رماد

ch|16


كيف مات يوريان ولماذا ...هذا السؤال لازال يراودني في كل ثانيه في عقلي دون توقف...لازلت انظر لتلك الغرفه ....لازلت انتظر خروجه ليخبرني تانيا ....هل خفتي ان افارقكك...انا هنا ...اتيت اليك ...لساعات لم تبتعد عينيها ولو قليلاً خشيه ان تهرب روحه دون ان تراها ....جفلت حينما رأت الباب يفتح لتنهض بسرعه وهي تعتصر رسالته وورقه زواجهم بين قلادتها واقفه امام الطبيب : اريد رؤيته

همست بنبره مرتعشه رامقه الطبيب بتوسل ...كان طبيب مثلها لكن متخصص بالطب الشرعي والتشريح وتم تعيينه كقائد بمهمات خاصه بجانب مهنته رمقها مطولاً ثم اردف بهدوء: اعتذر منك القائد يوريان كان احد الاسلحه المهمه هنا ليس مسموح لاحد برؤيه جسمانه او انتهاك حُرمه جسده بناء علي تعليمات القائد الاعلي أنسه أورفا ....لتردف تانيا هازه رأسها :انا زوجته ....وطبيبه ...ولدي الحق الكامل لاعرف كيف مات زوجي....من طبيب لطبيب سيدي ...ارجو ان تسدي لي هذه الخدمه

كانت تتحدث بنبره مرتجفه ومختنقه عينيها متورمه وكأنها لم تنم طوال الليل ليؤمي الاخر متنهد بحزن ثم رمق الرواق والتفت نحو الغرفه ...وقفت تانيا امام الباب بتردد ثم اغمضت عينيها ودلفت دون ان تتنفس ليستقر امامها جسده فوق الطاوله المعدنيه البارده عاري ومغطي نصف جسده بغطاء ابيض ...اجتاحت الغصه قلبها وارتجفت يدها وهي تتقدم ببطيء نحوه حتي استقرت امامه ...كان جميل ...اقسم لطلما كان جميلاً ....جسده وهيئته لا توحي انه رجل ميت ...بل بدا نائماً لا يريد الاستيقاظ ابدا....وقفت امامه واضعه يدها علي يده البارده والمتخشبه لتسري قشعريره في جسدها ...هذه اليد التي كادت تعتاد دفئها....عضت شفتيها والطبيب يقف بالجهه الاخري لسرير التشريح المعدني مقابلها مردف بهدوء شديد : كتبت بالتقرير ان سبب الوفاه يكون .....

توقفت الكلمات عند شفتي الطبيب وارتجف الهواء البارد في الغرفة بينما كانت تانيا تنتظر النطق بالحكم الأخير على قلبها وعينيها تتفحص كل أثر في جسده حصل عليه منذ طفولته ...لا يوجد مكان لا يوجد به أثر لطعنه او طلقه وكأن جسده يشهد علي الحروب والمعارك الذي خاضها منذ طفولته..... رمقها الطبيب بنظرة حزينة ثم أنزل عينيه نحو الجسد الممدد وأردف بهدوء شديد :كتبتُ بالتقرير أن سبب الوفاة.. سكتة قلبية مفاجئة جراء جلطة حادة داهمته أثناء نومه....هذا هو التوصيف الورقي الذي سينتقل للملفات الرسمية ... لكننا كأطباء ...نعلم أن قشرة السطح لا تقول كل شيء...جلست تانيا القرفصاء ببطيء امام جسده ممسكه يده ووجهها مقابل وجه يوريان الشاحب والساكن ثم رفعت عينيها الخضراء المتلألئة نحو الطبيب حينما صمت لبرهه وكأنه يستجمع شجاعته علي قول شيء لا ينبغي قوله : سمعت من العساكر الذين يعملون تحت يده انه بدا مضطرب ومهزوز اخبروني عن مهمته الاخيره قبل ساعات من موته واستطيع ان اخبرك ان يوريان لم يمت لأن قلبه توقف فحسب بل مات لأن روحه رفضت أن تتنفس في عالم استيقظ فيه على حقيقة مرعبة....الصدمة النفسية الحادة التي تعرض لها بعد مهمته الأخيرة حين اكتشف أن الوهم الذي عاشه قد انفتح عن مأساة أحدثت ما نسميه طبياً وعلمياً ...الأذى الأخلاقي الحاد - Acute Moral Injury.... لقد تحطمت داخله المنظومة التي كان يستند إليها بالكامل ولم يحتمل جسده حجم الخزي والخجل الذي شعر به....امالت تانيا رأسها بحسره امامه ومدت يده المرتجفه تداعب خصلات شعره وهي تهمس بغصه:اتصل بي ...كان صوته متعب مهزوز وكأنه رأي كابوس سيء ...اخبرني انه سيأتي لما لم يفعل

أشاح الطبيب بوجهه قليلاً نحو النافذة المغلقة  يغالب غصة في حلقه لانه علي معرفه وثيقه بيوريان جميع الخالدون يعرفون يوريان والخبر كان صادماً ومفجع لهم خاصهً بهذه الايام الاخيره حارب طوال حياته ليري وطن افضل وحينما اوشكت الحرب علي الانتهاء مات قبلها ....

مسح الطبيب لحيته وعنقه وكأنه يحاول ابعاد الخنقه مردف : لم يأتي لانه في ساعاته الأخيرة...حين انزوي إلى فراشه... لم يكن ينام.. بل كان يهرب....لكن القهر الشديد والندم الذي اعتصر قطرات دمه فجر في جسده فجاه هرمونات التوتر... الأدرينالين والكورتيزول...ارتفع ضغط دمه لمستويات جنونية وانقبضت شرايينه التاجية بعنف بالتأكيد تعرفين ماذا اعني ايتها الطبيبه ....يوريان كأنما كان عقله الباطن يجلده دون توقف وهو مستسلم تماماً.... لقد انكسر قلبه حرفياً من شدة القهر والخزي حتى تجمعت الدماء في شرايينه قبل أن تتوقف المضخة... نام بجسده...بالتأكيد سمعت يوماً عن متلازمة القلب المنكسر وقد تعرض لها يوريان... عندما عاد إلى فراشه لم يكن ينام بل كان يحاول الاختباء من عيون الأطفال التي تطارده في الظلام... في تلك الساعات الصامتة اجتمع عليه القهر... والذنب... ومرارة الخديعة... والأهم من ذلك كله... الخجل الهائل من الله...

تنهد الطبيب رامقاً يوريان بأسي وملامحه المطفئه ثم اردف بنبره خافته : انا اعلم يوريان انه رجل صالح دوماً يسأل نفسه هل انا علي صواب ام خطأ....إذا أردنا الحقيقة الشاملة... فهذا الرجل لم يمت لأن قلبه توقف...بل مات لأن روحه رفضت أن تتنفس في عالم هو قاتل فيه...

ارتعشت شفتي تانيا وهي تسند رأسها علي جانب وجهه ودموعها تسيل ببطيء والطبيب يردف بحسره: قد يبدو غريب ماسأقوله لك سيده تانيا ...انا قضيت سنوات هنا .... يوريان لم يكن مجرماً بالولادة.... المجرمون التقليديون يملكون جلوداً سميكة وضمائر ميتة تحميهم من الندم....مشكله يوريان الكبرى أنه كان يملك ضميراً حياً... لكنه كان مغيب....يعيش تحت تخدير غسيل الأدمغة ....كان يصلي... يبحث عن عين الحق... ويظن أن فوهات سلاحه ترسم طريقاً لوطن أفضل وعقيدة أسمى...لكن....في اللحظة التي تطاير فيها الدخان بعد ذلك الانفجار ورأى أشلاء الأطفال في ذلك الملجأ حسب قولهم..... حدث ما نسميه في علم النفس والطب النفسي الأذى الأخلاقي الحاد... لقد تحطمت المرآة التي يرى فيها نفسه كبطل ليرى فجأة وجه وحش....اشار الطبيب الي عقله مكمل وكأنه يفسر السبب المنطقي لما حدث : الصدمة هنا لم تكن في عقله فقط....بل زلزلت كيانه البيولوجي بالكامل...يوريان كان لديه ضمير لكنه كان مخدراً .....المأساة تكمن في أن هذا الضمير المستيقظ هو نفسه السلاح الذي قتله في النهاية....لو كان مجرم سيكوباتي لما اهتز... لكنه كان إنسان مضللاً.... عندما رحل الضباب ورأى الحقيقة ...لم يتحمل فكرة الوقوف بين يدي الله بتلك الدماء.... هذا الخجل والقهر شكل ضغطاً نفسياً يفوق طاقة الجسد البشري على التحمل...وبالتالي انتهي امره بأزمه قلبيه حاده من شده الحزن والندم

اخذت تانيا تمسد وجهها في وجنته حتي بللت دموعها وجههم ويدها تمسد يدها البارده وكأنها تحاول استعاده دفئها التي كانت تشعر به ...الغصه كانت تخنقها ....تخنقها بشده .... الموت لا ينتظر أحداً ليرتب أوراقه... الموت لا يأتي بإنذار مسبق....ولا يمنح الإنسان مهلة لينهي مشهد التوبة بالطريقة السينمائية التي يشتهيها.... لقد أدرك الحقيقة...شعر بالندم....لكن الموت عاجلهُ قبل أن يترجم هذا الندم إلى أفعال تصحيحية في الدنيا...وهم سأتوب غداً.... الذي يظل يستغل الفرص...يؤجل العودة.... ويقول ما زال في العمر بقية لأصحح مساري....سأصلي غدا ....سأصلح نفسي غدا ....سأتوب غداً ...وهو لا يعلم انه قد يموت غداً ....يوريان  كان يتساءل دائماً أنا على حق أم باطل ويظن دوماً انه يفعل الصواب و استمر في الطريق ولم يتوقف لتتبين الحقيقة إلا بعد فوات الأوان... تأجيل الحسم في المصير الروحي والأخلاقي هو المخاطرة الأكبر...النيات الطيبة لا تشفع للأفعال الكارثية...والفرص الضائعة قد تكون هي الفرصة الأخيرة....

سريره لم يكن مكاناً للراحة....بل كان ساحة إعدام صامتة....نام هرباً من عيون الأطفال التي تلاحقه.... واستيقظ في مكان لا مجال فيه للهرب.....مات مغصوباً بالقهر... ليترك خلفه جثته كشاهد على أن القطار إذا تحرك.... لا ينتظر المتأخرين عن التوبة....

الموت لا يطرق الأبواب ليستأذن....ولا ينتظر أحداً حتى يكمل كتابة سطر توبته الأخير.... لقد داهمه وهو في أولى عتبات الندم.... ليتركه معلقاً بين ذنب كالجبال وتوبة لم يتسع لها الوقت لتتحول إلى عمل....مات ليثبت لنا أن النوايا الطيبة لا تمحو كوارث الأفعال....وأن قطار الفرص إذا فات... لن تجد خلفه سوى جدار الموت البارد.... حتى لو كان يوريان طيب النية....وحتى لو كان يبحث عن الحق ويصلي... فإن النيه الطيبة لا تصلح العمل الفاسد....والجهل أو غسيل الدماغ ليس عذراً كافياً للنجاة من العاقبة....كل شخص قد يستعطف مجرماً فقط لانه فكر بالتوبه لا يعني انه لم يكن ضحيةً بالكامل... بل كان شريكاً في الجريمة بصمته وكتابه تبريرات له ...

كانت تانيا تهمس بهذه الكلمات المريرة في سكون الغرفة ودموعها تسيل لتسقي وجنة يوريان الباردة وكأنها تحاول إيقاظ روح اختارت الرحيل هرباً من بشاعة ما اقترفت يداها.... كل شخص قد يستعطف مجرم فقط لأنه فكر بالتوبة.... لا يعني أنه قد نجا من الحساب....ولا يعني أن ذنبه قد سقط....التفكير في التوبة ليس توبة كامله...والندم المتأخر جداً لا يعيد الأرواح التي أُزهقت....ولا الشمل الذي تشتت ...ولا الدموع التي ذُرفت ...لقد مات يوريان ليكون درساً حياً لكل من يظن أن النوايا الطيبة تكفي لتغطية بشاعتهم....

انسحب الطبيب الشرعي ببطء تاركاً الغرفة الصامتة لتانيا التي بقيت وحدها في مواجهة الموت العاري.... كان صوت إغلاق الباب المعدني وراءه أشبه بوقع المطرقة التي أعلنت نهاية فصل كامل من حياتها....نظرت إلى ورقة زواجها المكمشة بين أصابعها ثم إلى رسالة يوريان الأخيرة.... وأخيراً إلى وجهه الساكن الذي غسلته بدموعها.... شعرت بعبثية مروعة تجتاح كيانها....كل خططهم... أحلامهم المؤجلة...وتفاصيل غدهم الذي رتبوه معاً تحولت في ثانية واحدة إلى لا شيء أمام الموت ....

نهضت تانيا وتراجعت خطوتين إلى الوراء وأسندت ظهرها إلى جدار الغرفة وهي تتنفس ببطيء وشيء يكتم صدرها.... لم تكن تانيا امرأة ملحدة... لطالما كان إيمانها بالمسيح كرب وخالق يحكم قلبها.... ولطالما آمنت باليوم الآخر والحساب.... لكن جثة يوريان اليوم لم تكن مجرد جثة ... بل كانت إنذاراً حياً زلزل إيمانها بالكامل.... التفتت نحو النافذة الصغيرة ورمقت السماء الرمادية عبر الزجاج....داهمها شعور غريب و حاد... شعور غريب  لم تشعر به من قبل...وانطلق من أعماقها سؤال للمره الاولي خطر علي بالها....ماذا لو كان غدي كغده؟ ماذا لو باغتني الموت الليلة وأنا لم أصل للحقيقة كاملة....وضعت يدها علي صدرها واخذت تفركه باختناق....رمقت يوريان ثم التفتت رامقه  بخضراوتيها نحو السماء ولم تعد ترى سوى الله.. الواحد...المطلق... المهيمن فوق الموت والحياة....  ثم همست بنبرة ترتجف كالخائف الذي يبحث عن طوق نجاة قبل الغرق : يا رب.. يوريان ضاع مني ... وظل يستغل الفرص حتى أغلق الموت خلفه الباب....اخي ...عائلتي....حياتي .... أنا لن أنتظر غداً لأعرف الحق..انا لن أقامر بروحي... يا رب دلّني عليك....أريد الطريق الذي لا مداهنة فيه....الطريق الذي يحاسب فيه القاتل بنواياه وأفعاله.... ولا تضيع فيه دماء الأبرياء.... أريد النجاة قبل فوات الأوان والانتقام لنفسي....اخفضت تانيا رأسها فوق ركبتيها محتضنه نفسها وهي تبكي بشهقات متتاليه ...متعبه ...متعبه بشده ...فجأه شعرت انها خسرت كل شيء ...تائهه ووحيده ....رفعت تانيا وجهها نحو الباب وهو يفتح ليدلف الزعيم مورسال وخلفه عده سيدات لتنهض تانيا واقفه بهدوء والحارسات يقتربن والاخر يردف بهدوء وملامح ساكنه غير مكترثه: كنا سعداء بالعمل معك سيده تانيا....

قالها ثم تقدم نحو يوريان والحارسات اقتربوا منها مقيدين اياها وهي تدفعهم وترمق جثه يوريان للمره الاخيره بقهر وهم يسحبونها نحو الخارج كمجرمه ....اخذوها نحو غرفتها الصغيره دفعوها داخلها واغلقوا الباب عليها ....جلست بهدوء شديد وهي ترمق الحائط الرمادي امامها بهدوء وملامح فارغه ثم انحنت اسفل الفراش نائمه ثم رفعت ساقها وسحبت سكين من حذاءها العسكري ومدت جسدها اسفل الفراش ومزقت المرتبة القطنية بعنف  ويدها ترتجف ... شقت القماش الأبيض لتظهر في جوفها القطع المعدنية الباردة التي جمعتها بعناية على مدى أشهر.... كانت تلك الأسلحة التي تسرقها خلسة من المخازن... مستغلة صفتها العسكريه معهم كأحد الجنود ودخولها المتكرر دون رقابة شديدة

أخرجت قطع السلاح قطعة تلو الأخرى ورتبتها على الأرضية الباردة أسفل الفراش بملامح فارغة وساكنه.... مورسال لم يقيد يديها فقط... بل قيد آخر أمل لها في وداع يوريان وسحبها كمجرمة أمام جثة الرجل الذي حوله هو ومنظومته إلى رماد...الرجل الذي كادت تنسي به انتقامها ومستعده لترك كل شيء وترك مورسال نفسه لكن مورسال لم يعطي لنفسه فرصه لينجو منها

جلست على الأرض وجسدها مخفي تماماً في العتمة أسفل السرير وأخذت تركب أجزاء السلاح باتقان وخبرة طبيبة تعرف أين تضع يدها....كل نقرة معدنية كانت كنبضة قلب جديدة تولد في صدرها....نظرت إلى قطع القماش الممزقة وقلبها يحترق ثم أخرجت ورقة زواجها ورسالة يوريان المكمشة ووضعتها داخل جيبها العسكري القريب من قلبها.....مسحت دمعة وحيدة فرت من عينيها الخضراء رغماً عنها واستبدلتها بملامح ميته

لم تكن تفكر بالهرب ...فالهرب ليس لها .....ولن تسمح بأن يأخذها مورسال إلى ساحة الإعدام دون أن تأخذ ثأرها أولاً.... أمسكت بسلاحها ووضعت حزام السلاح الاخر حول رقبتها للخلف جالسه ارضاً بساقين مقوسين وتتكئ بذراعيها علي ركبتيها وسلاحها بمنتصفهم مركبه كاتم الصوت ثم تنفست ببطء شديد وهي تستمع إلى خطوات الحراس في الرواق الخارجي....يومين سيتركوها ليومين تموت عطشاً وجوعاً وتُذل انفاسها وبعدها يأخذوها للاعدام وحينها ستكون هي اعدامهم



******

فتحت لينا عينيها ببطيء وتعب شديد وهي تسمع صوت بكاء الصغير فوق صدرها ....ارتجفت شفتيها من شده الالم بسبب انفها والصداع الحاد الذي داهمها كأن مسامير من حديد تُدق داخل جمجمتها....تمنت لو أن الغيبوبة ابتلعتها مجدداً لكن صوت البكاء المستمر فوق صدرها كان يشد وعيها إلى الواقع بقسوة لا ترحم...

مدت يدها المرتجفة والمتخشبة من شدة البرودة وتحسست جسد الصغير الذي كان يرتعش فوق جلدها العاري تحت العباءة... لم يكن يبكي بصوت عالي بل كان يئن... أنين جاف ومخنوق بسبب الجوع والرطوبة التي نفذت إلى عظام الصغير في هذا التابوت الإسمنتي...

حاولت لينا أن تتحرك أو تعدل جلستها لكن جدران القبر الضيقة ارتطمت بكتفها فشهقت بوجع مرير عاضه شفتيها و مسحت بأصابعها الملطخة بالدماء الجافة على وجه الطفل في الظلام الدامس محاولة إسكاته أو طمأنته لكن دموعها الساخنة هربت من عينيها الحمراء لتسقط فوق جبينه الصغير ...عقلها كان مشوشاً مرهق وحلقها جاف من الصياح .... ابتلعت ريقها الجاف الذي كان بطعم الدم المتخثر من أنفها وهمست بنبرة مبحوحة واهنة بالكاد خرجت من حنجرتها الممزقة: اشش ..حبيبي..انا هنا ...ومع كل شهقة وهن يصدرها الطفل كان الصداع يمزق رأسها أكثر والبرودة الزاحفة من أرضية القبر تخبرها أن الوقت يمر وأنها محبوسة هنا مع ابنها بين الموت والحياة دون أن تدري إن كان هناك من يعلم بوجودهما في هذا القاع الأسود ام لا ....انتبهت لينا فجأه فاتحه عينيها ثم رمشت وكأن غريزة غائبة انتفضت داخل أحشائها المرتجفة مع صوت أنينه الجاف متذكره انه لربما يكون جائعاً... تلمست جسده الصغير الدافئ في الظلام ووعيها يصارع الحمى والصداع الحاد...بيدين ترتعش وبحذر شديد داخل هذا الحيز الضيق الذي يكاد يطبق على أنفاسها رفعت الصغير ببطء نحو صدرها متحسسه وجهه الصغير بحنان ورجفه وحاولت إلقامه ثديها لتُرضعه...في البداية غرزت أظافرها في كفها من شدة ألم الانقباضات الارتدادية في رحمها التي تزامنت مع محاولة الإرضاع بجانب أنفها المكسور الذي كان ينبض بالوجع مع كل حركة... التقط الصغير صدرها بضعف وبدأ يرتشف قطرات اللبن الأولى بجهد وصعوبة ويصدر اصوات خافته وسط العتمة لتسري قشعريره وشعور غريب من ملمس شفتيه الناعمه علي جلدها ...

ذلك الشعور التي اخبرتها به والدتها من قبل ...كيف تكون اول رشفه لصغيرها لا تنسي وذكري لا تنسي ...شعور جميل ودافئ لتبتسم بأعين دامعه وهي تسمع صوت انفاسه وهو يرضع بلطف شديد تمنت لو تراه وترمقه لتأخذه الي حضنها أكثر بلهفه ورعشه ودموعها تسيل بحب مع كل رشفه وغصه تجتاح صدرها .... غطت وجهه الصغير بكفها المرتجفة التي لا تزال تحمل سوار مايل في معصمها وانهمرت دموعها الساخنة صامتة فوق جبينه ....كانت خائفه ...خائفه عليه بشده .... الطفل ينتمي دائماً إلى أول بقعة تمنحه الأكسجين.....والآن... رئتيه الصغيره ممتلئه برطوبة القبر وعفن الجثث بالخارج....لقد شرب المكان قبل أن يشرب حليبي..... فتح عينه الصغيرة في ظلمة مطلقة ...لم تحضنه أمه على فراش دافئ... ولم يسمع تهويدة براءة او صوت الاذان.... بل كانت أولى أنفاسه محملة برائحة الموت والتراب والرطوبة.... ولد الطفل بخير كجسد لكنه وُلد محملاً بلعنة المقبرة السوداء..... عاجزة حتى عن قطع حبله السري بأداة معقمة....تخشي ان يؤثر ذلك علي نفسيته فتح عينه في الظلمة لم تصدم شبكيته أضواء المستشفى المعقمة بل استقبلت حواسه البدائية رائحة التراب والعفن كمعيار أول للحياة.... بالنسبة له هذا الجحيم الضيق ليس احتجازاً... بل هو الوطن والمحيط الطبيعي الذي ينتمي إليه لأن وعيه البشري بدأ من هنا...



:افتحوا الباب اللعين ايها الحثاله ...صرخت عدن بذلك وهي تضرب الباب الحديدي بقوه بكلا يديها وصوته يصدع بالممر كصراخ اشباح داخل مقبره لا احد ينصت.. لا احد يسمع ...ثم احتضنت خصرها بذراعيها بألم شنيع واندفعت بثقلها بالباب تضربه بكتفها وتصرخ وغدي تبكي ارضاً ودور صافي تحاول سحبها وتضرب هي الاخري الباب ....لساعتين لم يجيهم احد او حتي اكترث لوجودهم ....بكت غدي اكثر وهي تخبر والدتها انها السبب لكن دور صافي اخذت تمسح دموعها وتخبرها انها ستكون بخير وقلبها يعتصر ألماً علي المسكينه ....التفتت نحو الباب حينما سمعوا صوت القفل من الخارج لتلتفت عدن بلهفه متقدمه نحو الباب بسرعه لتشهق بصراخ حينما ركلها احدهم بقدمه في معدتها لتندفع ارضاً بقوه لتتوسع اعين دور صافي وثلاثه رجال يدلفون عليهم ناهضه بسرعه وغفران انزوت علي نفسها بالحائط مخبئه وجهها وعدن التي زحفت وهي تصرخ بألم شديد وتمسك معدتها ووجهها أحمر والرجال انهمروا بالسوط فوقهم دون سؤال او كلمه ....كانت دور صافي تغطي طفلتها بينما عدن تكورت حول نفسها والرجال يضربوهم ويركلونهم بأحذيتهم وينعتوهم بأبشع الصفات القذره حتي اصبحوا مجرد جثث تتنفس ثم ابتعدوا وخرجوا من الغرفه ....

اخذت عدن تتنفس بصعوبه وهي تحتضن نفسها ...لم تكن سوى دقائق معدودة قبل أن يعود الصمت وتلاشت خطوات الحراس وأصوات ضحكاتهم الحقيرة في الممر ...كانت الزنزانة أشبه بساحة معركة انتهت لتوها بسحق الضحايا.... غفران كانت جالسه في أقصى الزاوية جسدها يرتعش بارتجاجات متتالية كمن يمر بنوبة صرع واضعة كفيها فوق أذنيها لتسد الطريق أمام أصوات الضرب التي لا تزال تصدح في عقلها الباطن.....بينما انكمشت دور صافي فوق غدي تحيط بجسد طفلتها الصغير و أنفاسها تخرج متقطعة  بشهقات مكتومة وهي تشعر بلسعات السوط  واحزمتهم الجلديه تلتهم ظهرها وكتفيها لكنها لم تكترث بوجعها بل وضعت رأسها في عنق غدي هامسة برعب: غدي... هل أنت بخير؟ هل أصابك شيء يا روحي؟...حبيبتي اجيبني...

لم تجبها الصغيره كانت غدي مغيبة في نوبة بكاء صامت دموعها تسيل وجسدها النحيل يتنفض برعشه وعدن كانت تتلوى ببطء شديد على الأرضية الباردة متكورة حول معدتها التي تلقت الركلة التي كانت أكثر ألم من أثر السوط ... كان وجهها شاحب بلون الموت وعيناها محتقنتين بالدم وهي تحدق في الفراغ بذهول صادم.... لم تبكي... ولم تصرخ.... فالألم الذي يمزق أحشاءها أخرس حنجرتها تماماً....زحفت ببطء تجر قدمها المتعبه خلفها حتى أسندت ظهرها الممزق إلى الحائط الأسود واضعة يدها المرتجفة فوق كبدها ومعدتها تشعر بنبضات قلبها تضرب بعنف في موضع الركلة هامسه بحقد :ابن العاهره .... تنحنحت عدن بقهر فخرجت من فمها بصقة ممزوجة بالدم الحار لتلتفت بعينيها المجهده نحو دور صافي وغدي ثم غفران التي كانت تنتفض كإحدي نوباتها لتقول عدن بنبرة مبحوحة واهنة وحاقده : الكلب اللعين ....اغمضت عينيها سانده رأسها علي الحائط....كانت تعلم انه خلف ذلك ....خلف عذابي طوال الوقت ....كل هذا كي يعاقبني ...فالاوغاد اذا دخلوا غرفه لا يتركون نسائها دون اغتصابهم ....وبما انهم اكتفوا بالضرب اذا وغدها أمرهم بذلك ...كي تذهب له ذليله تتوسل حمايته مقابل ان تبقي عاهرته الي الابد...ان تصرخ له بمتعه وتخبره انها تحبه ...الكلب ابن العاريه احب كلب اجرب ولا احبه ....يريد اذلالي وكأني لا اعرف انه خلف ذلك ....

عضت عدن شفتيها وهي تنتفض برعشه من شده الالم ...لم يتحركوا ولم تعد تعلم هذا وقت فطور ام سحور....فقط اغمضت عينيها وكل نفس تأخذه كان اثقل من روحها ..... حاولت دور صافي أن تنهض على ركبتيها لكن جسدها خانها لتسقط مجدداً بجانب طفلتها متنهدة بتعب شديد وهي تنظر إلى السقف الخرساني القريب.... في تلك اللحظات ساد هدوء مريب هدوء لم يقطعه سوى أنفاسهن المتسارعة والمجهدة حتي هم لم يبكوا او يصدروا رده فعل وكأنهم اعتادوا علي ذلك ....لا تعلم عدن كم مر من الوقت كانت شبه فاقده لوعيها ....تسللت قشعريرة باردة اخترقت جلدها المدمى حين شعرت بأصابع صلبة بطيئة وتملكها برود مرعب تتحسس خط الندبة الممتد على وجهها... تتبع تفاصيل الجرح ببطء سادي ثم ارتفعت لتتغلغل بين خصلات شعرها القصير تمسدها بهدوء شديد يحمل من التهديد أكثر مما يحمل من المواساة...بالبدايه كانت لتظن انها غدي لكنها استطاعت تمييز رائحته المسمومه التي تخنقها ...فتحت عينيها بهدوء شديد لتلتقي بخاصته كان يجلس القرفصاء أمام جسدها المتكور على الأرضية المتسخة...عريضاً.... ضخماً.... كشيطان يتربع فوق أنقاض ضحيته.....بدلته العسكرية الأنيقة تتناقض بصورة مرعبة مع قذارة الزنزانة ...وعيناه... تلك الأعين المظلمه ... كانت ترمقها بنظرة غريبه متملكه مخيفه وبارده ..وكأنه يتأمل لوحة رسمها بعناية من دماء وجروح جسدها.... لم يتحرك....ولم ينبث ببنت شفة... فقط بقي يحدق في أعماق عينيها المكسوره وأصابعه لا تزال تحتجز خصلات شعرها بين أنامله الطويله يشدها بخفة تكفي لتذكيرها بأنه يملك أنفاسها ويملك هذا الألم الشنيع الذي يعتصر معدتها ويملك قاع العالم الذي قبعت فيه....ابتلعت غصتها وابهامه يتسلل ممسد شفتيها الجافه ببطء شديد وبحركة دائرية متملكة وكأنه يمسح بقايا الدماء وشهقاتها التي غادرت فمها قبل قليل...تلك اللمسة البطيئة لم تكن حنونة بل كانت مشحونة بنوع من الهيمنة المظلمة... نوع من السيطرة التي تجعل الضحية تشعر بضآلتها أمام جلادها....كان إبهامه يضغط بقسوة خفيفة علي شفتيها المرتجفة بينما كانت عينيه الحاده ترمقها بتركيز مخيف وكأنه يقرأ من خلالهما مدى انكسارها وقهرها...كل إنش في جسدها كان يصرخ بالرفض ومعدتها المصابة تنبض بالألم مع كل نَفَس تلتقطه لكن حواسها كانت مأخوذة بالكامل بهالة الرعب المحيطة به....

لم يتحدث... ولم يبرر وجوده أو السوط الذي نهش جسدها قبل ساعات....فصمته كان أبلغ عقاب وإبهامه الذي يتحرك فوق شفتيها كان يهمس لها بحقيقة واحدة في عتمة هذه المقبرة....أنه يملك جسدها... ويملك صمتها... ويملك حتى الأنفاس التي تحاول حبسها في صدرها....

مدت عدن يدها المرتجفة والمبللة بالعرق البارد ورفعتها ببطء لتمسك بأصابعها النحيلة يده الكبيرة والخشنة....اعتصرت يده بقوة برعشة عنيفة ومشاعر متضاربة.... لم يكن مجرد تمسك....بل كان غرق ومقاومة....محاولة مستميتة منها لإيقاف حركة إبهامه السادية فوق شفتيها أو ربما لايجاد أمان مفقود من الشخص الذى يسلبها إياه....تصلبت أصابعه لثانية واحدة تحت قبضتها المرتجفة لكنه لم يتراجع.....بقيت عينيه المظلمه تراقب حركتها ببرود شديد بينما كان دفء كفه الضخمة يتسلل إلى عظام يدها الباردة....ورغم الألم الشنيع الذي كان ينهش معدتها من ركلة رجاله ورغم كبريائها الذي يصرخ بداخلها لتدفعه بعيداً عنها إلا أن لمسته كانت في تلك اللحظة القاسية بمثابة المرساة الوحيدة في وسط طوفان الجحيم المحيط بها....ومصالحها الان اهم من كبريائها... اعتصرت يده أكثر وهي تبتلع دموع القهر ...عينيها ترمق خاصته في عتمة الغرفة بقهر وكأنها تسأله بقبضتها المرتجفة عن الحد الذي ستصل إليه ساديته وإلى أي قاع ينوي سحب روحها معه....ليبتسم لها تلك الابتسامه السوداء ... ابتسامة باردة شقت زاوية فمه لم تصل إلى عينيه المطفأه التي بقيت تحدق في عينيها بجمود ...كانت ابتسامة انتصار وتملك وكأنه يرى في رجفة يدها التي تعتصر كفه اعتراف مكبوت بهزيمتها أمام طغيانه....وانه يمكن ان يفعل اشياء مروعه اكثر ليصل لها ويجبرها علي الخضوع له

أمال رأسه قليلاً إلى الجانب وملمس أصابعها الضعيفة حول يده يبدو أنه راق لغروره المظلم.... انخفض بظله الثقيل أكثر نحوها ليصبح وجهه على مسافة إنشات قليلة من وجهها المنهك حتى شعرت بلفح أنفاسه الحارة يختلط برائحته التي تملأ الغرفة ببطء ودون أن يرمش قلَب كفه الكبيرة لتصبح قبضته هي التي تحتضن يدها المرتجفة ... اعتصر أصابعها النحيلة بقسوة ضاغطاً عليها ليفهمها بوضوح أنه حتى في محاولتها لمسكه أو مقاومته يظل هو الطرف الذي يملك القوة...ليهمس بنبرة خافته عميقة كفحيح الأفعي هزت روحها:أتحبين لمستي....تحبين الطريقه التي اجعلك تتوسليني بها بعينيك....

رفع يده ببطيء لتستقر خلف عنقها وتحديداً عند منبت شعرها القصير ...لم تكن المسكة عنيفة بل كانت محكمة ودافئة بقسوة تجبرها على إبقاء رأسها مرفوع وثابت في مواجهة نظراته السوداء....ضغط بإبهامه برفق خلف أذنها مما جعل غصة القهر تتضاعف في حلقها بينما تحركت شفته السفلى بابتسامة متسعة ممتلئة بالرضا وهو يرى كبرياءها يترنح هامساً قرب شفتيها: انا ايضاً مهووس بالطريقة التي تذبحني بها عيناكي كلما انكسرت أمامي....

شد قبضته المستقرة خلف عنقها بقسوة مرغماً إياها على ابتلاع أي محاولة للالتفات أو الهرب وانفاسه تلفح وجهها ..يحرك ابهامه  برفق سام خلف أذنها يثير في جسدها المنهك قشعريرة متناقضة تجردها من قوتها وتتركها عارية أمام سطوته لتشهق حينما  قبلها مبتلع اياها بظلام ...تمنت لو أن الأرض تنشق وتبتلعها لو أن وعيها يغيب مجدداً ليهرب من ذل هذه اللحظة لكنه لم يفعل ....قبلها بعنف ونهم وكأن شفتيها ألذ شيء يتذوقه في حياته...ابعد شفتيه بانهاك رامقاً اياها بابتسامه حقيره ثم سحبها من عنقها لتنهض معه بترنح رامقه دور صافي التي كانت تحتضن غدي مخبئه وجهها في حضنها كي لا تري وتشيح وجهها عنهم كي لا تشعرها بالخزي والاحتقار أكثر وكانت ممتنه لذلك ....

تقدمت والاخر يسحبها من ذراعها امامه لكنها تصلبت مكانها واضعه يدها علي الحائط ليلتفت لها الاخر عاقد حاجبيه الثخينين منتظر تبرير ....من المفترض ان تذهب معه والا استمر تعذيبهم لايام  كالمرات السابقه وهو اختصر عليها الامر وعذبها مره واحده لذا اما ان تنصاع او تعامل كل يوم بهذه الطريقه حتي تخضع وهي لم تخضع ابدا لانها تتعرض للضرب بل فضلت ذلك حتي الموت لكن السيده دور صافي وغدي المسكينه لن يتحملا ذلك خاصه بعدما فقدوا مرج احد الفتيات معهم من قبل من شده التعذيب ....لتبتلع عدن ريقيها مردفه بغصه : لدي طلب ....ولن ...ثم شهقت معتصره جانب معدتها مكمله : ولن اشتكي ابداً...او ...او اعترض علي اي شيء تفعله....

رمش الاخر بملل شديد وكأنه لا يكترث لانه يأخذها برضاها او غصباً لا يشكل الامر فرقاً لديه لتردف عدن مدركه معني نظراته : هذه المره انا من سأتي اليك ....ثم اقتربت منه ببطيء حتي تقابل وجهها بصدره ثم رفعت رأسها لتلتقي بعينيه :اعدك بذلك

لم يكن مجرد وعد ...كانت حياتها ...خمس سنوات كان يتوسل قربها ...لم تتنازل ولا مره واحده  ...اصابته بالجنون جعلته يفقد عقله ....جعلت مدير المقبره السوداء مهووس بسجينه زنزانه ثمانيه .....فعل كل شيء بشع ...توسلها كي يعفو عنها ويخرجها من السجن ويأخذها الي منزل بعيد عن السجن والتعذيب لكنها رفضت ذلك الا اذا اطلق سراح دور صافي وغدي معها لكنه لم يوافق كورقه ضغط لانه يعلم ما ان تخرج ستهرب منه وهو يدرك ذلك جيداً......وهي لم تخاطر ابدا لانها تعلم ايضاً ما ان تترك الزنزانه سيفترسونهم ....رمقت الاخر الذي ينتظر رغم جموده وملامحه السوداء الا انها استطاعت تميز لهفته في عينيه الميته: اريد لينا ....الفتاه التي كانت معنا اخذوها ....اريد استعادتها الان ...

ليرمش الاخر ببرود مردفاً : اصبحتي متطلبه كثيراً عدني

لتدمع اعين الاخري هامسه: ارجوك أشهب

ابتلع الاخر ريقيه ببطيء رامقاً شفتيها التي نطقت اسمه ثم سحبها من يدها دون كلمه خارجاً من الزنزانه والحارس يغلقها خلفهم متقدمه خلال الرواق ....كانت تسير وترتجف من ألم جسدها وأثر الجلدات ...وقفت جانباً وبعض الحرس يلقون التحيه كانت تفرك اناملها ببعضهم تريد معرفه اين هي حتي شحبت ملامحها حينما اخبره الحارس انه تم القاءها بالقبر ....اوميء الاخر ملتفت نحو عدن لتهز الاخري رأسها بدموع وهي ترتجف : لا لا ....ربما لازالت حيه ....

تنهد الاخر متقدم بلا اكتراث بخطوات واسعه والاخري تهرول خلفه وألم اجتاح جانب معدتها من القهر حتي وصلوا الي المسلخ لتركض خلف أشهب ممسكه ملابسه من الخلف من مظهرهم البشع وطرق التعذيب المخيفه والدماء التي تسيل فوق الارض ويدعسونه بأقدامهم وكأنه لا شيء ....حتي وصلوا لتتوسع عينيها رامقه الابواب الحديديه الارضيه بمكان واسع لتلتفت حول نفسها تاركه الاخر خلفها فاتحه اول باب امامها لتشهق مغلقه اياه بسرعه حينما رأت ما بداخله حتي المظهر البشع لا تستطيع وصفه لجثه شخص يتحلل ركضت نحو الاخر فاتحه اياه لتجده عباره عن اجزاء بشريه مقطعه وملقيه لتعتصر ملامحها بقهر مغلقه الباب ثم صرخت بأعلي صوتها الذي تردد بالمكان كعويل : لينااا......ليناااا ....اتسمعيني ...لينااا ....اخذت تركض بين الابواب الحديديه وتصيح باسمها بهستريا

فتحت لينا عينيها ببطيء وانفاس مسلوبه وهي تنصت لذلك الصوت الذي يصيح باسمها .... ابتسمت شفتيها المتشققتين بوهن شديد ودموعها انحدرت ساخنة فوق وجنتيها المدماه....كان الصوت بعيداً مخنوقاً بجدران الخرسانة والحديد لكنه كان حقيقياً.... إنه صوت عدن....النبض الوحيد المتبقي لها في هذا العالم الموحش....حاولت لينا أن ترفع رأسها الثقيل لكن الصداع الحاد أطلق صرخة ألم صامتة خلف عينيها الحمراء .... ضمت طفلها إلى صدرها بقوة أكبر وكأنها تستمد من جسده الصغير الدافئ القدرة على النطق وبذلت كل ما تملك من رئة منتهكة لتصرخ لكن صوتها خرج كحشرجة مبحوحة ضعيفة لا تتجاوز حدود تابوتها الأرضي:عـ... عدن... أنا هنا... بالأسفل...

كانت عدن تركض بهستيريا وجنون تفتح الأبواب الحديدية الأرضية بيديها المرتجفه دون أن تبالي بالدماء أو الروائح التي تزكم الأنوف ودموعها تحجب الرؤية عنها بينما كان أشهب يقف على مسافة قريبة يراقب انهيارها وهرولتها بتلك الابتسامة السوداء والبرود السادي الذي يمتص الحياة .... ضربت عدن بقدمها باب حديدي آخر وهي تصرخ بنحيب مزق سكون المسلخ:لينا! أرجوكي أجيبي... أين أنت....جثت عدن علي ركبتيها واضعه يديها فوق وجهها وهي تبكي باستسلام وصوت عال ليبتسم الاخر مقترب منها واقفاً خلفها وهو يردف : لا داعي لتفتيش القبور ...لا احد يخرج منها حياً ....لنغادر صغيرتي

شهقت عدن بنواح وهي تهز رأسها برفض قاطع وجسدها بأكمله يتنفض فوق الأرضية الملطخة ....انحنت بجذعها حتى لامست جبهتها المعدن البارد لأحد الأبواب تضرب بقبضتها المتعبه فوق قفله الحديدي وهي تصيح من بين شهقاتها الممزوجة بالدم: لا... لا! إنها بالداخل... أنا أشعر بها!....لا تستحق ...هي لا تستحق بعد ما كل ماعانته ....ان تنتهي هنا ....هذا ليس عدلاً ....ليس عدلاً .... دنا أشهب خطوة منها وظله الضخم امتد ليتلذذ بابتلاع جسدها الصغير الجاثي على الأرض....

لم تؤثر فيه دموعها ولم يحرك نحيبهاذرة من جموده بل كان مشهد انهيارها أمامه وتوسلها الصامت للقبر يغذي ذلك الجوع المظلم في روحه لفرض السيطرة المطلقة عليها...امتدت يده القاسية لتستقر فوق كتفها المرتجف وضغط بأصابعه بقوه تجبرها على الارتداد للخلف ومواجهته.... انحنى بقامته حتى أصبح فحيحه قريب من أذنها هامساً بنبرة هادئة...باردة.... وممتلئة بالتملك السام:البكاء على الموتى يفسد ملامحكي الجميلة يا عدني... قضي الأمر.....انت طيبه القلب بالكاد تعرفتي عليها وستقتلين نفسك لاجلها...اشعر بالغيره...انهضي... فلن يعجبكي أن يتحول عنادي إلى عقاب آخر

ابتلعت عدن ريقيها باستسلام وقلبها يرتجف .... نظرت إلى وجه أشهب القريب... إلى برود عينيه التي لا تعرف معنى الرحمة...نعم بالكاد تعرفت عليها لكنها  رأت نفسها مكان لينا....هي أيضاً امرأة....مكسورة....مستلبة الإرادة....تقبع في قاع هذا المسلخ البشري تحت رحمة مسخ يتحكم بأنفاسها تذكرت لمسته المتملكة لشفتيها قبل قليل وقبلته التي انتزعت كبرياءها فأدركت بجسدها المرتعش أن المسافة بينها وبين السقوط في إحدى هذه الحفر الحديدية ليست سوى مسألة وقت أو نوبة غضب من جلادها.... تضامنها مع لينا لم يعد مجرد عطف على غريبة بل كان بكاءً على مصير أنثوي مشترك يسحق تحت أقدام الطغاة.... أرخت كتفيها واستسلمت لضغط أصابعه القاسية وهي تحاول إقناع نفسها بأن القضاء والقدر قد كُتب وأن مواجهة عناده لن تجلب سوى مزيد من الدماء لـدور صافي وغدي....تحركت قدميها ببطء شديد لتتبعه مطأطئة رأسها ودموعها تجف على وجنتيها الشاحبه تهم بترك المكان والذهاب معه إلى جحيمه الخاص وهي تجر خيبتها وانكسارها...حتي تجمدت قدميها حينما التقتت اذنها صوت طرقات خافته لتلتفت بسرعه وصدرها يعلو ويهبط بأنفاس مخنوقه

كانت طرقات خافته....متقطعة.... ومكتومة... تأتي من جوف الأرض....لتتقدم عدن بساقين ترتعش وهي تنظر نحو الابواب واحد تلو الاخر كي تعرف من اين يخرج الصوت ثم وقفت فوق واحد وهي ترتعش ....لترفع لينا ذراعها وهي تحاول الاتكاء رأسها علي الحائط في ذلك المكان الضيقه رافعه طرف يدها ونقرت الباب الحديدي بوهن وضعف والصداع ينهش رأسها لتقع يدها باستلام وهي تسمع صوت الترباس الحديدي وعدن تفتحه بلهفه ثم سحبت الباب بقوه لتشهق بأعين متوسعه رامقه لينا التي تغطيها الدماء وتتنفس ببطيء كقطعة قماش بالية ألقيت مهملة في زاوية المقبرة..... جسدها النحيل كان منكمش ومسنود بوهن قاتل إلى جدار إسمنتي رطب تملؤه شقوق يتسلل منها عفن الأرض.... وجهها الذي كان يوماً يشع بالرحمة استحال إلى قناع من الشحوب والموت.... بشرتها اتخذت لون رمادي مخيف وعيناها الزرقاء غائرتان تحيطهما هالات سوداء داكنة كأنها حُفرت بالقهر بينما تحجرت الدماء الجافة والحديثة فوق وجنتيها وانفها المكسور وشفتيها بيضاء متشققه....ملابسها الممزقة كانت ملتصقة بجسدها بفعل الدماء اللزجة والعرق البارد.... ولم يكن السواد والدمار يحيطان بها فحسب بل كانت الرائحة المنبعثة من تلك الحفرة الخانقة مزيج مرعب من رطوبة الأرض القذرة ورائحة الموت والحديد الصدئ....شعرها الاسود كان مبعثراً....رطب ومتسخ يلتصق بجبهتها النابضة بصداع يكاد يفقدها الوعي.... وفي وسط هذا الجحيم البشع وتحت أنفاسها المسلوبة كان ذراعيها المرتجفان يضم إلى صدرها المدمى شيء صغير ملوث بالدماء والتراب... شيء دافئ يتحرك بحذر ويكافح لالتقاط نَفَس خافت في جوف تلك المقبرة المظلمة.... كانت لينا تبدو كقديسة ذُبحت في محراب أسود تنتظر متى يطبق الموت جفنيها بالكامل لولا تلك النبضة الهشة التي تحتضنها بين يديها....

انحنت عدن على ركبتيها ارضاً بجنون غيرمكترثه  بـأشهب الواقف خلفها ولا بالدماء التي بدأت تلوث ثيابها....امتدت يداها المرتجفه إلى الأسفل كمن ينتشل غريقاً من فم الجحيم ودموعها انهمرت بغزارة وهي تصرخ بنبرة حارقة ممزوجة بذهول ورعب طاغ علي مظهر لينا المخيف والمفجع:لينا!.... يا إلهي... لينا! أنتي على قيد الحياة!.... ماذا فعلوا بك...كانت لينا مستلقية برأسها المسند إلى الحائط الخرساني الضيق جفنيها ثقيل ويدها التي سقطت باستسلام كانت ترتاح الآن بوهن فوق جسد صغير....تبدو فاقده لوعيها باعياء لكن عينيها الذابله كالموت التقت بـخاصة عدن وكأنها تودع فيها أمانة ولدت في رحم المقبرة السوداء....لتهز عدن رأسها نازله القبر وسندتها والاخري كانت تحاول النهوض لكن جسدها محطم من السقطه ومن الولاده ومن ألم جسدها والصداع... متشبثه بالصغير تعتصره نحو صدرها كأنها تحمي آخر أنفاس حياتها وعدن تلفها بعبائتها ساتره جسدها  ثم قفزت جالسه علي حافه القبر مدلية ساقيها إلى الداخل وهي تسند لينا ضامه ساقيها وسندت ظهر لينا عليهم ثم احتضنتها من الخلف ورفعت ساقيها للاعلي صاقه اسنانها وهي ترفعها بساقيها مخرجه اياها من القبر ارضاً بجوارها  والاخر الذي كان يقف بعيداً ببرود يدخن سيجارته دون ان يحرك اصبع لمساعدتها مستمتع وهو ينظر الي  ذئبته الصغيره ليبتسم هازاً رأسه بعدم تصديق علي قدرتها وذكائها وهي كانت تتألم منذ قليل فقط

رفعتها عدن من الارض وهي تترنح لترفع وجهها نحو أشهب البارد لتصيح به:تعال وساعدني ايها الوغد ....رفع الاخر حاجبه لها ليس لانها طلبت المساعده وانما لانها وصفته بالوغد....ليرمش بملل رامقاً لينا بلا اكتراث لتلفتت عدن نحو يد لينا التي اعتصرت يدها بوهن غير موافقه علي جعل رجل يلمسها هامسه بنبره خافته بالكاد خرجت : اسنديني فقط ....ابتلعت عدن ريقيها سانده الاخري نحو الخارج ببطيء رغم المكان بعيد عن زنزانتهم لكنها اخذتها وكل مسافه صغيره تتكيء لينا علي الجدار تأخذ نفس مكتوم بألم شديد من أنفها المكسور ثم تستمر بالمشي نحو الزنزانه حتي وصلت والحارس يفتح لهم ببرود لتقف دور صافي بسرعه راكضه نحو لينا اخذه الصغير وغدي تسحب الفراش وتعدله وهي تبكي رامقه لينا التي سقطت من يد عدن علي الارض مغشي عليها لتسحبها عدن الي الفراش ودور صافي تلف الطفل بملابس غدي مردفه : عدن هذا الطفل لم يتم قص حبله السري بعد نحتاج شيء نظيف ومعقم ....التفتت عدن التي تدثر لينا مردفه بعدم تصديق: هل اقصه بمؤخرتي تباً دور صافي لا تخرجيني عن شعوري من اين احضر شيء نظيف ومعقم ....عضت دور صافي شفتيها كاتمه فمها وعدن نهضت مردفه وهي تتقدم نحو باب الزنزانه : انتظروني وحاولو تنظيفها ريثما اعود

طرقت الباب واخبرت الحارس ان المدير يستدعيها ليفتح الحارس وخرجت ذهبت بسرعه الي الحمامات حملت دلو ماء وعادت الي الزنزانه اعطتها لدور صافي تحت تمتمه اعتراض الحارس لولا جسدها المتعب للكمت فكه مسقطه اسنانه لكنها لم تفعل وذهبت متقدمه نحو مكتب الوغد ....قرعت الباب وانتظرت لدقائق ليسمح لها بالدخول دلفت لتجده يجلس باسترخاء فوق كرسيه يدخن سيجارته ببرود ويبتسم وكأنه يعلم اني سأتي اليه بقدمي ....رمقته عدن بملل وهو يربط الي فخذه بابتسامته مردف: تعالي

تقدمت عدن بهدوء جالسه في حضنه العريض ليأخذ الاخر نفساً وهو يزفره نحو وجهها ويده تمسد أسفل ظهرها : تحتاجين حمام تبدين مرهقه ....لترمقه عدن بملل : هذا الموجود اذا لا يعجبك عد الي نسائك الجميلات ذات العطور الفاخره ودعني اعود للزنزانه ....

ابتسم الاخر معتدل في جلسته ليلتصق كتفها بصدره مردف قرب اذنها :لدي حل افضل ...قالها ثم نهض فجأه لتجفل عدن عائده للخلف قليلاً وهو يتقدم نحوها ويفك أزرار سترته العسكريه والسيجاره في طرف شفته محاصر اياها نحو باب الحمام الجانبي الخاص بالمكتب لتردف الاخري بارتباك : ماذا تفعل جسدي باكمله ينزف ...ليؤمي الاخر ثم انحني فجأه حاملاً الاخري من افخاذها للاعلي ليصبح صدرها مقابل وجهه وهو يردف: هل اخبرتك من قبل اني اعشق رؤيتك تنزفين ....شحبت ملامح الاخري وهو يأخذها الي الحمام تحت رفضها وصياحها به لكن دون فائده وغد مسخ ومريض  ....

فتحت عدن عينيها بتعب رامشه ببطيء ....كانت تشعر بثقل فوقها رمقت النافذه الجانبيه للمكتب ...نافذه صغيره بأعلي الحائط فوق الارض مباشره بالخارج عليها قضبان حديديه مغطاه بشبكه كي لا تدخل العقارب والثعابين كانت خيوط الشروق لازالت تكافح لتخترق تلك النافذة الصغيرة المرتفعة ترسم خطوطاً باهتة من الضوء وسط عتمة المكتب الموحش...رمشت عدن ببطء وعقلها يحاول لملمة شتات نفسه بعد ليلة طحنت كل ما تبقى من قواها....شعرت بثقل كابوس جاثم فوق صدرها وجسدها.... كان ذراعه الضخم يلتف حول خصرها بتملك خانق وثقل جسده يثبتها مكانه وكأنه يفرض سيطرته عليها حتى في أعمق لحظات نومه...

حاولت سحب نَفَس عميق لكن الألم الذي كان ينهش جسدها المنهك والمتيبس بسبب جروحها جعلها تصك أسنانها بوجع.... تذكرت وحشيته قبل ساعات داخل ذلك الحمام كيف كان يتأمل دماءها الممتزجة بالماء البارد علي جسدها الازرق والشاحب بنظراته المريضة وكيف كان همسه السام يخبرها بأنه يعشق انكسارها ونزيفها....نظرت نحو القضبان الحديدية المحيطة بالنافذة وشعرت بغصة قهر مريرة تحتقن في حلقها....هل يعتبر صيامها مقبول ...هل سيغفر لها الله علي مفعلته رغماً عني ....

السجن لم يكن فقط في تلك الزنزانة بالأسفل بل كان هنا أيضاً...فوق هذه الاريكه وبين ذراعي هذا الرجل الذي يستمد حياته من سلب أنفاسها رغم عنها ويجبرها علي فعل ذلك....تحركت ببطء شديد محاولة ألا توقظ الوحش القابع فوقها وعينيها تلتفت داخل المكتب ثم تملصت منه جالسه لتجده نائم بسلام ملامحه الحاده ساكنه تتمني لو تحاول قتله مجددا لكنها تعلم النتيجه ....تعلم كيف سينتهي الامر بجعل رجاله يغتصبون دور صافي وغدي امامها كما فعلوا بمرج وماتت من شده التعذيب وهم يتناوبون عليها وانا مقيده بالحائط حتي زهقت انفاسها الاخيره امام عيني....اعلم اني مريضه ....لكني لستُ مريضه من عدم توفر اي امكانيه للحياه هنا...بل مريضه من شده القهر والذل الذي قاصيته دون ذنب ....الذنب الوحيد اني احببت شخص ....وهذا الحب ...لا ...لا استطيع ان الومه ...لانه الذكري الوحيده الجيده في حياتي ....الشيء الوحيد الذي اغمض عيني لاحاول ان اراه في احلامي علي الاقل ....لكني لم افعل ....وكأنه لم يحدث ....ولا مره واحده حلمت به ....وكأنه يعاقبني ...وكأنه يكره رؤيه وجههي ....
رمشت عدن رامقه أشهب مبتلعه غصتها داعيه في قلبها ان يموت من القهر وان يشعر بما تشعر به بسببه ...لن تسامحه ابداً ....

نهضت متقدمه نحو الحمام اغتسلت بهدوء وحملت ملابسها مرتديه اياها ثم أخذت بعض المناشف النظيفه من خزانته الجانبيه وموس حلاقه جديد وسرقت بعض الطعام من الثلاجه الجانبيه ثم التفتت لتجد الاخر يفتح عينيه بنعاس نحوها ثم تجاهل ماتفعل والتفت وهو يردف بنعاس : ضعيهم بأكياس لا تدعي الحرس يراهم ....سأغادر لبضعه ايام لا تتحدثي مع احد ريثما اعود اليك....

لم تجيبه وفعلت ماقال واضعه الطعام في اكياس لانهم مخنثون وكلاب وسيأخذوهم منها ثم خرجت تاركه اياه نائم ....دخلت الي الزنزانه لتبتسم حينما رأت دور صافي تحاول اطعام لينا شيء لتضع امامها الطعام مردفه : اطعميها هذا ...تطلعت دور صافي نحوها بأعين تحمل الشفقه والقهر علي حالها لتتجاهلها عدن مخرجه الموس وقالت : نظيف ومعقم سيده دور ثم تقدمت نحو فراشها بدلت ملابسها ونامت بصمت ....رمشت لينا باعياء وصداع ودور صافي تشد علي رأسها بوشاح بقوه لم تكن تعي مايحدث ...كانت متعبه تماماً ...لا تعلم كم مر وقت....ايام كانت تجد دورصافي وعدن وغدي يتناوبون عليها يحملون طفلها ويطعموها وينظفون لها ويأخذوها الي الحمام ثم يعيدوها الي فراشهم الذي ينظفونه ويغسلون ثيابهم ....كلما رأت حنان دور صافي تفتقد والدتها وكلما تنظر الي عدن لا تعرف كيف تشكرها ...وكأن الله ارسلها لتنتشلني ....اما غدي تلك النسمه اللطيفه التي كانت تحمل الصغير بحنان وتغني له ....مرت ايام وهي بينهم مستشعره لطف الله حينما ارسل لها اشخاص مثلهم ....غفران كانت مريضه مصابه بذهان ونوبات لا تتحدث كثيراً وتجلس منزويه كأنها جزء من جدار الزنزانه رغم اعتناء دورصافي بها الا انها لا تستوعب شيء احيانا تتحدث وكأنها واعيه وطوال الوقت تتصرف وكانها من عالم اخر بشع واسود ومتشائم

اغمضت لينا عينيها وهي تضم طفلها الي صدرها متكوره حول نفسها بالم وشرود ..نعم ...تستطيع أن تتعالج وتتعافى مع طفلها ولكن ليس تعافياً كاملاً...ربما طفلها اصبح اول ضوء للوعي والحرية في عقلها المخطوف....الطفل نفسه الذي اراده كي يبقيها داخل عتمته هو من  سيخرجها من ظلامه ليرجعها إلى إنسانيتها حتى وإن بقي طيف ظلام يطارد زوايا عقلها لفترة طويلة هذا ما تظن لم تكن تعلم ان الحياه لازالت تحتفظ لها بشيء اخر ربما يكون اكثر بشاعه

********

جفلت رسيل علي صوت الرعد بالخارج رامقه الضوء الذي انعكس من النوافذ علي الكتب ...نهضت راكضه نحوهم وجثت علي ركبتيها وهي تتفحصهم كتاب خلف الاخر بيد مرتعشه حتي توقفت يدها علي سجلات قديمه أخذت تبحث بالصفحات واحده تلو الاخري ....ارتجفت رسيل جافلة وارتدت أنفاسها إلى صدرها كطعنة مكتومة حين انشق صمت المسجد عن صوت احتكاك حذاء فوق الأرض الترابية.....كان الصوت بطيئا وبارداً كبرودة الموت الذي يطوف بالخارج....لم يكن بحاجة لأن يتحدث لتعرفه فرائحة المطر المخلوطة برائحة التبغ الفاخر والمسك الأسود التي تفوح منه كانت كفيلة بأن تجعل دماءها تتجمد في عروقها.... التفتت ببطء شديد وجسدها يرتعش تحت ثوبها المبلل لتجده يقف عند عتبة الباب الخشبي الذي ظنت أنها أغلقته بإحكام....

كان طوسون يقف هناك يملأ إطار الباب بجسده الفارع وظله الممتد بفعل ضوء البرق الذي شق السماء خلفه.....قطرات المطر تتساقط من خصلات شعره الأسود الغزير فوق وجنتيه الحاده وعينيه... عينيه بدت كهاويه مظلمه ....خاليه من أي أثر للرحمة أو الآدمية....

تقدم خطوة نحو الداخل فامتص الظلام خطوته ببرود....التفت نحو الأطفال النائمين أسفل المنبر بنظرة سريعة وخالية من الاهتمام وكأنهم غير موجودين ثم أعاد تركيزه الكامل عليها

انكمشت رسيل على نفسها وضمت المصحف والكتب القديمة إلى صدرها بينما تقدم هو بخطواته الهادئه حتى أصبح يفصله عنها أشبار قليلة....انحنى لمستواها ببطء مرعب و أنفاسه الحارة تلفح وجهها المرتجف.....لا تعلم ان كان شبح ام لا لكن اجابته علي هذا السؤال حينما امتدت يده ذات الأصابع الطويله والعروق البارزه وقبض بها على فكها رافعاً وجهها إليه عنوة ليلتقي سواد عينيه ببريق الرعب في خاصتها هامساً بنبره هادئه :لا ترتجفي ....الاشباح لا تقتل

لتبتلع رسيل ريقها ببطيء هامسه بنبره مرتعشه : لكنهم مخيفين...والخوف احيانا يكون قاتلاً

اتسعت ابتسامته السوداء رامقاً شفتيها ثم عينيها واحده تلو الاخري مردفاً : انت محقه ياصغيره .... خفق قلب رسيل من ابتسامته هامسه بنبره مرتعشه : من تكون ...ليميل الاخر وجهه ببطء عينيه السوداء المخيفه داخل عينيها : انا لا شيء ....مجرد وهم ....مجرد اسم غير موجود....اراقب فقط ....اسمع فقط.....اشاهد فقط....لا اتدخل ....ولا احد يسمع حسيسي ....ثم ابتسم بطريقه مظلمه: لكنك تفعلين ....

رسيل بنبره مرتجفه: اريد مثال واقعي ملموس وليس افترضيات وخيالات لا صحه لها من الواقع اريد اثبات وليس اوهام

ليبتسم طوسون مميل رأسه بسواد:لكني انا الملحد وانت المؤمنه....انت من تؤمنين بالغيب ...بربٍ لا ترينه ....وبجنه ونار لم تلمسهما يداكي ...وانا لا اؤمن الا بما استطيع تفسيره وتفكيكه ....

رفعت رسيل يدها ببطيء ممسكه معصمه رامشه برجفه حينما استشعرت جلده الساخن لتسري قشعريره في جسدها وهي تردف : فسر لي اذاً ...

ضيق طوسون عينيه السوداء وهو يتأمل معالم الصدمة والضياع المرتسمة على وجه رسيل ثم أرخى قبضته عن وجهها ببطء مفلت يده من خاصتها وتراجع خطوة للخلف ليتكئ بجسده الفارع على أحد أعمدة المسجد الخشبية عاقداً ذراعيه فوق صدره ببرود لا ينتمي للبشر مردفاً بنبره هادئه : اممم لطيف ....اسمعي اذاً ...ثم ابتسم وهو يرمق المكان بأعين غريبه ثم وجه عينيه نحوها : هل تذكرين مزرعه الفئران التي اخبرتك اياها

عقدت رسيل حاجبيها بعدم استفهام.... نعم تذكر شيء كهذا لكنه لم يعطيها تفسير ابداً او حتي سبب لذكر الامر فظننت انه موضوع عابر فتجارب الملحدين لا تستهويني :وضح اكثر ...ما دخلها ...اريد ان اعرف من تكون ...لما تفتح مواضيع عابره لتشتيت حقيقتك

أرجع رأسه إلى الخلف مستنداً على الجذع الخشبي وخرجت منه ضحكة خافتة متحشرجة رددت جدران المسجد القديم صداها وكأنها فحيح هارب من الجحيم ثم أردف وعينيه تلتهم ملامحها الشاحبة: لم يكن يوماً موضوع عابر يا صغيرة.. بل كان كل شيء....ثم رمش مخفض عينيه نحو ارضيه المسجد المصدعه بالشقوق بفعل الرطوبه والزمن وبعض النباتات تخرج منها  مكمل بنبره غريبه : لم تفهمي بعد ؟...كل ما يحدث هنا حياتك بأكملها كانت تجربه علميه بالنسبه لي

عقدت رسيل حاجبيها باستغراب وهي تنهض والاخر يكمل بأعين تلمع وكأنه مختل :  حين دخلتُ.... رأيتُ في جهل هذا المكان وعزلته مزرعة الفئران البشرية الأنسب لتجاربي....تعلمين اني ملحد ....لكني عالم احاول اثبات نظرياتي ....احاول اثبات طبيعه البشر الحقيقيه ....ورثت هذا المكان عن والدي....كل شبر في هذه البقعه ملك لي....حتي البشر ....كانوا جميعاً دمي تتحرك بين اصباعي ..ثم ابتسم في نهايه حديثه جاعلاً قلبها يرتجف عائده خطوه للخلف ليقترب وهي اعينها توسعت تشعر بالبروده تتسلل من قدميها الحافيه الي عظامها كلما اقترب منها خطوه بعد خطوه وهو يكمل بنبره ميته : سأختبرك اعلم انك ذكيه ....ثم ضحك :لطلما كُنتِ كذلك رُسلِي ....

لتردف رسيل برعشه :لما قتلت ام جميل ...ليردف الاخر وهو يقترب أكثر وظله المنعكس من نار الحطب يبتلعها : كانت ثغره في تجربتي ....لتردف رسيل : اعطيتني السكين رغم انك تستطيع قتل يامن ...ليميل الاخر رأسه بابتسامه : السؤال الاول رسيل ....شهقت حينما صفع الحائط واحتجزها بين ذراعيه كي لا تهرب مردف: اذا احضرناً مجموعه من الفئران الصغيره واعطيناهم كل شيء ...وفرنا لهم حياه مثاليه دون شقاء او تعب ....ماذا قد يحدث لهم ...سيعيشون للابد بخير صحيح؟

رمشت رسيل رامقه عينيه واحده تلو الاخري مبتلعه ريقها وقلبها يخفق بقوه هامسه بخوف من قربه وملامحه المختله: ربما ....لتغمض عينيها حينما صفع الحائط وانحني برأسه مقابل وجهها وهو يصيح : اريد اجابه رسيل ....وليس احتمالات فارغه ....

لترتجف شفتيها هامسه بذعر: ربما يعيشون بخير لكن الامر سيتحول الي كارثه ...سيبدأون يعيشون في اكتئاب حاد ...لا صراعات ....لا شغف ...ستنحل الفطره السليمه وتبدأ عليهم اعراض لسلوكيات شاذه ربما....قالتها رامقه عينيه بخوف وضربات قلبها مسموعه لتجد ابتسامته تتسع وهو يقرب وجهه منها لحد كبير حتي لفحت انفاسه شفتيها : لطيف ....انت مذهله صغيرتي.... طلما كنتِ كذلك....ذكيه بشكل مفرط ومثير ...وهذا بالفعل ماحدث ....في تجارب العزل المثالية.... حين ينتهي الشقاء....يبدأ الفناء الذاتي....الفئران بالفعل انحلت فطرتها....ظهرت بينها سلوكيات شاذة....افترست صغارها....وانتهت بالموت الجماعي رغم وفرة كل شيء... سُميت تلك التجربة بـالجمهورية الفاضلة للفئران.....

ثبت عينيه الحادة في خاصتها وأكمل وعروق معصمه القريب من وجهها تنبض بقوة: ومن هنا ولدت نظريتي....إذا كان الأمان الزائد يفسد الحيوان.... فماذا يفعل الجهل المطلق بالبشر؟!...عزل قطيع من البشر في هذا الوادي القديم ... وحرمانهم من الوعي وإعطاؤهم صنم مقدس مثل يامن ليوجهوا له شهوة اليقين والعبودية لديهم.....طوال سنوات.... كنتُ أدون في مذكراتي النتيجة الفلسفية ذاتها.... نفس نتائج والدي ...الإنسان كائن يستعذب العبودية إذا غُلفت بالقداسة....

انخفض صوته ليصبح فحيح مرعب وهو يكمل بأعين سوداء مظلمه : البشر كائنات وضيعة يا رسيل....إذا حُرموا من الوعي.... ووُضع فوق رؤوسهم صنم بشري أخرق ومجرم كـيامن وعائلته ليعتبروهم أسياداً وقديسين فسوف يتبعونهم كالقطيع دون تفكير....طوال سنوات....كنت العقل الخفي والاسم الميت الذي يراقبهم وهم يبتكرون طقوساً شاذة...يسرقون الفلاحين....ينتهكون براءة الأطفال باسم التطهير....ويحرقون النساء باسم البركة....وبعدها بدأت التصرفات الشاذه وانتهاك الاولاد الصغار ...جشعهم وتعظيمهم لانفسهم ...احتكار المرأه وافساد فطرتها وجعلها ذليله او قربان لجهلهم....كانوا يثبتون لي يوماً بعد يوم أن مفهوم الإله لا دخل له بنقائهم...وأنهم مستعدون لعبادة خنزير ليبرروا قذارتهم وشهواتهم وخطاياهم....سأخبرك لما اعطيتك السكين .... اذا قتلته بيدي كان سيفسد التجربة.... كان يجب أن ينتهي بعبثية تصنعها يداكي أنتِ... اعتدل في وقفته ببطء مرعب وعينيه كانت تلمع بهوس مظلم جعل انفاسها تختفي من شده الخوف وعينيه ترمق كل انش بملامحها: كل شيء في بحثي كان يسير وفق خطة رياضية لا تقبل الخطأ.....حتى ظهرتي أنت كالثغرة الوحيدة في المعادلة....العينة رقم واحد.....التي خرجت من وسط هذا المستنقع القذر لتبحث عن النور... كيف لفتاة أمية نبتت في مستنقع كفرهم وضلالهم أن تملك هذا اليقين الفطري....كيف لم تبتلعك قذاره القطيع...... هذه الفطرة التي جعلتك تؤمنين برب لا ترينه وتكفرين بإله بشري لمستي سوطه بجلدك....لقد انتهت تجربة القرية بموت يامن وسقوط المزرعة...هذا هو تفسيري الواقعي الملموس الذي تطلبينه....هذه القرية كانت مسرحي ويامن كان دميتي وأهل القرية كانوا الفئران

تراجعت رسيل برأسها إلى الخلف حتى اصطدم بالجدار واعتصرت المصحف والكتب بيديها المرتجفه.... لم تكن تفهم مصطلحاته عن المعادلات والعينات.... لكن قلبها النابض بالتوحيد التقط العيب الأكبر في غروره السيكوباتي....أخذت نفس عميق وامتزجت بحتها المبحوحة بنبرة تهكمية لاذعة مردفه وهي تنظر في عمق سواد عينيه : يعني الجميع كان فئران تجارب لمسخ ملحد يعبث بالبشر

ليبتسم بظلام هامساً بنبره اشبه بفحيح : والدي قام باول تجربه علي البشر والتي لم يتم تصريحها من قبل لانه ببساطه لم يتم تطبيقها كإجراء تجريبي رسمي أو علمي على البشر لأسباب أخلاقية وإنسانية.... لا يمكن للعلماء حبس مجموعة من البشر في بيئة مغلقة وتركهم ليروا كيف سينهار مجتمعهم....لكن والدي فعل وانا اكمل التجربه ....لكن ليس لاري كيف سينهار مجتمعهم ...كنت اريد معرفه كيف سينتهي بهم الامر عبيد ....غيرت التجربه ....واعطيتهم صنم ليعبدوه مال وشهره  .... ومن هنا ولدت نظريتي....إذا كان الأمان الزائد يفسد الحيوان... فماذا يفعل الجهل المطلق بالبشر؟...ثم ضحك بطريقه مريضه جعلت قلبها يرتعد مبتلعه ريقها ببطيء هامسه : لقد غششت

توقف الاخر عن ضحكته ولازالت الابتسامه تعلو ثغره مقرب وجهه منها اكثر ليري دموعها الذي تسيل ببطيء علي وجنتيها ليردف: ماذا

رفعت رسيل عينيها رامقه خاصته متجاهله قربه وانفاسه وهالته المرعبه مردفه بقهر: لقد غششت ...إذا حبست بشر في الظلام الدامس وسددت أعينهم ثم تعثروا في وحل قذارتهم والطقوس الشاذة التي تركتهم يبتكرونها.... هل تثبت بذلك أنهم كائنات قذرة؟ أم تثبت فقط أنك أنت من حرمتهم من الضوء وصنعت الظلام حولهم.... طوال سنوات انت ووالدك تعزل هذا الوادي عن النور وتحرم أهله من الوعي والكتب وتترك فوق رؤوسهم مسخاً مثل يامن يجلد أجسادهم ويسرق عقولهم... ثم تجلس في ظلك ببرود لتكتب في دفترك الأسود أن البشر كائنات وضيعة تستعذب العبودية؟! ....ابتسمت رسيل ثم ضحكت رامقه ملامح الاخر التي اختفت وهي تردف بملامح صارمه وفارغه: انا لم أكن ثغره في معادلتك ...انا الدليل القاطع علي فشلك علمتني الحروف لكي أقرأ كتبك وأرى ظلامك فاستخدمت حروفك لأقرأ عن ربي وأرى نوره الفطرة ليست شفرة لتفكها في دفترك... الفطرة هي أصل الوجود...انظر إلى نفسك الآن... تجلس وحيداً في واديك الميت بينما الأطفال الذين أردت تحويلهم إلى مسوخ ينامون الآن في بيت الله بأمان.....فمن منا الحبيس في قفص أوهامه الآن... أنا أم أنت

ليردف طوسون هازاً رأسه:انت لم تري العالم بالخارج ياصغيره ....هذه التجربه نسخه مما يحدث خارج هذا الوادي ....اتعلمين لما هذه التجربه محرمه؟....لانها بالفعل قائمه ....قاموا بتحريمها لانها واقع يعيشونه ووهم يستيقظون فيه كل يوم ولا يريدون ان يذكره بهم احد ...ولا يريدون ان يدركوا ذلك .....نحن نعيش هذا الواقع يا صغيرة... العالم بالخارج يملك آلهته البشرية وصنمه الخاص يملك حروبه وطقوسه الشاذة والناس هناك عبيد يركضون خلف أوهامهم بنفس الجهل والعمى ويقولون انها حريه ليبرروا افعالهم ....يصنعون الحروب غير مكترثين للدماء التي سُفكت سلبوا حريتهم وعقلهم وتركوهم يهلثون خلف المعيشه والاكل الذي بالكاد يسد جوعهم حتي لا يدركون الخساره الحقيقيه ...ويدركون انهم مجرد فئران قذره لا يملكون قرار لحياتهم يحاربون لاجل قضيه ليست قضيتهم وانما سياسه رخيصه لاجل طغاه يسفكون دمائهم باسم الحريه والوطن وبالنهايه الخاسر الوحيد هم بينما يتصافح المسوخ  لاحقا اذا مصالحهم اصبحت مشتركه

رمشت رسيل رامقه عينيه واحده تلو الاخري ملامح مرهبه ومختله وكانها تعبر عن العالم المخيف الذي اتي منه ...شعرت رسيل فعلا انها من عالم اخر وانها حقاً كانت داخل صندوق من صنع شخص ما ....لكن هذا لا يعني انها ستقبل ان تبقي داخل قفص وهي تمتلك اجنحه ....دفعته وركضت نحو الكتب الموضوعه ارضاً اخذت تبحث بينهم عن شيء ما حتي وجدت كتاب واخذت تقلب صفحاته بعنف وهو يراقبها مقترب منها ببطيء جالساً القرفصاء خلفها محاوط اياها وعينيه نحو الاوراق التي تقلبها لتتوقف ملتفته برأسها لتجد وجهه قريب منها مبتلعه ريقيها وهي تردف برعشه :انظر الي هذا .....العالم الخارجي فيه ظلام نعم... لكن فيه أيضاً شوارع تشرق فيها الشمس وفيه مساجد يُذكر فيها اسم الله دون خوف وفيه بشر يمدون أيديهم للخير دون أن يحسبوها في دفاتر تجاربهم...أنت تمدست في ظلك حتى ظننت أن العالم كله ظلام... أما أنا فسأمشي نحو النور حتى لو كان ضئيل...اذا الجميع استسلم للظلام فكيف سيرون نور الله تعالي ...اشهر وانا اقرء عنه انه حقيقه لا يمكن انكارها

ليردف طوسون بحيره شارداً بعينيها التي تلمع بجنون غير متقبله لحقيقته : انت مختله رسيل ...لازلت تؤمنين ان هناك رب فوق كل هذا يتطلع علي مايحدث ؟!

لترمي رسيل الكتاب من يديها ممسكه اياه من ياقه قميصه : اؤمن وسأبقي مؤمنه طوسون لاني حره ....لاني مخيره ....لاختار اي طريق اريد الذهاب اليه ....لاختار من اريد ....انت تريد الشيطان ....بل انت نسخه منه .... أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ....الم تمر بك تلك الايه يوماً او تسمعها ....اتعلم لما ترفض الايمان ....لان الظلام يعجبك ....لكن الامر لا يسير بالطريقه التي تريد بل بمشيئته ....لكل ظلم نهايه واليوم كان نهايه هذا الجحيم ....

دفعته رسيل ناهضه ليقف الاخر ساحباً اياها من معصمها لترتطم به محاوله دفعه وهو يمسك فكها بقبضته ويصيح بصوت عال حتي فزعت الاطفال من نومها وهو يقول: لماذا ترك الله الظالم يظلم والقاتل يقتل والسارق يسرق اذاً رسيل ....لماذا ترك كل هذا الخراااب

لتصيح رسيل به وهي تحاول افلات نفسها :لأن الله أرادنا أحرارًا والحرية اقتضت الخطأ طوسون ولا معنى لها دون أن يكون لنا حق التجربة...الخطأ والصواب والاختيار الحر بين المعصية والطاعة....توقفت قليلاً رامقه عينيه التي تجمدت نحوها لتردف رسيل بغصه : من السهل ان تعيش كملحد طوسون لكن من الصعب ان تموت كذلك.... لانك ستري ...وحينها لن ينفعك الندم ابداً ....لا يمكنك التعافي في نفس البيئه التي جعلتك مريضاً....لا يجب ان تبقي وانا لن افعل ....سأغادر هذا المكان ...فورا ....

قالتها ثم التفتت الاطفال مردفه : هيا ...سنغادر هذا المكان ...ثم همت للرحيل لتمسكها يد طوسون لترمق ملامحه بأعين حمراء وهو يردف : من قال اني سأسمح لك بالرحيل ...

لتردف رسيل بغصه : ستفعل لانك لا تريد ان تكون يامن اخر ...عوضاً عن ذلك ساعدني هذه المره وسأكون ممتنه لك الي الابد

شهقت رسيل حينما امسكها من اكتافها لترتطم به وجهه قريب من وجهها وعينيه ترمقها بهوس مردفاً وهو يهز رأسه : لا اريد امتنانك ....اريدك

لتردف رسيل مميله رأسها بغصه : قلت لا يمكن للمرء ان يتعافي في نفس البيئه التي جعلته مريضاً ...اريد ان اتعافي من كل شيء مررت به لاني قد اموت اذا بقيت هنا....

ليردف طوسون بملامح سوداء : اذاً موتي

قالها ثم سحبها من ذراعها بقوه نحو الخارج وهي تدفعه وتسحب يدها منه وهو مستمر بسحبها بين الغابه حافيه حتي جرحت قدميها وهي ترتطم به كلما سحبها بقوه ملتفته نحو الاطفال الذين يقفون عند باب المسجد يرمقونها ويبكون ليس بيدهم شيء للدفاع عن انفسهم فكيف يدافعون عنها وهي تضربه بقوه وتصيح به ان يتركها لتتوسع عينيها حينما رأت القريه من بعيد وبعض النار المشتعله للاضاءه تتجول وتختفي وتعود وكأن هناك من يبحث عن شيء لتردف رسيل : سيقتلوني طوسون ...سيقتلوني لا تفعل ...ارجوك سأتي معك ...لكن لا تعيدني الي هنا ...اتوسلك

توقف الاخر رامقاً اياها لتبتلع ريقيها وهي ترتجف : سأتي معك لكن ليس هنا ...ليس بعدما حدث ...دعني اخرج من هذا المكان اللعين ...

تطلعت نحو عينيه السوداء داخل الظلام كانت مخيفه لا تعلم ماخطته ومايريد فعله لكنه ابتسم ...تلك الابتسامه السوداء والبشعه والتي لا تمت للرحمه بصله مستدير نحو جسدها بالكامل ساحباً اياها اليه محتجز جسدها بين ذراعيه وهي ترتجف ليقرب وجهه منها مردفاً : وجودك معي اسوء من هذا المكان .... أنت هنا لأنك البداية ولن ترحلي حتى تنتهي اللعبة كما أردتُ لها أن تكون....قالها لتشهق حينما سحبها من شعرها ضارباً رأسها بالشجره خلفها لتشعر بالدوار الشديد والصداع وشيء دافيء يسيل علي وجهها رامشه بثقل وهي تترنح بين ذراعيه حاملاً اياها كعروس ويبتسم وهي تمسك سترته تريد ان تهمس بشيء لكن لم تستطع لترتخي يدها في الهواء ورأسها يعود للخلف وجسدها بين ذراعيه ليبتسم الاخر ببرود واعين مرتخيه رافعاً جسدها مقبل عنقها ببطيء ثم مرر جبهته وانفه ووجنته فوق عنقها بظلام

فتحت رسيل عينيها ببطيء واضعه يدها علي رأسها لتتحسس الضماد ثم التفتت بجوارها وكل شيء ضبابي ترمش بثقل ثم نهضت ببطيء وهي تمسك رأسها بكلا يديها فاتحه عينيها باعياء وهي ترمق غرفه غريبه فاخره بشكل لم تراه في حياتها كانت قد عاشت بقصر يامن وظنت انها تعيش بقطعه من الجنه لكنها اكتشفت انها كانت تسكن حظيره حيوانات مقابل ماتراه عينيها وكأنه غير حقيقه غرفه واسعه للغايه بشكل يدعو للرهبه والسقف شديد الارتفاع يتدلي منه ثريا ضخمه من الكرستال الاسود والحديد المعتق جدارن الغرفه عباره عن احجار سوداء والنوافذ كانت شاهقة وتأخذ شكل أقواس مدببة تمتد من الأرض حتى السقف تحجبها ستائر داكنة ثقيلة لا تسمح إلا بشعاع ضئيل من الضوء الخارجي بالمرور جاعله المكان يبدو مرعب اعتصرت الغطاء الناعم الذي يغطيها وعينيها تتجول بالغرفه حتي جفلت شاهقه حينما رأت ظل اسود يجلس بعيداً بزاويه الغرفه تستطيع الشعور بعينيه المخيف وهي تنظر نحوها لتبتلع ريقيها ببطيء حينما نهض لترمش رامقه ملابسه بنطال قماشي اسود وقميص اسود ثقيل بتصميم غير مألوف لها بثلاثه ازرار علويه فقط وحبل القميص متدلي من كلا الجانبين يضع يديه في بنطاله شامراً اكمامه للاعلي وهو يقترب منها لتعود للخلف بخوف شديد لتتصلب ملامحها حينما خفضت وجهها لتجد نفسها لا ترتدي شيئاً لتسحب الغطاء الي الاعلي بسرعه محتضنه اياه برجفه وهي ترمق ملامح الاخر المظلمه والسوداء وكأنه وحش يريد تناولها

********
تقدم ميشيل واقفا خلف المنصه امام حشود  الجنود التي تستعد أمامه لالقاء كلمه اخيره قبل الزحف وحشد الصفوف قائلا بنبره حاسمه ورسميه :هذه اللحظه التي انتظرها الجميع فرصه لطلما انتظرناها لسنوات وحانت ساعه الصفر باسم الله وباسم الوطن وباسم الحريه وباسم الدماء والدمار والرماد لا تتركوهم ولا تأخذكم بهم شفقه مهما سقط سلاحنا مهما سقط اجسادنا لا تدعوا عزيمتنا تسقط نموت نموت ويحيا الوطن

صاح الجميع بتأييد وحرقه وهم ينتظرون تلك اللحظه لسنوات طويله كل شخص بهم قد نال منه الرماد والدمار وحان وقت الثأر لوطنهم وشرفهم وكرامتهم غير مكترثين للموت....التفت ميشيل نحو يد احدهم علي كتفه ليلتفت رافعاً يده تحيه احترام نحو القائد مايل ليعود للخلف ومايل يقف امامهم بهيئته وملابسه الرسميه السوداء يربط عصبه سوداء علي راسه وملامحه حاده ومرعبه مردفاً بنبره خشنه وحرقه وعروق عنقه وراسه تنتفض بحقد وكراهيه غير مكترث لتعبه رغم انه لم يستيقظ من غيبوته الا من فتره وجيزه ولم ينم لايام وهو يخطط ويجهز الجيش دون ان تغفل له عين مردف بنبره جهوريه مخيفه : نموت كي يحيا الوطن ؟ من خدعكم بهذا الشعار؟...يحيا لمن ؟...لابن زنا ينتهكه وينتهك اعراضنا؟ .....ثم صاح بغضب :نحن الوطن ان لم يكن بنا كريماً امناً حراً فلا عشنا ولا عاش الوطن

صاح الجميع بالتكبيرات وهو يرفع يده لهم بملامح توحي بالجحيم القادم  والجنود تركض الي سلاحها وعتادها للاستعداد والقوات تتقدم الي الحرب

مورسال وهو يصيح بالهاتف بحرقه :كيف واللعنه من فعلها وسرب مواقعنا مستحيل ...اغلق الهاتف ممسك رأسه بضياع  ثم نهض ليتوقف حينما دلفت سِدره ليردف مورسال بلهفه : سدره يجب ان تغادري حالاً المكان خطر عليك سارسلك بسياره مع احد الجنود والحق بك ريثما انهي المهزله

رمقت سدره حيرته وغضبه بهدوء مردفه بملامح جامده :لماذا مالخطب ؟

ليقترب الآخر منها مطوق وجهها وهو يرتب خمارها الأسود فوق رأسها مردف باستعجال :هناك  خائن سرب مواقعنا الي الجيش الوطني وهم يزحفون الآن الينا يجب علي تأمينك وإخراجك من هنا يجب ان احذر الجميع واخبر ظلام هو سيتصرف وسيخرجنا باقل الخسائر وأنت يجب ان تغادري حتي اطمئن عليكي ومان تنتهي هذه المهزله سألحق بك ها

قالها ثم أحتضنها الي صدره وهي أغمضت عينيها بحزن وابتعد نحو الباب بسرعه لتردف سِدره :مورسال

التفت الآخر نحوها لتبهت ملامحه وكان احدهم طعنه في قلبه بقهر رامقا السلاح في يديها وهي توجهه نحوه باعين حمراء هامسه : لكل ظلم نهايه ويجب ان ينتهي الأمر هنا

رمش مورسال ماسحا وجهه بيد ترتجف من القهر هامساّ : تريدين قتلي ياسدره ؟

لتدمع أعين الاخري مائله رأسها بقهر : كذبت علي مورسال ....كنت تصنع لي قيود من وهم حتي ابقي بجوارك ...كل الدمار كان من صنع يدك ....احببتك ...لهذا أنا اختار لك النهايه الأقل بشاعه ....اقترب الآخر منها وهي لم تتحرك أو تخفض السلاح حتي استقر في صدره وكأن العالم تلاشي والقيود والنفوذ والحرب وكأن كل مايريده الآن هو الفوز بعينيها بانه لازال مورسال التي أحبته رافعاً يده واضعه إياها فوق يدها التي تحمل السلاح هامساً: أينما كنتِ هذه هي النهايه التي أريدها ...اعلم أني مذنب ....اذنبت في حقك وفي حق الجميع لكني اضطررت لعيش هذا الذنب ولم استطع التجرد منه ....اخفضت سدره السلاح محتضنه إياه بقوه وهي تشهق والآخر خفض رأسه فوق كتفها ببطيء وبتعب اغمض عينيه حينما همست بحزن: وها أنا الآن أجردك منه

فتحت تانيا عينيها بينما كانت جالسه ارضا باتجاه القبله وتدعو بعدما فرغت من الصلاه مسحت وجهها و اتكئت  بظهرها علي السرير الحديدي خلفها ملتفته نحو الباب الذي فتح حينما حانت لحظه اعدامها لتجد ثلاث حارسات اتو لاصطحابها وقائدتهم تقول بنبره بأرده :هيا اورفا انهضي وضعي هذا فوق رأسك ثم القت لها غطاء اسود نحوها لترمقها تانيا ثم رفعت وجهها نحوها مردفه بهدوء : اريد قول شيء اخير اولا

انتظرت الحارسه رامقه اياها بفضول لتبتسم تانيا مردفه بهدوء هازه رأسها لاعلي  :يحيا الوطن قالتها ثم سحبت السلاح من اسفل السرير في نفس اللحظه مطلقه النار عليهم ثم نهضت بسرعه ساحبه اياهم من الممر الي الغرفه واغلقت الباب عليهم معدله ملابسها وسلاحها وتقدمت خلال الرواق بهدوء مخفضه وجهها كي لا يتعرف عليها احد وكأنها احد الحارسات حتي وصلت الي مكتب الزعيم مورسال التفتت رامقه الممر لم تجد احد لتعدل القناع فوق وجهها فاتحه المكتب رافعه سلاحها الالي بكلا يديها لتتجمد باعين متوسعه رامقه السيده سدره وهي تبكي وتحتضن مورسال ارضاً وصدره ينزف والسلاح بجوارها لتلتفت سدره نحو تانيا مردفه باختناق إثر بكائها :غادري حتي لا يتهموك بقتله

لم تعرف تانيا ماذا تفعل ابتلعت ريقيها وهي تري مورسال يتنفس ببطيء داخل حضنها وهي تشد علي احتضانه وترتجف لتغلق تانيا الباب متقدمه نحو مكتبه بسرعه وفتحت جهاز الارسال كاتبه الشيفره مردفه وعينيها نحو سدره التي تمسح شعر مورسال شارده به وهو شارد بها ولا ينطق حتي لم يكترث لوجودها وكأنه لا معني لاي شيء سوي اعين سدره بالنسبه له : حول معك رقم ثلاثه ألف ابدأ الاشاره
كررتها مرتين حتي اتاها صوت ميشيل مردف بلهفه : تانيا ....تانيا
وقبل ان تجيبه اردف الاخر بسرعه ونبره مقطعه بسبب الاشاره الضعيفه :تانيا هل تسمعيني انسحبي من المكان فورا ...القوات تتقدم نحوكم تانيا اكررر انسحبي من المكان فورا

عقدت حاجبيها لتنقطع الاشاره حاولت مجددا لكن الوقت ليس في صالحها لتلتفت نحو الملفات بسرعه واخذت تقلب بها ملقيه كل ملف ارضاً  حتي امسكت ملف تاكدت منه واضعه اياه داخل ملابسها بسرعه متقدمه نحو السيده سدره مردفه بسرعه : تعالي معي سيدتي ..لتنخفض اعين تانيا نحو يد مورسال التي شدت علي معصمها بوهن وكانه يخبرها ان تبقي لتردف سدره بهدوء : غادري سابقي هنا ...ثم التفتت نحو مورسال ممسده وجنته ماسحه بعض الدماء المتناثره عن شفتيه وتانيا خرجت مغلقه الباب  لتهمس سدره بحزن : اعتذر ....لاني اضطررت لفعلها بنفسي ...رمش الاخر بثقل وروحه تخرج ببطيء هامسه ودمعه تسيل علي طول وجنتها : آن لك ان تستريح في حضني وآن للعالم ان يستريح منك ....اغمض الاخر عينيه وهو يأخذ نفس طويل من رائحتها ولم يخرجه ويده التي تمسك خاصتها ارتخت وسقطت ارضاً  لتضمه سدره الي حضنها بقوه بيد مرتجفه شاهقه بنحيب وهي تهتز

تقدمت تانيا بخطوات سريعه نحو السرداب الخاص بفيلق الطائرات مخفضه وجهها من الجنود وهي تمر من جوارهم وما ان دلفت الي المصعد  ادرك احدهم انه لا يوجد سوي جنديه واحده تدلف الي هنا وهي أورفا التي تم إصدار قرار باعدامها ....صاح احدهم لترفع عينيها  نحو نوح الذي صاح بها ان تتوقف ليغلق المصعد في نفس اللحظه الذي رفع سلاحه نحوها ضارباً الحديد  لينزل المصعد للاسفل وتانيا تسحب أقسام  السلاح ونوح يتحدث عبر اللاسلكي الي العساكر بالاسفل بنفس اللحظه وهو يلحق بها من مدخل آخر  لترفع تانيا سلاحها وما ان فتح المصعد ضربت النار وهي تركض باتجاه الطائره الخاصه بيوريان مختبئه خلف الصناديق وهم يطلقون النار واحدهم يصيح ان يغلقوا باب السرداب من أجهزه التحكم لترفع تانيا سلاحها ضاربه المفاتيح الكهربائيه لتتعطل البوابه وهي صعدت بسرعه تحت إطلاق النار قافزه داخل الطائره مغلقه المقصوره فوقها في نفس اللحظه التي اصيب ذراعها بطلقه لتكز علي اسنانها وهي تضغط الازرار مشعله الطائره بسرعه وصياحهم بالاسفل وهم يطلقون النار علي الزجاج لتلعن والمحركات تشتعل ساحبه المقبض وهي يبتعدون دون التوقف عن اطلاق النار والطائره تنطلق كاسره حاجز الصوت بزئير محركاتها وهي تضحك والطائره تنطلق بسرعه جنونيه ساحبه المقبض لتقوم بمناوره حاده في السماء رامقه الرادار وهو يرصد الطائرات المقاتله التي صعدت خلفها  لتبتسم تانيا بملامح سوداء لأنها تعلم ان طائره يوريان الوحيده التي  لا احد يستطيع التحكم بها من الاسفل عكس مقاتلاتهم لتهمس تانيا بفراغ :الجحيم بدأ للتو أيها اللعناء ...


شهقت فاطمه بصراخ وظلام يعتصر شعرها ويضرب راسها بالحائط مجددا بقوه ثم سحبها دافعاً اياها ارضاً علي بعد امتار من قوته وغضبه لتصق اسنانها بألم وهي تشعر بكل ذره من جسدها تنزف ألماً شاهقه بنحيب احد عينيها حمراء متورمه إثر لكمته ضربها وعذبها كأنه رجل وكأنها عدوته وليس زوجته شهقت وعينها المتورمه تنزف دم وليس دموع وهي تراقبه يسير بهدوء جالساً فوق اريكه جلديه بمنتصف غرفه المكتب ساقيه الطويله مفتوحه ظهره مستقيم ومتصلب وغير مرتخي وكأنه لا يريد حتي ان يرتاح في جلسته ووشاح لينا الاسود يحاوط عنقه بدل غترته مشعل سيجاره لنفسه بملامح ميته مخيفه وسوداء عينيه مغيبه لا حياه فيها كالشيطان بارد ومخيف خاصهّ بعدما فقدها لايام وحالته تسوء اكثر وأكثر لا يفعل شيء سوي البحث عنها حتي علم بالنهايه أني السبب في فقدنها ... لثوان طويله بقي صامتاً يراقبها تنتحب وتتألم باعين بارده ثم اردف بنبره مخيفه :للمره الاخيره اين هي

استندت فاطمه جالسه ثم زحفت نحوه ماده يدها نحو ركبته متشبثه بها وهو يرمقها بلا مشاعر او حتي شفقه مردفه بقهر :لماذا ....ثم صمتت وهي تنهض جالسه علي ركبتيه بين ساقيه ارضاً ممسكه يده الضخمه بكلا يديها شعرها مبعثر علي وجهها المدمي وشفتيها تنزف مكمله بنبره قهر وحسره مميله راسها :لماذا هي وانا انتظرتك لسنوات ....حياتي باكملها اقتصرت علي نظره منك ...ثم شهقت باختناق :احبتتك اولاً وهي لم تفعل ....فعلت كل شيء لتكون لي ....استطيع التلاعب بعقول الجميع والعبث بحياتهم ومحو ذكرياتهم  لكن لما حتي لا استطيع محوها من عينيك ....اشاح الاخر وجهه عنها ساحباً نفسًا من سيجارته زافراً الدخان ببطيء وعينيها الصفراء تدمع بقهر وغصه واضعه يدها علي وجهه مجبره اياه علي النظر لها ناهضه علي ركبتيها لتقابل وجهه هامسه بنبره مختنقه :انظري لي ....انا جميله ايضا ....اميره الخالدون ...الجميع يتمناني وانت كنت امنيتي الوحيده ....

لم يجيبها بقيت عينيه ترمق ملامحها ببرود لتشهق بنحيب حينما لم تجد رده فعل منه ممسكه اياه من ملابسه هازه اياه وهي تصرخ : انت من حقي انا وليس هي منذ طفولتي وكتبوا اسمي باسمك ولم اري رجل سواك وانت تعلم ذلك ...صرخت حينما امسكها من شعرها ساحباً رأسها للخلف حتي كاد يكسر عنقها مردفاً قرب شفتيها بنبره كارهه بطيئه وقاتله جرحتها : وانا لا اري غيرها ....لا اريد سواها ....تسري في دمائي حتي النفس خانق بدونها ....احتاجها وانت مستمره بقول الهراء لذا اخبريني اين هي واعدك سأتركك حيه

ابتسمت ....ابتسمت ببطيء وعينيها تدمع ثم ضحكت بالم وهي تري ملامحه مردفه بنبره خافته ومختنقه : فعلت الكثير كي افوز بك وخسرتك لكن خسارتي فادحه ولن احترق بمفردي بل سأحرق الجميع والعالم ...رمقها الاخر باستغراب لتبتسم فاطمه مردفه : كنت اعلم انك ستختارها حتي النهايه لذا قمت بتسليم جميع مواقعنا للجيش الوطني

دفعها الاخر لتقع ارضاً وشعرها يغطي وجهها  ناهضاً  وهي تبتسم ببطيء حينما سمعت صوت صافرات الانذار الخاصه بالطوارئ  لتردف فاطمه رامقه الاخر وهو يسحب سلاحه لتردف فاطمه : لينا داخل المقبره السوداء لقد قمت ايضا بتسليم موقعها وستحترق هناك قبل ان تصل اليها

التفت الاخر نحوها بملامح مرعبه لكن الخبر اقوي من ان يضيع وقته ويقتلها خاصهً مع صوت الانذارت التي تصيح بان هناك غاره قادمه  خرج بسرعه لتزحف فاطمه نحو مكتبها جالسه خلف الكرسي معدله شعرها بألم ثم سحبت حجابها الاسود  وارتدته بهدوء وهي تبتلع الغصه ثم سحبت الهاتف ضاغطه زر ليوصلها فورا الي المكتب الرئيسي للمقبره السوداء مردفه : احرقوا المقبره لقد تم كشفها لدي الامن الوطني والجيش في طريقه اليكم اغلقت الهاتف ثم فتحت درج المكتب رامقه المتفجرات به ثم اتكتئت علي كرسيها رامقه السقف بشرود وهي تردد شعار الخالدون بنبره خافته ومختنقه : نَحنُ الأثرُ الذي لا يُمحى... والظِلُّ الذي لا يغيب.... حُكمُنا قَدَر....وبَقاؤنا أَبَد.... الأرضُ لَنا... والزَّمانُ طَوعُنا....والموتُ بوابتُنا للخلود....رمشت حينما اندفع الباب والعساكر اقتحمت المكتب رافعين اسلحتهم نحوها وهم يصيحون ان ترفع يدها لترفعهم فاطمه ببطيء لتتوسع اعين الجنود حينما وجدو جهاز تحكم في يدها وهم يصيحون ان ينسحبو للخلف بسرعه في نفس اللحظه التي همست بها فاطمه مبتسمه ودموعها تسيل ضاغطه الزر : يموت الخالدون ويبقي اثرهم حي الي الابد ....ثم اغمضت عينيها والمكان ينفجر بها

*******
#يتبع باذن الله
#ورده_عبدالله

سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك ربي واتوب اليك

سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك ربي واتوب اليك


Love U all 🥀


تعليقات

Madness come back a live

Ch |5 1999

Ch|6 1999

1999 a novel

A novel 1999

a novel 1999