتجف وتبكي بدموع فوق صدره ....ارتخت اطرافها بخدر وتعب حتي شعرت بالاخر يبعدها قليلاً عنه للخلف سانداً اياها من خصرها لتغرز اناملها بمعصمه ناهضه لتسير معه نحو الخارج تحت انظار فاطمه التي ترمقه وهو يأخذها نحو الخارج بحقد دفين
ارتخت رأسها علي نافذه السياره بهدوء ....لا تعلم الي اين يأخذها ...حتي الضواحي الدافئه لبلادها تغيرت معالمها...كل زوايه يقف الجنود يحملون السلاح ...رفعت لينا عينيها المشوشتين لتُبصر راياتهم السوداء ترفرف فوق كل مئذنة ومبنى ...يتوسطها شعار الخالدون... شعرت بغصة وهي تدرك أنهم لم يسموا أنفسهم بذلك عبثاً.....بل لأنهم ينوون البقاء فوق أنفاسها إلى الأبد....تماماً كما أخبرها ظلام... الموت لن يحررها.....لأنها أصبحت ملكاً لمن لا يموتون....
اغمضت لينا عينيها حينما شعرت بيده تحشر نفسها بين يديها المتشاكبه في حضنها ليتوسطهم معتصر اياها وهو يقود السياره بهدوء بيده الاخري كلما توقفت السياره امام سيطره من الشرطه تجدهم جنود من الخالدون اصبحو يطوقوا كل منطقه ....اصبح كل مكان ينتمي له ....وكأنه يخبرها حتي الظلام ينتمي لي .... توقف امام سوق كبير مزدحم قليلاً لتلتفت له مردفه : لما مزدحم ....ونحن في حاله حرب
التفت لها بهدوء مردفا وهو يعدل الوشاح فوق رأسها والقناع بحذر لا يظهر شيء منها بحرص مبالغ به مردفاً : بعد غد اول ايام رمضان المبارك ياصغيره ....والمكان اصبح اماناً فهو ينتمي الي الخالدون الان ....رمشت لينا رامقه اياه لثوان ....وكأنها لم تكن تعي بالوقت ...
ترجل الاخر من السياره ثم التفت نحوها فاتح لها الباب لتترجل منه بحرص وهو يسندها من ذراعها وظهرها بسبب بطنها وثقلها ....رفعت لينا رأسها رامقه مسجد المدينه الكبير وقبته الخضراء التي تشبه المسجد النبوي الشريف ومأذنه الاربعه النور ينبعث منه وزينه رمضان تحيط به والباحه الرخاميه الكبيره كانت لينا عينيها الباهته عالقه بالمكان وكأن روحها تنسحب من مسامها ببطيء الي هناك وجسدها يرفض الاقتراب بسبب الخطيئه التي تحملها داخل احشائها ...باي وجه تقابل ربها ....
ابتلعت ريقيها بغصه ملتفته نحو ظلام الذي انحني ممسك اكتافها لترمق عينيه وهو يردف بهدوء : اذا افترقنا ...دعينا نلتقي هنا ....ستجديني عند هذه الباحه انتظرك ....
اومئت لينا ببطيء ليتنهد الاخر ممسك يدها باحكام ثم تجول معها بالسوق ....كانت تسير معه بهدوء عينيها ترمق الناس ...جميع النساء يرتدون الاسود مثلها مغطين وجههم بالكامل والبعض لا يظهر سوي اعينهم....كان سوق مزدحم الكثير من العربات والملابس والتمر والمتاجر بالخلف ....توقفت بجوار ظلام حينما توقف امام احد العربات كانت مزدحمه نوعاً ما لتجده يحمل بعض ملابس المواليد ...اخذ ينتقي بعضها ثم التفت اليها وكانه يأخذ رأيها...امسكت لينا الملابس بين يديها بشرود وعينيها حرقتها اكثر فركتها بظهر يدها ثم رمقت الملابس مجددا تأملت لينا تلك القطعة الصغيرة من القماش بين يديها...كانت ناعمة لدرجة مؤلمة... بيضاء كبراءة لم تعد تملكها....وطاهرة كحلم اتسخ قبل أن يولد.... شعرت بلسعة البرودة في جسدها وهي تلمس الدانتيل الرقيق بقفازها وكأن هذا الرداء الصغير ليس سوى كفن صغير لطفولة ستولد في الاسر.....وتكبر تحت ظلال الرايات السوداء...
كانت الضوضاء من حولها....أصوات الباعة...... ورائحة البخور المختلطة بالتمر.... وزينة رمضان التي تتراقص مع الريح....تبدو لها وكأنها قادمة من عالم موازي... كيف يمكن للحياة أن تستمر بهذه العادية بينما عالمها هي قد تفحم؟ شعرت بغثيان روحي وهي ترى ظلام ينتقي ثياب ابنه بتركيز وهدوء... وكأنه أب صالح في مدينة فاضلة.... وليس السجان الذي شيد مملكته فوق جثث أحلامها....
نظرت إلى يده وهي تقلب الملابس.....نفس اليد التي كانت تضغط على الزناد..... ونفس اليد التي خنقت أنفاسها ذات ليلة....الآن تلمس حرير المواليد برقة ممسوسة....انقبض قلبها وهي تدرك الحقيقة المرة.... هذا الطفل لن يكون لها.....لن يكون طفلها الذي ستغني له على أنغام ذكرياتها القديمة.... بل سيكون خالداً صغيراً....نسخة مصغرة عن الشبح الذي يقف بجانبها.... يُسقى من لبنها ليعيش في ولائه....
رفعت عينيها نحو مآذن المسجد الكبير وشعرت بضآلتها أمام تلك القبة الخضراء.... أحست بجنينها يركل أحشاءها بقوة....وكأنه يوبخها على صمتها.... أو ربما يحاول الهروب من الخطيئة التي تسكن رحمها....غامت الرؤية في عينيها الحمراء....فلم تعد تفرق بين زينة رمضان ومراسم الجنازة....
أرجعت الملابس إلى العربة ببطء وكأنها تتخلى عن آخر ذرة مقاومة.... لم تنطق بكلمة.... بل اكتفت بالنظر إلى يد ظلام وهي تمسك يدها مجدداً....ضاغطاً عليها بامتلاك أبدي.... في تلك اللحظة... وسط صخب السوق وبشرى رمضان.... أدركت لينا أنها لم تعد تخشى الموت... بل أصبحت تخشى الخلود في هذا المكان..... حيث كل شيء ينتمي إليه.....حتى النبض الذي ينمو في أحشائها....وحتى التوبة التي كانت ترجوها خلف أبواب ذلك المسجد الموصدة في وجه روحها المنكسرة....
تقدم ظلام بها نحو مجموعه اخري من الملابس واخذ ينتقي منها بهدوء لبضعه دقائق حتي تجمدت يده فوق قطعة قماش قطنية صغيرة وتلاشت ملامح الهدوء الزائف عن وجهه في أجزاء من الثانية.... لم يلتفت ببطء... بل انتفض بجسده الضخم كذئب استشعر فقدان فريسته...التفت يميناً ويساراً.... يمسح الزحام باعين سوداء تشتعل ببريق مرعب..... لكن السواد كان يغطي كل شيء..... كل النساء يرتدين نفس العباءة.... ونفس النقاب.... وكأن الأرض انشقت وابتلعتها
سقطت قطعة القماش من يده وكأنها جمرة حارقة وعينيه نحو مكانها الفارغ .....في تلك اللحظة... لم يكن ظلام القائد الذي لا يُهزم.... بل كان رجلاً يبصر هلاكه الذي يتمثل في فراغ المكان بجانبه.... دار حول نفسه بذهان واضح و اتسع بؤبؤ عينيه الاسود ليبتلع بياضها وأصبح الزحام في نظره عبارة عن وجوه مشوهة وألوان متداخلة تخنق رؤيته...
شعر بانتزاع وحشي في صدره وثقل مخيف في قلبه.... وكأن الخيط الذي يربطه بالحياة قد بُتر.... تزايدت أنفاسه لدرجة الازدحام في رئتيه وكانه يختنق...وضع يده على رأسه يشد شعره من تحت الغترة بذهول نازعاً اياها... يلتفت يميناً ويساراً كذئب أضاع جحره داخل العاصفة.... لم تكن مجرد زوجة أو سبية مفقودة.....كانت الأمان الوحيد الذي امتلكه في عالم صنعه من الدماء.... وبدونها....كان ظلام سيعود مجرد جثة تسير فوق الأرض... تائهاً
:لينا... لينا!
تمتم باسمها بصوت مخنوق وهو يسير بهمه... وبدأ يركض بجسده الضخم وسط الناس...يصطدم بالأكتاف وسط الزحام... يترنح كمن سُقي سماً...وعينيه تفيضان بذعر طفولي غريب لا يتناسب مع ظلامه وقوته.... وكانه يخشى أن تكون قد تلاشت كما يتلاشى الدخان.... أن يكون الله قد استجاب لدعائها وسحبها من مملكته المظلمة....
امسك الاخر راسه بقوه وهو يتنفس بقوه جالساً القرفصاء رامقاً الارض باعين مذعوره وكانه لا يستطيع التنفس .... وكانها اختفت من الوجود رافعا راسه نحو الناس بتيه كطفل ضائع حتي احمرت عينيه ويده ترتجف ليتجمد حينما تذكر شيئاً لينهض متقدم وسط الزحام بخطوات سريعه بين الناس وصدره ينتفض ويكذب نفسه ...لا يمكن ... لا يمكن انها هناك....
اندفع الي المكان الذي اخبرها اذا افترقا يلتقوا هناك .... نحو باحة المسجد الرخامية حيث كان الصمت يبتلع ضجيج السوق.... وهناك.... وسط بياض الرخام الشاسع وتحت هيبة المآذن التي تعانق السماء...أبصرها....ليقف مبتلع ريقه ببطئ وغصه تخنق حلقه واعين حمراء
كانت تجلس منزوية في ركنً قصي... متكئة بظهرها بتعب وارهاق على عمود رخامي بارد... جسدها الضئيل يبدو كقطرة حبر أسود في بحر من النور....لم تكن تهرب... ولم تكن تبحث عن مخرج... كانت هناك جالسه ومنكمشه وباهته ... ورأسها مائل للخلف... ترمق المآذن الشاهقة بعينين غادرهما الانكسار ليحل محله نوعٌ من القداسة الباهتة....في تلك اللحظة....كان صوت النقشبندي يملأ الباحة.....يبتهل بخشوع يمزق القلب.....يرتفع صوته بالاستغاثة والوجد.... وكأن الكلمات جسر ممدود بين الأرض والسماء....
توقف ظلام على بُعد أمتار..... جسده لا يزال يرتجف من أثر الذعر....معتصر قبضه يده وهو يحاول ترتيب انفاسه غير مصدق انها امامه ....لم ينتزعها احد منه..... بقي مكانه متجمداً وهو يراها... كانت روحها تطفو.... بدت له في تلك اللحظة وكأنها لم تعد تنتمي لجاذبيته... كأن صوته وقيوده وسجنه لم تعد تصل إليها.... كانت تسبح في عالم من الابتهالات والسكينة التي لا يملك هو مفاتيحها....
اقترب منها بخطوات متعثرة.... صامتة....فاقدة للثقة....جلس على ركبتيه أمامها.... ليس كوحشها... بل كغريق وجد قشة نجاة....لم يلمسها فوراً... بل ظل يراقب وجهها وعينيها الزرقاء التي فقدت بريقها الموجهه نحو السماء... وصدره يعلو ويهبط ببطء وهو يستعيد أنفاسه المسلوبة...
مد يده المرتعشة وبطرف أنامله فقط.... لمس يدها الملقاة على الرخام بوهن ....ثم همس بصوت خافت وتوسل مرعب:
ظننتُ أن السماء اختطفتكِ مني...اين كنتِ ياصغيره
التفتت اليه لينا ببطئ رامشه باعين باهته: كنت انتظرك ...اخبرتني اذا فقدتك ان انتظرك هنا وساجدك ...
ابتلع ظلام ريقه مميل راسه بحسره وغصه : ظننت انك رحلتي وتركتني وحيداً
لم تنظر إليه....ظلت عيناها معلقتين بالمئذنة....وصوت الابتهال يغسل المكان لتردف مميله راسها بتعب وذبول :ضاقت الارض بي....لم يعد هناك مكان ألوذ به بعيداً عنك.... اصبحت اخاف من كل مكان بدونك ....حاولت ....فبدأ كل شيء غريباً علي ....حاولت ....لكني وجدت نفسي انتظرك هنا ....
التفتت لينا نحو الاخر وهو يمسك يدها ساحباً اياها لتميل بجسدها من العمود الرخامي الي صدره رامشه بوهن وهو يعتصرها الي حضنه متكئ براسه فوق راسها مردفاً وضربات قلبه تنتفض:لا تغيبي هكذا... لينا... إن غبتي عن عيني.... أشعر أن الأرض تبتلعني.... وأن كل ما بنيته لم يكن إلا رماداً.. لا تتركيني وحيداً في هذا الظلام الذي صنعته لأجلك....أخشى الظلام بدونك وانا ظلام... كلي ظلام......رمشت لينا بصمت موحش فوق صدره دون رده فعل وكانها فارغه من الحياه والشعور.... وهو اصبح يدرك الحقيقة البشعة.... هو لم يسجنها هي.... بل سجن نفسه داخل حاجته المريضه إليها.... والآن.... هي من تملك مفاتيح روحه الضائعة....
******
تقدمت تانيا بهدوء خلال الظلام بعيدا .....كانت الصحراء فارغه لاتملك سوي مصباح وتسير بهدوء وقلب جامد وملامح بارده ....التفتت خلفها رامقه الظلام لا يظهر سوي بريق عينيها من خلف القناع لثوان طويله بقيت تنظر الي الفراغ ثم التفتت واكملت سيرها قرابه الساعه داخل الصحراء حتي وصلت الي لافته عليها راس جمجمه مكتوب فوقها خطر الالغام لا تقترب .... رمقتها تانيا مطولا ثم وقفت تنتظر لنصف ساعه حتي اغمضت عينيها من ضوء سياره يقترب من بعيد و توقفت امامها ثم انطفي الضوء ليترجل منها رجل بملابسه العسكريه ومع اربعه رجال يقفون خلفه ليتقدم نحوها مردفا : الطبيبه تانيا ....ثم ابتسم : ام اقول الجنديه اورفا قائده المحاربه السوداء
رمشت تانيا بملل : لا يهم الاسم الان ....مايهمني حياه والدي
ابتسم الاخر بهدوء: ووالدك بخير تعرفين جيدا ان امر سجنه مجرد صوره وهميه كي يثق بك الخالدون وتنضمي لهم كجاسوسه وطنيه وبطله ...وها قد نجحتي واصبحتي جزاً منا ...والدك سيكون فخورا بك تانيا... ثم ابتسم لها بفخر وشرود
ارتخت اعين تانيا بملل: هناك عمليه كبري يجهز لها الخالدون ... الاماكن المحتله ليست هدفهم فقط هذه ليست نهايه الحرب بالنسبه لهم ....هناك تمويل كبير وزخيره اسلحه مرعبه ...هناك عمليه سيليها حرب مرعبه لن تنتهي الا بالاباده والسيطره علي الدوله بالكامل ....هؤلاء غرابيب سود يريدون نهش الجثث فقط وليس اثبات هيمنتهم فقط
حك الاخر طرف شاربه مردفاً: لاتقلقي بمجرد اعطاء اشاره منك سينتهي الخالدون علي يدنا
يوريان : هل انت متاكد اننا لن نقطع ايديكم اولاً
شهقت تانيا مردفه باعين متوسعه : يوريان!
يوريان بملامح مظلمه وهو يرفع السلاح نحوها : بل موتك
التفتت تانيا نحو الظابط ميشيل وهو يرفع السلاح بوجه يوريان وخلفه ثلاثه عساكر يرفعون اسلحتهم نحوهم ....لتجفل حينما سحبها يوريان من معصمها ليوقفها خلف ظهره العريض ولازال السلاح مصوبا نحو ميشيل مردفا بنبره ميته: حينما تريد بعض المعلومات ....اقتلعها بنفسك وليس بجعل امرأه تتعرض للخطر وانتم جالسون كأرمله مثيره للشفقه
ابتسم ميشيل ابتسامه جانبيه وتانيا ترمق ذراع يوريان وهو يحاول تغطيتها بجسده ...ميشيل: اخفض سلاحك تعلم جيدا انك مجرد رصاصه ستسقر في راسك وينتهي الامر ... لست اكثر من كلب ارهابي ....تانيا اقتربي
التفت يوريان بعينيه اسفل القناع نحو تانيا التي انسحبت من خلفه واقفه بجوار ميشيل ليعتصر يوريان السلاح بقبضته وفك متصلب رامقا اياها باعين حمراء ليبتسم ميشيل بخبث وهو يشير الي رجاله ليخفض يوريان سلاحه ببطئ وعينيه نحو الاخري البارده ليقيده اثنين والثالث مد يده نحو قناع يوريان ليكشف عن وجهه لكن يده تجمدت واعين ميشيل توسعت حينما وضعت تانيا السلاح برأسه مردفه :اجعلهم يخفضون الاسلحه
ليردف ميشيل بدهشه :تانيا !
لترمش تانيا بملل مردفه: نفذ والا فجرت راسك ولا تظن ان اسلحتك قادره علي اخافه احد جنود الخالدون ولا انا ساسمح لكم بايذاءه ....ليقاطعها ميشيل :تانيا هذه خيانه
لتردف تانيا بجمود: كل ما بيننا هو معلومات مقابل سلامه والدي وحريتي ......اما انتقامي فانا ساقتلعه بيدي وليس باسلحتكم ...لا تجعل الامر شخصي ميشيل اذا مات يوريان تموتون جميعا علي يدي اولا
ابتلع يوريان ريقه ببطئ رامقا تانيا التي عينيها مصوبه نحو ميشيل بجمود واصبعها فوق الزناد علي بعد ثانيه واحده من تفجير رأسه ليخفض العساكر اسلحتهم مبتعدين عن يوريان وتانيا التي اردفت : خذهم وارحل بهدوء ميشيل وكأن شئ لم يكن
ليردف ميشيل بضيق: تانيا سيقتلك هل انت مدركه لموقفك ......انت جاسوسه سيمزقونك اربا
لتعود تانيا للخلف ولازال السلاح مصوب نحوهم واقفه بجوار يوريان : الوطن امتلئ بالجثث سيد ميشيل ......شهيده وطنيه اخري لن تشكل فرقا ...كثير من الدماء سفكت بالفعل
رمق ميشيل يوريان بغيظ ثم تانيا :ساجد طريقه لاتواصل معك مجددا
اومئت تانيا بجمود وميشيل انحني حاملا اسلحه العساكر ثم اشار لهم لركوب السياره ولازالت عينيه نحو تانيا التي تقف بجوار يوريان حتي انطلقت سيارتهم مبتعدين ......اخفضت تانيا وجهها رامقه الفراغ بصمت منتظره رده فعله ......تعلم ان كل شئ تم افساده ...تعلم انها النهايه ......اكتشف امرها وسيتم تسليمها الان ولن تحصل علي انتقامها قط ......لكن الاهم ان الجنود سيعودون بخير سيتحرر والدها بفضل المعلومات ......هذه كانت الخطه منذ البدايه ......ان تتوغل الي وقر الافاعي كجاسوسه لوطنها ......مقابل انتقامها اولا ومقابل ان تستعيد شرف عائلتهم الذي تم اتهامه بالارهاب وثالثا لتحرير وطنهم كي لا يتلقي شاب اخر مصير اخيها نفسه...ان تهب كل ابتسامه تشبه اخيها فرصه اخري ......وطن افضل ...
اغمضت تانيا عينيها حينما اعتصر يوريان معصمها ساحباً اياها خلفه وهو يسير باعين فارغه وهي تتبعه بصمت ......رفعت وجهها محاوله رؤيه عينيه رغم الظلام ......لن تلومه ولن تحقد عليه ...اي فتاه اخري ستختار حريتها وتدفن يوريان بنفس اللحظه ...لكنها هذه المره اختارت يوريان مقابل موتها ......وعليها تحمل نتيجه اختيارها ......اذا كان انتقامها سيتحقق بموت يوريان فللمره الاولي هي ستكتفي بهذا القدر ......وتتخلي عن انتقامها وترحل لتلتقي باخيها وتعتذر منه ......ربما شرف عائلتها سيعود......ووالدها سيعود الي امها ...وهي ربما تعود ......لكن يوريان اذا رحل لن يعود ......في هذه اللحظه......ادركت امر واحد....انها بالفعل احبت يوريان حد الموت ولا تستطيع الاعتراف الان قبل قتلها والا ظن انها تفعل ذلك لخداعه او استغلاله
اخفضت تانيا راسها بصمت وهما يدخلان الممر دون حتي ان تردف حرفا واحدا او تتسأل الي اين ياخذها ......كشف امرها وانتهي كل شئ لا داعي لسؤال تعرف جوابه جيدا ....والاجابه هي انتهاء قصتها الي هذا الحد ...تطلعت تانيا نحو مكتب القائد ليخفق قلبها حتي تفاجأت بها تمر ويوريان يكمل طريقه لتلتفت رامقه يوريان باعين حمراء ...كان جامدا ملثم ولا يوجد ادني تعبير داخل عينيه ....التفتت نحو الباب الذي دفعه ساحبا اياها للداخل ثم دفعها ارضا امام الشيخ ليعقد حاجبيه ملتفت نحو يوريان الذي اشهر سلاحه برأس تانيا التي توسعت عينيها بدهشه حينما اردف بنبره ميته : مولانا ....ابدا بمراسم زواجنا او جنازه كلينا .....
*********
قراءت في احدي الكتب التي كنت احتفظ بها طوال تلك السنوات كهوس لفك شفرتها يوما ما ....كان هناك كاتب يدعي مصطفي محمود يقول ...الانسان تتاكله شهوه غامضه خطره ...اخطر من شهوه الجنس ....واخطر من شهوه الطعام ...تلك الشهوه هي شهوه العقيده ....شهوه اليقين ....الشهوه الي شئ يؤمن به ويصدقه ....وهو في سبيل هذه الشهوه قد يؤمن بحجر ...او صنم او تعويذه او حجاب او درويش اهبل ....ليس لانه ساذج او مغفل .... وانما لانه ضعيف....به ميل فطري ....وشوق غريزي حاد الي هدف يرتبط به ....وكلمه يصدقها ....وعقيده يعتقد بها .....وهذا الامر اخطر رعبا....لان هذا الكلام يؤدي الي نتيجه مرعبه ....انه ربما في سبيل ماتؤمن به قد تقتل كي لا تُقتل مبادئك وعقيدتك ...بغض النظر اذا كان إلهاك حجر ....او صنم ....ان كنت علي صواب ام خطأ ....يصبح الامر مرعبا حينما يتعلق الامر بكل ما تؤمن به يوماً
تطلعت رسيل باعين شاخصه نحو جثه يامن وملامح مرتعده مبتلعه ريقيها بزعر وجمود ...لم تتحرك لثوان طويله ....لم تتحرك متجمده في مكانها حتي اخرجها من صمتها صوت صراخ الصغيره وهي تنظر للدماء لتلتفت نحوها رسل برعب والفتاه صرخت راكضه خارج الغرفه نحو والدتها تبكي وتصرخ وتضرب امها وتسحبها من وشاحها بحاله هستيريه لا تفقه شيئا...
ارتجفت يد رسل عائده للخلف عن الجثه برعب شديد وهي ترمق الدماء التي تسيل باندفاع خارج الغرفه ببرود قاتل لترفع راسها نحو الباب وصراخ المرأه التي تنظر لها وللسكين في يدها.....السيد يامن مات.....صرخت المرأه وكانما قُتل إلهها لاطمه وجهها ونزعت الوشاح وركضت تصرخ وتصيح بالخبر وما ان دعست رسيل قدمها خارج الغرفه تقدمت النساء ممسكين بها من رأسها
لم تعد تفهم ما يحدث ...كانت تشعر بخدر ....وجوه سوداء .....الظلام في كل مكان .....الكثير من الاسود....والمشاعل .....رفعت وجهها نحو السماء والسحاب الاسود يبتلع القمر ثم اخذت تنظر حولها والنساء تجرها من شعرها وملابسها ويدفعونها بالارض ويجرونها وهي تصيح وتصرخ بهم وهم يصيحون بها كيف تقتل السيد الكبير ....اذا لم يحرقوها الان سيغدو كل شيء رماد...وستحل عليهم غضب السماء.....صاحت بهم ان لا وسيط بينهم وبين الله ....وانه كان يخدعهم ....كانت تصرخ كي ينصتو لها ...كي يسمعو عن الرب حقا ....وانهم كانوا في غفله طوال الوقت .....وان الظلام غلف قلوبهم ....صرخت رسيل حينما امسكوها من شعرها بقوه حتي كادو يقتلعونه من فروته ضاربين راسها بالارض ليرتطم بعمود المحرقه ...رفعت رسيل راسها والدماء تسيل علي نصف وجهها وهي ترمق العمود ثم التفتت لهم بيد ترتجف ...الجميع يرمقونها كمذنبه قاتله مجرمه كافره وهي كانت تبحث بينهم عن شخص واحد ....تبحث عنه برجفه وخوف...مهما كانت هي لازالت طفله خائفه ومرتعده تبحث عن طوق نجاه لكن لا احد ....حتي والديها لم تعد تراهم ...شهقت والرجال يجرونها مقيدين اياها علي العمود وهي ترتجف وتصيح بهم ان يسمعوها ....:انظروا حولكم .....انتم في ضلال ....لقد كان يسرقكم...ينتهك اعراضكم .....اطفالكم .....يغرقكم بالكفر والفقر .....انصتوا لي
تطلعت رسيل نحوهم بضياع وهم لا ينصتو لها ....في تلك اللحظه تذكرت حينما نادي نوح بالحيوانات مره واحده فركبوا في السفينه ونادي في الناس 950 سنه فاختارو الغرق ....غريزه سليمه افضل من عقل مريض وهؤلاء مرضي....شحبت ملامحها وهي تري مجموعه من النساء مغطين بالسواد فوق رؤوسهم ويدورون حولها ويهزون رؤوسهم يمين ويسار كنوع من طقوس القربان بشكل مخيف وبشع والرجال يرفعون النار ويرمقون السماء ثم التفتو نحو القصر وهم يحملون جثه السيد الكبير والنساء تصرخ وتلطم وجوهها ولازالو يدورون حولها حتي اقتربت امرأه عجوز من عهد السيد الكبير والد يامن ....مخيفه وهناك وشم علي فكها وحول عينيها وفوق جبهتها اشارت بعكازها نحو رسيل ليقترب احد الرجال بوتد مشتعل واضعا اياه اسفلها ليوقد القش حولها والحطب ...ثم ابتعد والتفت الجميع حول جثه يامن وتركوها تحترق خلفهم لترتجف رسيل ملتفته حولها باحثه عن اي احد حتي رأته هناك ....يقف ويشاهد بصمت ......لترمقه رسيل بعدم تصديق متوسله اياه بعينيها
رمش الاخر ببرود وتقدم ببطيء من بين الناس والنساء التي تصرخ حول الجثه ليصعد من الخلف واقفا امامها ....ارتجفت شفتيها حينما رفع يده ببطيء واخذ يبعد خصلاتها عن وجهها ومسح طرف شفتيها بابهامه لترتجف ملتفته نحوهم وهم ملتهين بجثه يامن مردفه :طوسون فك وثاقي ....اخرجني من هنا
لم يجيبها الاخر لم تفهم ما به عينيه كانت غريبه سوداء وضوء النار ينعكس داخلها في ظلام الليل المكتل بالسحب السوداء لتردف رسيل برجفه :طوسون انقذني
ليهمس الاخر بنبره خافته : هل تؤمنين بالاشباح ياصغيره؟
عقدت رسيل حاجبيها ليبتسم الاخر بطريقه شيطانيه :بالطبع تفعلين ...تؤمنين بكل ماهو غير حقيقي ....مؤمنه لدرجه انك تظنين ان كل شيء مسخر لاجلك ....ارئيتي ماذا يفعل الايمان ....احمرت اعين رسيل رامقه الناس وهم يحملون التراب ويضعون فوق روؤسهم بصراخ لان السيد الكبير مات دون نسل وانهم مغضوب عليهم لدرجه البركه انتزعت منهم ....وطوسون يهمس في اذنها : الايمان يذل ...يجعل المرء حقير ....مهان ....ذليل ....عبد....مايجعلك الان مقيده وستحرقين لاجل خنزير مقزز كان ينتهك اعراضهم ويستبيح اطفالهم .....اذا كان ربك موجود فلما لم ينقذهم ....لما لا ينقذك الان منهم ...
تطلعت رسيل نحو ابتسامه الاخر التي اتسعت :الان تتوسليني لانقذك وانا سأفعل ...فقط حينما تؤمنين بي وتلحدين بهم
توسعت اعين رسيل رامقه الاخر الذي ظهرت ملامح الجنون علي وجهه لتهز راسها بعدم تصديق مردفه : ان الذي فطر السموات والارض وخلقنا من نفس واحده قادر علي ان يحيي الموتي وهو وحده من يقبض الروح ....اذا اراد لي الحياه سيجعل من كل شيء سبب لاحيا واذا اراد لي الموت لا انت ولا اي قوه تستطيع تغير ارادته سبحانه ....اذا بقيت حيه سأعيش وانا علي يقين بأنني حيه بفضله واذا كتب لي الموت فاهلا بالموت الذي سيجعلني التقي به اخيرا ....
قالت هذا ثم ارجعت رأسها للخلف فوق العمود ليبتعد طوسون وعينيه داخل خاصتها وهي تعتصر يدها رامقه اياه وهو يردف رافعا يده ممسد شفتيها بظلام :سأقف واشاهد روحك تغادر وسأنتزعك من الموت ...حينها فقط ستكونين ملكا لي ولا يحق لك بعباده شيء اخر سواي
ابعدت رسيل وجهها عنه باحتقار رامقه الظلام والسواد والناس مغمضه عينيها وهي تردد في سرها بعض الايات التي حفظتها بتعلثم رامقه النار التي تشتعل تحتها اكثر حتي شهقت حينما اضاءت السماء واصدرت صوت رعد مخيف ليتوقف الجميع عن النحيب كان الرعد والبرق نذير شؤم بالنسبه لهم حتي اتسعت ابتسامه رسيل ببطيء وهي تتذكر الجمله التي قراءتها ....سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكه من خيفته ....ارتشعت رسيل ضاحكه حينما هبت نسمه هواء وفجأه هطل المطر بغزاره ....ضحكت وهي تسمع صراخهم وهم يقولون ان السماء غاضبه عليهم وانها لعنه السيد الكبير واخذو يركضون عن الجثه ارضا بخوف خشيه ان تصيبهم لعنه وركضوا بعيدا يختبئون والنار تحتها انطفئت لتهز رسيل جسدها بعنف فاكه يدها التي خرجت بفعل الماء بسهوله وفكت وثاقها واخذت تضحك بصوت عال رافعه وجهها نحو السماء والمطر يغرق وجهها فاتحه ذراعيها واخذت تدور حول نفسها فوق الارض المبتله والطين حول جثه يامن الذي غرق بالوحل ولا احد حاول الاقتراب منه ....اخذت تدور حوله وتصيح بترنيمه وهي تضحك وتغني له :تمرغ في الوحل ياسيد الطين....اين جبروتك ؟.....اين السلاطين ....غسل المطر قيدي واغرق نارك ......وصنع من كبريائك مزبله للعابرين ....انظر الي ...انا الحره المجنونه...وانت الجثه المنسيه الملعونه ....صرخوا وقالو غضب السماء وماعلموا ان السماء لاجل روحي المظلومه ممنونه ....اخذت تصرخ وتصيح وتشير نحو جثته بشماته واختلط صوتها بصوت الرعد :اركضوا ....اهربوا ...ياعبيد الخوف....هذا سيدكم ....تحت قدمي ينهش جثته الموت .....اخذت رسيل تصيح بهم تحت المطر وهم يخافون الاقتراب وهي تصيح بصوت عالي كي يسمعوا نبرتها المخيفه التي امتزجت بصوت المطر والرعد :امنت بربي حين كفرتم ...واحتميت به حين ظلمتم ....فهزم جمعكم ...وانطق رعده ....ورفع راسي ودهس راسه .....
ارتجفت رسيل وهي تلتفت حولها بملامح هستيريه غاضبه باحثه عن اي شخص لكن اختفي الجميع والنوافذ اصبحت تغلق والابواب لتخفض وجهها ببطيء رامقه جثه يامن التي امتزجت بالطين حتي ثوبه الابيض المغرق بالدماء كخنزير في مستنقع قذر مثله لترفع راسها مع ضوء البرق نحو القصر لتجد طوسون يقف هناك يرمقها بملامح سوداء صامته دون رده فعل ابتسمت له مبتلعه ريقها وهي تتنفس بصوت عال والماء ينهمر علي وجهها وجسدها وهو يبتعد ببطيء الي داخل القصر ....التفتت نحو الحديقه الخلفيه راكضه بكل سرعتها حتي كادت تنزلق ممسكه بحجر من الارض كاسره قفل السرداب ثم دفعت الباب وركضت خلال الرواق تصيح :مات السيد الكبير .....مات السيد الكبير .....فتحت الغرف لتجد الاطفال ملقين فوق بعضهم نائمون سحبتهم نحو الخارج ثم التفتت حينما انفتحت الأبواب الخشبية المهترئة واحدًا تلو الآخر وخرجت منها رؤوس صغيرة شعثاء وأعين غائرة اتسعت بالذهول والرعب.... لم يكن الأطفال يصدقون....فالخوف من يامن كان قد حُفر في عظامهم النخرة كقانون طبيعي لا يتغير.... مسحت رسيل دماء وجهها التي امتزجت بماء المطر بالطين وراحت تسحبهم من أيديهم المرتجفة وتدفعهم دفعاً نحو السلالم المؤدية إلى الحديقة الخلفية.....كان صراخها الهستيري يحرك أجسادهم المخدرة:اخرجوا إلى المطر! اغسلوا قيدكم... القصر يسقط!.... ما إن وطئت أقدام الأطفال طين الحديقة....حتى انهمر المطر فوق أجسادهم النحيلة الشاحبة.....تطلعوا إلى السماء برعب ظناً في البداية أن الرعد عقاب جديد من يامن ....لكن اعينهم تجمدت بعدم تصديق عند رؤية جثة السيد الكبير ملقاة على وجهها في المستنقع القذر وثوبه الأبيض يطفو فوق بركة من الوحل والدماء.... اصبح الصمت يطبق على المكان لثوان.... ثم انفجر البكاء.... لم يكن بكاء خوف... بل كان شهقات العتق .... تأملتهم رسيل وهي تتنفس بحدة.... صدرها يعلو ويهبط ....التفتت رسيل بجسدها المبلل لتتأكد من خروج آخر طفل لكن برودة مفاجئة سرت في عمودها الفقري.... برودة لم تكن من ماء السماء....بل من نظرة اخترقت خلف عنقها.....
في شرفة السرداب العلوية ....تحت سقف القصر الذي بدا الآن كقلعة مهجورة لآلهة سقطت.....كان طوسون يقف.... لم يتحرك.....لم يحاول منع الأطفال.... ولم يبالي بجثة يامن المتمرغة في الطين.....كان يراقب رسيل وحدها....البرق الذي يضرب السماء كان يعكس لمعاناً أسود غريب في عينيه وكأن النيران التي انطفأت تحت قدميها قد انتقلت لتشتعل في روحه هو.... امتدت ابتسامة باردة ومظلمة على شفتيه جعلت قلبها يخفق ببطيء.... رفع يده ببطيء شديد وحرك أصابعه في الهواء كمن يودع مسافراً يعلم أنه سيعود حتماً....لتعقد رسيل حاجبيها باستغراب مبتلعه ريقيها ثم التفتت نحو الاطفال وصاحت بصوت مبحوح:اركضوا نحو الغابة.... لا تنظروا خلفكم!.... اندفعت رسيل يقودها قطيع الصغار نحو أحراش الغابة المظلمة....تاركة وراءها القصر.... والجثة.... وطوسون القابع في ظلامه.....ومع كل خطوة تغرس فيها قدميها الحافيتين في الطين....كان صوت الرعد يسبح خلفها.....وكأن السماء تطهر الأرض من أثر الخطوات القديمة.....رمقت المسجد القديم لتشير لهم ان يندفعوا نحوه دلفت خلفهم مغلقه الباب وهي تتنفس بصعوبه ....ركضت نحو الكتب متفقده اياهم خشيه ان يكون طالهم شيء من المطر ثم تنفست بابتسامه والتفتت نحو احد الفتيان : هل يوجد حمام هنا سيدتي
التفتت رسيل نحوه لتهز رأسها : لا هذا المكان مقدس لا يجب فعل ذلك هنا ....ثم نهضت ممسكه يده : هل يريد احد اخر؟
لا اجابه اغلبهم ناموا بجوار بعضهم علي السجاد القديم اسفل المنبر وهم يرتجفون من البرد لتبتسم نحوهم حملت غطاء ثقيل وقديم نفضت التراب عنه وغطتهم واشعلت بعض الحطب جانباً و اخذت الفتي نحو الخارج وهي تحمل مصباح صغير بداخله شمعه كانت تمطر لكن خفيف للغايه تقدمت خلف الغابه بعيد عن المسجد ربما لبقعه لم تصلها من قبل او فكرت حتي بالولوج اليها اخذت تلتفت كانت عباره عن اشجار فقط لتعقد حاجبيها حينما رأت بعض الاحجار بارزه ....اشارت للفتي ان يذهب الي بقعه وهي تقدمت نحو الاحجار باستغراب كانت تبدو كعلامات غريبه مدت يدها ماسحه العشب والتراب المبلل من فوق الحجر حينما لاحظت نقش فوقه لتعقد حاجبيه وهي تتحسس الحروف كانت علامه قبر التاريخ قبل عشر سنوات لتشحب ملامحها حينما قرأت الحروف هامسه بملامح شاحبه ودمعتها تزرف من عينيها: طوسون
همست الاسم مره بعد مره مغمضه عينيها وهي تكرره لا يمكن ان تخطئه ثم فتحتها مجددا رامقه القبر لتنهض مبتعده للخلف وقلبها يخفق بقوه وهي تمسك رأسها وصوته يتردد داخل عقلها...هل تؤمنين بالأشباح يا صغيرة؟
تردد الصوت في جنبات عقلها كأنه آتي من بئر سحيقة لا قاع لها.... تراجعت رسيل خطوة أخرى إلى الخلف....وتلعثمت أنفاسها وهي تنظر إلى الحجر البارد الجاثم تحت المطر الخفيف..... الاسم المحفور لم يكن مجرد حروف....كان طعنة في كل ما تظن أنها تفهمه عن هذا العالم....طوسون.. قبل عشر سنوات....كان قلبها يدق بعنف لدرجة شعرت معها أن أضلعها ستتمزق..... سقط المصباح من يدها المرتعشة.....وانطفأت الشمعة بداخله ليرتمي المكان في ظلام دامس.....لا يضيئه إلا وميض البرق البعيد الذي كان يعكس على ملامحها الشاحبة رعباً يفوق رعب المحرقة التي نجت منها قبل قليل.... عادت بها الذاكرة رغماً عنها إلى نظراته البرودية.... إلى ملمس إبهامه الخشن وهو يمسح شفتيها وسط النيران....وإلى ابتسامته الشيطانة حين قال لها:سأقف وأشاهد روحك تغادر وسأنتزعك من الموت... حينها فقط ستكونين ملكاً لي....لم يكن يمزح.....لم يكن يطرح أسئلة فلسفية ليتسلى...الذي يقف في شرفة القصر الآن... ليس بشراً.... الخوف الذي تشعر به الآن اختلف تماماً عن خوفها من يامن أو من أهل القرية....ذلك كان خوفاً من الموت والبطش.... أما هذا فهو رعب الوجود.... رعب أن تكون قد واجهت الشيطان وجهاً لوجه....وأنها استنجدت بميت ليخلصها من الأحياء.... استدارت بجسدها المرتجف تبحث عن الفتى الصغير الذي كان يقف على مسافة منها....نادته بصوت كتمه الفزع: هيا.. هيا بنا من هنا سريعاً....أمسكت بيده الصغيرة بعنف من شده الخوف....وركضت عائدة نحو المسجد القديم تجر قدميها المتعبتين فوق الطين وعيناها تلتفتان يميناً ويساراً نحو الأحراش....متخيلة في كل جذع شجرة مائل ظل طوسون وهو يراقبها بملامحه السوداء الصامتة....
ما إن دلفت من باب المسجد حتى أغلقته خلفها بقفل حديدي.... وأسندت ظهرها إليه وهي تلهث تنظر إلى الأطفال النائمين بسلام أسفل المنبر....يتدثرون بالغطاء الثقيل الذي وضعته عليهم.....كان دفء الحطب المشتعل يتناقض تماماً مع الصقيع الذي يسكن صدرها.... جلست رسيل على الأرض المتربة وضمت ركبتيها إلى صدرها وعيناها شاخصتان نحو النيران.....عادت يدها لتتحسس المصحف والكتب القديمة بجانبها وكأنها تبحث عن درع يحمي عقلها من الجنون.... هل يمكن للمرء أن يؤمن بوهم لمجرد أنه يحتاج إلى تفسير.....لكنها لمست يده.. شعرت بأنفاسه!.... مسحت دموعها المخلوطة بالطين عن وجهها وتطلعت نحو النافذة الخشبية للمسجد حيث ينعكس ضوء البرق.... لقد نجت من النار بفضل المطر لكنها الآن محاصرة في وادي يحكمه الأموات.... والطفلة الخائفة بداخلها أدركت أن الحرب لم تنتهي بموت يامن بل بدأت للتو....امسكت رسيل رأسها وهي تحاول تفسير ما حدث طوال تلك الايام ....تفسير بروده .... بروده القاتل في المواقف المرعبة.... معرفته بأسرار القصر وسكانه دون أن يلاحظه أحد....عدم اكتراثه بموت يامن أو حرقي حيه امام عينيه....عقدت رسيل حاجبيها وهي تتنفس بصعوبه.... هل أنا أجن؟ هل رأيت القبر حقاً أم أن المطر خدعني؟ كيف لمست يده ومسح شفتي إن كان شبحاً؟..... شبح....لا... الشبح لا يملك يداً دافئة تمسح الدم عن شفتي.....الشبح لا تنعكس النار في عينيه بتلك الواقعية.....الشبح لا يترك خلفه أثار اقدام....إذاً... من الذي يقف في القصر الآن....من هذا الذي سرق اسم ميت وصنع لنفسه ضباباً ليتحرك فيه كالإله ....
********
فتحت لينا عينيها رامقه سقف الغرفه حينما سمعت صوت ظلام يناديها بهدوء.... نهضت ببطئ وهي تسند بطنها المنتفخ وشعرها مبعثر على وجهها رامقه اياه.... كان يجلس أرضا بنهايه الغرفه أمامه مجموعه من الاسلحه يقوم بتنظيفها بهدوء لا يرتدي سوي فانيله سوداء بارزه عضلاته المخيفه و بنطال أسود ويربط الغتره فوق راسه للخلف واحد اطرافها فوق كتفه.... رفع وجهه نحوها رامقا اياها باعينه السوداء ....كانت تنظر له وأثر الحمل والتعب واضح على ملامحها الذابله مسح يده بمحرمه بهدوء دون أن يشيح وجهه عن زرقاويتها ثم نهض بطوله متقدم نحوها بهدوء وهي تتبعه بعينيها حتى وقف أمامها رامقه معدته بسبب ارتفاع سريرها المعدني العالي ثم رفعت راسها نحوه رامشه حينما رفع يده ممسك وجنتها بلطف هامسا بنبره خافته : صباح الخير... الفجر سيؤذن بعد ساعه... ثم انحني مقبل شفتيها بهدوء وابتعد مردفا : حان وقت دواءك ولم تتناولي شيئا بعد.... اومئت له بهدوء ليبتعد متقدم نحو الطاوله الجانبيه حاملا الطعام ريثما اغتسلت وعادت وهي تسير ببطئ كان يجلس فوق الفراش فاتح ذراعه نحوها لتمسك يده بهدوء وهي تسير نحوه ساحبا اياها لتجلس في حضنه... حمل الطعام الي فمها لتلتقطته بصمت ماضغه اياه ببطئ وهو يرمق فمها بحرص ومبالغه وكانه ينتظر اشاره واحده منها ....حينما شبعت رفعت يدها ممسكه يده التي يمدها نحو فمها هامسه بنبره خافته : شبعت... اومئ بهدوء ثم ابعد الطعام محتضن خصرها بكلا ذراعيه : انظري لي
لم تكن تفعل كانت جالسه في حضنه وجهها مقابل عنقه حتى هذه اللحظه لم يكن لديها الجرأه لتنظر الي وجهه.... لا تعلم خوفا ام استنكار ام تهرب من واقع قربه المرير... كل ما يخطر في بالها انها لا تريد رؤيته حتى وان كانت لا تري شئ غيره....تطلعت لينا نحو وشم 001 فوق عنقه وهي تعلم الان معنى هذا الرمز الذي ينتمي إلى ارقام عيناتهم الأولى... اول طفل مارس مورسال عليه تجاربه واول طفل استخدمه كسلاح بشري قاتل ومخيف...رفعت لينا عينيها للأعلى رامقه خاصته التي تتطلع نحوها بشرود وظلام رامشه وهو ينحني قربها حتى اختلطت أنفاسهم : لدي مهمه.... لعده ايام... اريد ان تعتني بنفسك...وان تبقي بالغرفه... ربما يحدث امرا غير متوقع.... نحن في حاله حرب....اسقطُ الجميع ولا احد استطاع اسقاطي لاني امتلكك.... لهذا كوني بخير دوماً صغيرتي......ارتجفت لينا حينما رفع يدها بيده نحو فمه مقبل باطنها بظلام واعين ذابله نحو خاصتها رامقه عينيه وخصلاته التي تتسلل من أسفل الغتره فوق جبهته مردفا بنبره خافته وانفاسه تلفح باطن يدها مسبب قشعريره في جسدها : تبقي القليل فقط وساحضر العالم تحت قدمك...
ابتلعت لينا ريقها رامقه اياه بصمتها الموحش دون اضافه كلمه ليعتصر يدها ولازالت عينيه تترقب رده فعل منها او اي شئ دون جدوى لأنها كانت فارغه لتخفض وجهها حينها تركها فوق الفراش ناهضا نحو ملابسه الخاصه بالمهمات ليرتديها وهي ترمق الارض بصمت.... عدل الغتره حول عنقه وحمل سلاحه خلف ظهره وحقيبه الاسلحه الأخرى ثم تقدم منها منحنى مقبل راسها والتفت ليغادر لكنه توقف حينما شعر بيدها تمسك خاصته مانعه اياه من الذهاب... التفت نحوها رامقا يدها الناعمه التي تمسك خاصته بتردد مخفضه وجهها ليقترب منها بهدوء مقتحم المسافه الصغيره التي تفصلهم وانحني جالسا القرفصاء أمامها ولازالت يده بيدها داخل حضنها رامقا عينيها واحده تلو الأخرى لتهمس لينا بنبره بالكاد تُسمع دون أن تنظر إلى عينيه:لا تذهب
امال الاخر وجهه نحوها مقترب أكثر لترفع لينا عينيها نحو خاصته مردفه بذبول وتردد:قلت لي انك تخشي الظلام بدوني...ثم صمتت لثوان وهو ينصت لها بحرص شديد وكانها قدسيه يخشى الحديث في حضرتها... لينا بنبره خافته وهي تنظر له باعين حمراء متلئلئه: سابقى معك....الي الأبد... لكن... اريد طلب واحد منك
خفق قلب الأخرى بغصه حينما اعتدل الأخر جاثيا على كلا ركبتيه أمامها ممسك يدها التي تمسكه بكلا يديه مردفا وهو يؤمي قائلا بنبره خشنه : كل ما تريدنه....رفعت لينا يدها الأخرى ممسكه يده المتشبثه بها ثم سحبتها واضعه اياها فوق بطنها المنتفخ ليتحسس جنينه رامقه اياه بذبول وهي تهمس بنبره واهنه : دعنا نغادر هذا المكان ...ساتي معك ....لا اريده ان ينتمي لهذا المكان ....لا اريد ان ابقي هنا ....اختنق ظلام ...ثم امالت راسها بحسره وغصه :اختنق هنا ....مستعده لنفتح صفحه جديده ها ...فقط ابعدني عن هذا المكان ...اقسم لن اعترض ....لكن لا تدع هذا الطفل يولد هنا ...قلت ...قلت انك تريد بقائي وسأفعل لن اشتكي ابدا ...لنصنع عائله كما تريد ...لكن ...اخرجني من هنا ظلام ....هذا المكان يفقدني عقلي ولا اريد لطفلي ان ينتمي اليه ....شقهت زافره دموعها برجفه ويديها ترتعش ليرفع الاخر يده مطوق وجهها بقوه رامقا عينيها واحده تلو الاخري وهو يتنفس بقوه مبتسم بعدم تصديق مردفا بنبره خشنه : تريدين الرحيل معي ها ....لتؤمي له الاخري وهي تبكي باختناق لتغمض عينيها حينما اقترب الاخر لاعقا دموعها بظلام مردفا وانفاسه تلفح شفتيها دون تقبيل: سافعل ....كل ماتريدينه لينا ....طلما انك ستكونين معي ....فقط هذه المهمه والا لن يتركوننا وشأننا .....ثم اتكئ بجبهته فوق وجنتها ولازلت يديه تطوق وجهها : اعدك سنرحل ....وسأعطيك الحياه التي تريدنها مقابل ان تبقي معي ....وستغفري لي صحيح
فتح ظلام عينيه حينما شعر بتصلب الاخري ليبتعد ببطئ رامقا اياها باعين سوداء وهو يرمق عينيها الحمراء وهي تنظر اليه بملامح غير مفسره لتنهض واقفه امامه وهو يرفع عينيه نحوها لتبتعد الاخري متقدمه ببطئ نحو زاويه الحائط واقفه معطيه ظهرها له ويدها ترتجف رامقه الزاويه وقلبها يخفق لتغمض عينيها حينما شعرت به يغطي ظهرها حتي اختفت عن العالم خلف ظله وظلامه ...ابتلعت ريقها بقلب يخفق حينما وضع يديه فوق اكتافها ثم انحني ببطئ متكئ براسه بين نحرها وكتفها مردفا بنبره ثقيله: اعلم اني سئ ...واني ارتكبت الكثير من الذنوب والخطايا ...فعلت اشياء سيئه ...لكن اعدك ساكون رجل جيد لاجلك ....ساكفر عما فعلت بك ...انتشليني .....اصلحيني ...
سقطت الكلمة الأخيرة من فمه كاعتراف .... اعتراف لم يجرؤ ظلام السلاح البشري.... العينة رقم 001.... أن ينطق به أمام أي كائن في هذا الوجود.... كان صوته يحمل بحة غريبة..... مزيجاً من الانكسار والرجاء المرعب.... هو الذي لم يعرف يوماً سوى لغة الدم والبارود يقف الآن متكئ برأسه على كتفها.....مستسلماً كلياً لسطوتها غير المرئية.... كطفلٍ مشوه يبحث عن ملاذ في قلب ضحيته...
لم تتحرك لينا....ظل جسدها متصلباً وعيناها عالقتان بتلك الزاوية من الجدار.... الزاوية التي شهدت انطفاءها.... شعرت بضخامة ثقله.... وكيف أن ظله ابتلع الغرفة وجعلها تبدو كقبر ضيق لا يتسع إلا لهما.....كلمات الوعد بالرحيل وصنع عائلة كانت تدور في عقلها مثل صدى حلمٍ بعيد.... حلمٍ تلوث بالدموع والدماء حتى باتت عاجزة عن تصديقه تماماً....أنفاسه الساخنة عند نحرها كانت تذكرها بكل ليلة كاد يسلبها فيها حياتها....والآن.... نفس هذا الرجل يطلب منها أن تصلحه.... كيف لروحٍ محطمة ومسلوبه مثل روحها أن ترمم وحشاً؟..... كيف لوعاء مليء بالخوف أن يمنح الطمأنينة لسجان؟....
أطبق يديه على كتفيها بضغط خفيف و كأنه يرجوها ألا تتراجع عن كلماتها ألا تسحب تلك اليد التي امتدت إليه لتنتشله من عتمته..... تحركت شفتيه مجدداً عند بشرتها هامساً بنبرة خافتة تقطر هوساً نابعاً من أعمق نقطة في روحه المظلمة:أنا لا أعرف كيف يكون المرء صالحاً لينا... كل ما أعرفه هو كيف أقتل.... وكيف أدمر.... وكيف أحتفظ بك.... لكن إن كان هذا المكان يؤذيكِ.... فسأهدمه ..... سأحرق الرايات السوداء...... وأترك الحرب لمن يريدها..... وأتبعكِ إلى نهاية الأرض.....الي نهايه العالم ... فقط... لا تنظري إلي بهذا الفراغ مجدداً..... لا تجعليني أشعر أنني خنقتُ آخر ذرة حياة في الصدر الذي اخترتُ أن أعيش فيه....
أغمضت لينا عينيها ودموعها الحمراء المحتبسة تجمدت على أهدابها..... شعرت بحركة جنينها في هذه اللحظة بالذات..... ركلة خفيفة تزامنت مع نبضات قلب ظلام المتسارعة خلف ظهرها.... طوقها بذراعيه من الخلف واضعاً كفيه الضخمين فوق يديها التي تحتضنان بطنها وكأنه يقفل الدائرة عليهما وعلى مستقبلهما الغامض....استنشق رائحة عنقها للمرة الأخيرة بعمق شديد اخذاً وقت العالم بأسره... كمن يتزود بأنفاس تكفيه لخوض جحيم مهمته القادمة ثم ابتعد ببطء شديد....متراجعاً إلى الوراء دون أن يرفع عينيه عن ظهرها المائل....
ساد الصمت الموحش في الغرفة مجدداً....صمت قاطعه فقط صوت خطوات حذائه العسكري الثقيل وهو يتجه نحو الباب.... فتح الباب بهدوء والتفت ليلقي نظرة أخيرة على سواد عباءتها وزاويتها المقدسة متوقفا عند صوتها قبل أن يغلق الباب خلفه وهي تردف بنبره خافته :لماذا ....ثم توقف لثوان واكملت بهمس: لما لطلما كنت مؤذي الي هذا الحد.....للحد الذي يجعل المغفره ثقيله ومؤلمه... التفتت اليه براسها رامقه اياه باعين حمراء ودمعه انزرفت علي طول وجنتها لترتخي اعين الاخر مميل راسه بحسره وملامح غير مفسره مردف بنبره مختنقه : إني احبك ....وبعضُ الحب ذباحُ
قال هذا ساحباً الباب تاركاً خلفه عطره الحاد..... ووعداً بالرحيل.... ورجلاً مات وعاش في نفس اللحظة لمجرد أنها قالت له لا تذهب...لتخفض لينا راسها جالسه ببطئ ارضا بالزوايه سانده راسها فوق الحائط ويدها تتحسس الخدوش البارزه للايه كأن روحها لازلت تبحث عن طوق نجاه ....تنتظر ....والانتظار في هذه الزاوية كان أشبه بالوقوف على حافة العدم....
تلمست أناملها المرتعشة تلك الخدوش البارزة للآية المحفورة على الجدار.....كانت الحروف قاسية....باردة....وممسوحة بفعل الزمن والوجع..... لكنها كانت التجسيد الوحيد المتبقي لروحها القديمة قبل أن يسحقها ظلام.....كانت تتحسس الكلمات وكأنها تقرأ لغة عمياء......لغة تطالبها بالنجاة في وقت نسيت فيه كيف تتنفس دون خوف.....صوت كلمته الأخيرة لا يزال يدور في زوايا الغرفة.... يرتطم بالجدران ليعود ويستقر في صدرها كخنجر مسموم
ابتلعت غصتها المريرة ودموعها تسيل بصمت جنائزي.....تباً له ولهذا الحب الذي يعتذر بالذبح.... تباً لقلب يرى في تدمير وطنها.... وفي قتل عائلتها.... وفي أسر أنفاسها... حباً.....أي نوع من المخلوقات كان هذا الرجل.... سليل المختبرات.... السلاح البشري الذي لا يرحم.....يبكي عند قدميها ويطلب منها أن تصلحه.... ثم يتركها ممزقة بين رغبتها في النفاذ بجلدها وجنينها وبين جسدها الخائن الذي بدأ يعتاد دفء حصاره....
وضعت كفها فوق بطنها المنتفخ وشعرت بنبضات الجنين الهادئة الآن.....همست له بنبرة واهنة.... خافتة..... لم يسمعها سوى الجدار.....هل سننجو هذه المره أم أننا سنغادر سجن هذا المبنى لنعيش في سجن صدره للأبد!....استندت برأسها تماماً إلى الحائط وأغلقت عينيها الحمراء بتعب يفوق قدرة جسدها الضئيل على احتماله .....كانت رائحة عطره الحادة المخلوطة برائحة البارود والجلد من سترة مهماته لا تزال عالقة في مسام الغرفة.... تذكرها في كل شهيق وزفير بأنه حاضر حتى في غيابه....
مرت الساعات وتحول ضوء الفجر الباهت من أسفل الباب إلى خيوط رمادية باردة تسللت من نوافذ التهويه بالخارج تعلن عن أول أيام الشهر الفضيل.....لكنها كانت لا تزال هناك.....منزوية في زاويتها....لا تتحرك.... ولا تنام.....كانت لينا تنتظر.... تنتظر عودته بنصر جديد يزيد من عتمة عالمها.... أو ربما... تنتظر أن تفي السماء بوعدها.... وتمنحها طوق النجاة الذي طالما بحثت عنه بين حروف تلك الآية الممحاة.....رفعت لينا وجهها نحو سقف الغرفه ولازال راسها يتكيء علي الحائط .....سكوتها ....ودموعها ....وتحسسها للآيه هو ابلغ دعاء صامت صعد الي السماء ....اغمضت عينيها وهي تأخذ شهيق مختنق هامسه بنبره اخيره متوسله وغصه : {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} ...اخذت تكررها بأنفاس مسلوبه ومختنقه وعاليه
هناك لحظة يصل فيها الإنسان إلى ذروة الانكسار .....لحظة يسقط فيها كل أمل في الأسباب البشرية.... فلا وطن يحميها.... ولا عائلة تنجدها.... ولا قوة بجسدها تقاوم بها.... هذا الاستسلام واليأس ليس نهاية المطاف....بل هو بوابة العبور إلى الفرج الإلهي..... الله سبحانه وتعالى لم يحدد دين المضطر أو حاله أو ذنبه.... بل جعل الاضطرار بحد ذاته سبباً كافياً لخرق القوانين الكونية واستجابة الدعاء.... عندما تنقطع الحبال كلها... يتبقى حبل الله ممدوداً....
الفرج يأتي عند قمه الضيق... الاستسلام والافتقار .... في السيرة والقصص الدينيه... لا يأتي النصر والنجاة إلا بعد أن تبلغ القلوب الحناجر ويظن الناس أنهم قد أُحيط بهم.... السيدة هاجر ركضت بين الصفا والمروة حتى أنهكها التعب وتملكها اليأس تماماً من الأسباب البشرية....وفي لحظة استسلامها التام وسكونها....نبع زمزم من تحت قدم طفلها.... الرسول ﷺ وصاحبه في الغار حين أحاط بهم الأعداء من كل جانب وانقطعت السبل.... تنزل الأمان الإلهي {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}.... المعنى الروحي هنا هو أن الله يترك العبد يجرب كل حلوله البشريه حتى يدرك ضعفه التام....فإذا استسلم العبد وقال بلسان حاله ...يا رب ...ليس لي سواك.... انتشله الله بقوته لا بقوة العبد.... من لطائف التفسير القرآني في قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}.... أن اليسر لا يأتي بعد العسر بزمن طويل....بل هو مخبأ معه وفي طياته....الظلمه التي تعيشها الان والنبض الذي يتحرك في احشائها واعتناء ظلام بها كلها بذور لليسر بدأت تنبت في قلب العسر .... الله لا يترك روحاً تعلقت به وبآيات....حتى وإن مُحيت من الجدار.....لن يسمح لها ان تضيع في عتمة سجان....
اليأس والاستسلام ليس نهايه القصه .... هو إعداد روحي.... فالله يرمم قلبها بالخلوة والانكسار ليؤهلها للنجاة القريبة.... فالانطفاء الذي تشعر به الآن هو السكون الذي يسبق الفجر ....والله سينتشلها من هذا المستنقع بطريقة لا تخطر لها على بال..... لأنها أعلنت افتقارها التام له ولم تدعُ أحداً سواه....
نهضت لينا بوهن من فراشها رامقه التقويم المعلق علي الجدار ....مرت خمسه ايام ولم يعد بعد .....اخذت تسير بالغرفه قليلا وهي تمسح علي معدتها اصبحت في شهر والدتها وقد تنجب في اي وقت ....ولا تريد انجابه هنا ....عضت شفتيها متكئه علي الحائط قليلا تاخذ نفس حتي سمعت صوت الباب ....التفتت نحو الساعه لتعقد حاجبيها لم يحن موعد الافطار بعد ...اعتدلت ملتقطه حجابها مرتديه اياه ثم فتحت لتجد فاطمه تقف امامها بملامح هادئه واعين فارغه صفراء حاده ....رمشت لينا بهدوء نحوها ثم التفتت بعينيها نحو حارستين يقفان خلفها لتردف بهدوء: هل استطيع مساعدتك؟
لتظهر ابتسامه ساخره فوق ثغر فاطمه مردفه: الن تدعني للدخول سيده لينا؟
ابتعدت لينا للخلف قليلا وهي تتكئ علي مقبض الباب لتدلف فاطمه وهي ترمق الغرفه وكل زاويه بها بهدوء شديد حتي وقعت عينيها نحو غتره ظلام المعلقه جانباً بجوار خمار لينا الاسود لتلعق الاخري شفتيها السفلي وكانها تقاوم شيئا ثم التفتت بهدوء : معه حق بأخذك والرحيل من هنا ....المكان مقيت وخانق ...كيف تحملت الامر لاكثر من عام ....
رمقتها لينا دون اجابه كانت جميله للغايه ذكيه وواثقه علي عكسها الان تماما باهته وفارغه ومع ذلك لازال ظلام متمسك بلينا وكأنها انفاسه ....التفتت لينا نحو الحارسات حينما دلفوا الي الغرفه لتردف فاطمه بابتسامه صفراء غريبه : ظلام امرنا باخذك وارسالك اليه لانه لا يستطيع في هذه اللحظه الراهنه لهذا اذهبي معهم سيأخذونك الي السياره ....عقدت لينا حاجبيها ثم التفتت الي الحارسه التي امسكت معصمها لتسحبه لينا مردفه بهدوء ونبره مرتجفه قليلا : لا اريد ....سانتظره هنا ريثما يأتي بنفسه....
اتسعت ابتسامه فاطمه مردفه : الا تثقين بي ....انا ايضا زوجته ...وقد اخبرني بالفعل انه ينوي الذهاب والرحيل ....لذا اذهبي معهم الا تريدين ذلك بالفعل
لم تجيبها لينا فقط اشارت الي باب الغرفه بهدوء هامسه : من فضلك غادري
رمقتها فاطمه مطولا بصمت ثم ارتخت عينيها بملل مشيره للحارسات ليمسكوا لينا من كلا ذراعيها وهي تحاول سحب نفسها ومقاومتهم لتتوقف حينما اعتصرت فاطمه فكها بأظافرها مردفه بنبره سامه وسوداء : للأسف لينا.... لم تعودي في موقف يسمح لكي بالاختيار.... تظنين أنكي مميزة؟ تظنين أنكي مقدسة لمجرد أن هوسه جعله يرى في ذبولكي وطناً؟.... إنه يرتكب حماقة ستقضي على الخالدون جميعاً لأجلك....وأنا لن أسمح لامرأة باهتة مكسورة ومقززه مثلك أن تهدم مجداً بنيناه بالدم.... أرخت فاطمة قبضتها عن فك لينا بقسوة ودفعت رأسها جانباً مقللة من شأنها....ثم التفتت نحو الحارسات وأمرت بصوت حاد :خذوها.. إن قاومت... لا تهتموا لأمرها.... فقط حافظوا على الجنين حياً.. هذا كل ما يهم....
انقبضت أحشاء لينا بذعر حقيقي وشعرت بركلة عنيفة من جنينها أسفل أحشائها وكأنه يستشعر الخطر المحيط بهما.... أحكمت الحارسات قبضتهم على ذراعيها الناعمين وبدأتا بسحبها بوهن قسري نحو الممر البارد خارج الغرفة....كانت لينا تحاول جاهدة التمسك بمقبض الباب....بأطراف السجاد....بأي شيء يربطها بغرفتها....بزاويتها....بوعد ظلام لها بأن ينتشلها بنفسه.... التفتت برأسها نحو الغرفة وهي تُسحب للخارج ....وقعت عيناها على غترة ظلام المعلقة وعلى التقويم الجداري الذي توقف عند اليوم الخامس.... صرخت صرخة مكتومة....صرخة ضعف طالما حبستها في
صدرها.... لكن صوتها خرج مبحوح ومختنق:
أفلتنني..... ظلام لن يغفر لك إن مسستني بسوء....سيقتلك ....دعني وشأني ...ضحكت فاطمة ضحكة خافتة ومرعبة وهي تسير خلفهم في الممر مردفة بهدوء وسوداوية:
ظلام الآن غارق في دماء مهمته يا صغيرة....وحتى إن عاد وقطع رقابنا جميعاً... ستكونين أنت وجنينك مجرد ذكرى في قاع هذا الرواق المظلم.... سارت لينا مجبرة ....حافية القدمين فوق بلاط الممر البارد الذي بدأ يسلبها حرارة جسدها.... يدها الحرة استقرت فوق بطنها المنتفخ تحميه بغريزة أُم ....التفتت حولها باحثه عن اي شخص لكن لا احد والحارسه تسحبها واضعه يدها علي فمها حتي اخرجوها من مكان سري لتشهق حينما وجدت سياره مصفحه سوداء عاليه اشبه بسياره السجن الخاصه بالترحيلات ورجال مخيفه تقف وتنتظرهم لتهز لينا رأسها والحارسات يدفعنها نحو الرجال الذين امسكوها وقيدو يدها بسرعه وما ان افلتت الحارسه فمها صرخت لينا بأعلي صوتها :ظلام ...لتشهق حينما وضعوا كيس قماشي اسود فوق رأسها حاملين اياها نحو السياره وفاطمه تبتسم نحوهم بفراغ وملامح مظلمه
******
#يتبع باذن الله
#ورده_عبدالله
سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك ربي واتوب اليك
بخصوص الصور المتداوله داخل القصه تم صنعها جميعا وملكيتها تعود للروايه ولي شخصياً لذا لا يسمح بتداولها بأي قصص اخري لكن الاحتفاظ بها مسموح دون حذف حقوق الملكيه او توقيعي رجاء🎀
كيف كان البارت؟
اذا سيء طبلولي بليز لان متردده وانا انشره✨🥲
Love U موت❤️
تعليقات
إرسال تعليق