Ch|13

 






مذكرات ماركو ...


ربما يتسأل الجميع لما السماء زرقاء صافيه ....ربما لانها لم تلوث بزحمه البشر بعد ....الي ان قامت الحرب واصبحت السماء سوداء محمله بغبار ملوث من الدخان والبارود .....كنت اري وطني واحلامي تتلاشي ....لم اكن احب السياسه ولا اختلط بها ....والدي موظف حكومي بسيط ومنضبط ويهتم بأخلاق وتعاليم الكنيسه هو ووالدتي ....كنت فتيً مهذب استمع دوماً لحديثهم وانفذه ....جميل كما تقول اختي ...ومااقصده والدتي الثانيه ....كنت مدللها تحملني طوال الوقت منذ الصغر الي ان كبرت وكانت ترافقني طوال الوقت حينما اتعرض للضرب من اطفال الجيران كانت تفتح رأسهم وتضربهم وتاخذني وتهرب الي الشقه وحينما يشتكي الجيران الي والدتي كانت توبخها بشده وارسلتها لدار راهبات كي تحسن سلوكها لكنها بقيت هي تانيا بعفويتها وملامحها التي احبها... شعر كيرلي بني واشقر واعين خضراء تشبه خاصتي لديها قليل من النمش علي انفها تكرهه ....لكني احبه لانه اشبه بالنجوم المتناثره داخل فضاء بشرتها الابيض ....اجد نفسي مقرباً منها اكثر ....احبها اكثر من اي شخص بالعائله كانت صديقتي الوحيده ....كانت ذكيه للغايه وكنت اجتهد حتي اكون مثلها ....خاصهً حينما تطوعت للعمل بالمشفي العسكري وبالطبع اقامت والدتي عليها الحرب لما في الجيش مع الرجال ....لم تكن تعلم والدتي ان تانيا ارجل من عشرات الرجال هناك ....بالعكس يناسب شخصيتها القويه والمرحه ان تعمل هناك ...


اما انا فكنت احلم بأخذ بعثه خارج البلد لفتح افاق اكبر لي ....لكن وضع البلد كارثي اضطررت لتقديم لاحد الجامعات هنا ريثما تسنح لي الفرصه بالخروج ....ولاني مدللهم لم تقبل لا تانيا ولا والدي ان اهاجر بطريقه غير مشروعه ....لذا كففت علي نفسي وعائلتي الفاجعه ....كنت من النوع الذي يقرأ كثيراً ....اقرء في كل شئ وكانت امور كثيره تثير فضولي ولا اجد لها تفسيراً وكنت اخشي الاستفسار عنها كفتيً مسيحي منظبط ومن عائله كاثولكيه .....لكن فضولي لم يمنع ذلك ....احيانا بالجامعه اقف وانصت حالي كباقي الطلاب عن اوضاع البلد ....اصوات احتجاجات وتأييد لنظام الدوله ومنهم من يؤيد الجماعه الارهابيه غرابيب سود ....هذا الاسم الذي اطلقوه عليهم الناس ....لان منذ قدومهم واكتشافهم كانوا كغراب اسود من الحظ السيء والدمار ....كل هذا لم يكن لي تدخل به ولا اكترث اصلاً حتي اتي يوم واقتربت مني احد الطالبات المسلمات كانت ترتدي تلك الخيمه علي رأسها كانت لطيف وهادئه للغايه وطلبت فقط اخذ احد الملخصات الخاصه بي لمحاضره مهمه ....اعطيتها بهدوء واعادت لي الملخص باليوم التالي وقالت بخجل انها لم تفهم ومن باب الاحترام عرضت عليها شرح الامر لها وافقت فورا حملت ورقه وقلم وانا اشرح لها الماده لساعه حتي قاطعتها صديقتها وهي تناديها الي الصلاه استأذنت وغادرت ....هذا عادي ...اقل  من العادي بل طبيعي للغايه ....


عادت في اليوم التالي ...لم تكن تحمل الملخصات هذه المرة...بل كانت تحمل أسئلة.... الأسئلة هي الطُعم الذي لا يمكن لعقل فضولي مثلي أن يقاومه.... قالت لي بصوتها الخافت :ماركو أنت ذكي.... ألا تشعر أن العالم يظلمنا جميعاً؟ ألا ترى أن الرب لا يمكن أن يرضى بهذا الهوان والدمار الذي يحدث لنا؟



في تلك اللحظة لم تكن تدعوني لدين آخر...كانت تدعوني لـالعدالة.... والعدالة هي اللغة العالمية التي يفهمها المظلومون داخل اوطانهم امثالي....بدأت غفران... هذا كان اسمها ....تتسلل إلى شقوق حيرتي.....كانت تخبرني أن الاختلاف بيننا ليس في الإنجيل أو القرآن...بل في الوقوف ضد الطاغوت...حتي اوقعتني داخل فخ فلسفي...رويداً رويدا... بدأتُ أشعر أن عائلتي...كنيستي... وحتى تانيا بضحكاتها الصاخبة...يعيشون في فقاعة من الوهم.... أقنعتني غفران أن السلام الذي ننشده ليس إلا استسلاماً....وأن الرب يحب الأقوياء الذين يغيرون القدر بأيديهم....بدأتُ أقرأ تلك الكتب التي كانت تمررها لي تحت الطاولة.... كتباً لا تتحدث عن الله بصفته رحمة....بل بصفته منتقماً للجياع والمضطهدين....تحول الفضول إلى هوس.... غسلوا عقلي بماء المظلومية.....أقنعوني أن انضمامي إليهم ....عبر جهاز اللاسلكي الذي فكك شفرة روحي قبل شفرة الإشارة....هو الطريق الوحيد لحماية تانيا ومستقبلي.....كنت أظن أنني أشتري حريتي....ولم أكن أعلم أنني أوقع عقد عبودية مع الموت....


لم تكن غفران تطلب مني مجرد معلومات....كانت تطلب صك غفران لروحي عبر عملية تطهير.... قالت لي بصوتها الرخيم الذي يشبه ترانيم الموت: ماركو.... الكتيبة (7) ديل شر خلف المشفي العسكري هي وكر الأفاعي.....هم من يقتلون إخوتنا.... وتحديد مكان مخازن ذخيرتهم هو جهادٌ صامت....تخيل ما ان نقضي عليهم كيف سيتحرر موطننا منهم ومن دكتاتوريتهم 


كنتُ أحاول إقناع نفسي أنني لا أؤذي أحداً.... فالكتيبة هدف مشروع في قاموسهم....لكن عقلي كان يصرخ: يا غبي... المشفى حيث تعمل تانيا لا يفصله عن سور الكتيبة سوى أمتار قليلة! طمأنتني غفران ببرود: الله سيحمي الأبرياء.... كل ما عليك هو سرقه كرت الهويه الخاص باختك لصناعه نسخ متعدده ليستطيع المجاهدون دخول الكتيبه وزرع القنابل اليدويه وتفجير مخازن السلاح قبل ان يهاجموا علي الجماعه ولان كل شخص لديه كرت هويه مشفر لا يستعمله سوي الاشخاص الذين يعملون بالمنشأه العسكريه صعب عليهم استنساخه بسبب تغيره بشكل دوري ....والامر بسيط والهدف دقيق كالجراحة....يا للسخرية.....جراحة استأصلت قلبي قبل أي شيء آخر....وتعريض اختي تانيا للخطر


لقد انفجر المكان ....لكن الانفجار الحقيقي كان في داخلي....تلاشت مبادئي...واحترقت براءتي.... أدركتُ أن الجماعة لا تريد تحرير الوطن....بل تريد تحويله إلى مقبرة كبيرة لا يملك مفاتيحها سواهم.... كان الحبل في سقفي ينتظرني منذ تلك اللحظة.....لم أمت لأنني ضعيف...بل متُّ لأنني رأيتُ.... والرؤية أحياناً تكون لعنة لا يطاق حملها...


في ليلتي الأخيرة ...طُلب مني ما لا يمكن لعقلي المسيحي الكاثوليكي ولا لقلب أختي تانيا تحمله.... أرادوا مني أن أكون العين التي تضرب المشفى العسكري بوضع متفجرات داخل غرفه اختي .....المكان الذي تسهر فيه تانيا لتنقذ الأرواح....حين حاولتُ التراجع والصراخ في وجوههم بأنني انتهيت ولا استطيع فعل ذلك ابدا .... كشفوا عن وجههم القبيح....لم يعد هناك دين أو عدالة..... بل تهديد صريح....


أرسلوا لي إحداثيات لمبنى حكومي حيوي آخر....مبنى يكتظ بالموظفين البسطاء كأبي...وأخبروني: إما أن تكمل المهمة.... أو سنخبر الأمن بصلتك بانفجار الكتيبة العسكريه....وسيكون مصير أختك الطبيبة العسكرية هو الإعدام بتهمة التواطؤ مع أخيها الإرهابي....


في تلك اللحظة.... سقط القناع عن وجه غفران....رأيت في عينيها سواداً لا يمت لله بصلة....انتهكت غفران كل مبادئي....حولتني من باحث عن الحق إلى مخبر قذر....ثم إلى كبش فداء.... لم أتحمل فكرة أن تانيا قد تُسحب إلى المعتقلات بسببي.... أو أنني سأكون سبباً في انفجار آخر يحصد أرواحاً تشبه والدي.....أدركتُ متأخراً أنني لم أكن أجاهد من أجل قضية... بل كنتُ وقوداً لحرب قذرة....لم يقتلوني بطلقة...بل قتلوني بـ الحقيقة....وجدتُ نفسي عالقاً بين صخره خيانتي الصلبه لعائلتي ومطرقة تهديداتهم بقتل والدي واختي إن تراجعت....حتي حانت الخاتمة السوداء....هل انتحرت؟ أم شنقوني وعلقوا ورقتي؟


الحقيقة أنني مِتُ في اللحظة التي صدقت فيها أن الكراهية يمكن أن تبني وطناً....تركتُ جسدي يترنح في سقف الغرفة...ليس هرباً من الحياة...بل هرباً من الوحش....الذي كدتُ أن أصبحه...يا تانيا....اعتذاري لا يكفي....لقد كنتي تبحثين عن الحقيقة.... والحقيقة هي أنني كنتُ ضحية حب وطني مزيف وقضية ملوثة....لقد خنقوني قبل أن أضع الحبل حول عنقي....قتلوا داخلي  ماركو الذي يحب الحياة...وتركوا لي جسداً فارغاً... وقفتُ في غرفتي... أنظر إلى صورتك  الجميله وأدركتُ أن موتي هو الطريقة الوحيدة لقطع الخيط الذي يربطهم بعائلتي....سامحيني يا أختي....لقد أردتُ وطناً أفضل....فأعطوني حبل مشنقة



تحسست تانيا المذكره باطراف اناملها رامقه بأعين حمراء بقعة باهتة لدمعة من اخيها جفت فوق كلمة سامحيني وهي تقرأها للمره المئه مبتلعه الغصه في حلقها المختنق ثم احتضنت مذكراته الي صدرها وهي ترتجف رامقه نار الحطب التي تنبعث من المنقد المعدني امامها والشرار يتطاير داخل فراغ الصحراء المظلمه ....رفعت عينيها نحو السماء رامقه النجوم وهي تربط علي المذكره فوق قلبها وتغني بتهويده اعتادت غناءها لاخيها في طفولتهم حتي ينام  بصوت مقطع ومختنق بالعبره والقهر ..... دللول يا الولد يا ابني دللول....دللول يا الولد يا ابني دللول

....عدوك عليل وساكن الچول

يُمه.. سويتلك كاروك من عود السنان

والشراشف من حرير ومن كاشان

....نام يا ابني نام.. نومة الغزلان

أدعي من الله.. ربي يخليك

ومن كل عين حاسد يحميك

تكبر يا يمه.. وبيدي أزفك وأفرح بيك

دللول يا الولد يا ابني دللول

عدوك عليل وساكن الچول...اختنقت تانيا بكلماتها الاخيره وشفتيها ترتجف حتي شعرت ببطانيه توضع فوق اكتافها لتحتضن المذكره داخل ملابسها السوداء رامقه يوريان وهو يتقدم من خلفها جالساً ارضاً بملابسه السوداء الخاصه بالمهمات واللثام علي وجهه وضوء النار ينعكس داخل زرقاويته الشفافه ....مد يده حاملاً العصا واخذ يقلب الحطب داخل النار مردفاً : لما لازلت مستيقظه الم تنتهي مناورتك 


احتضنت تانيا البطانيه حول جسدها مخبئه المذاكره بحضنها ثم ضمت ساقيها الي صدرها وهي تتكئ بفكها فوقهم مبتلعه غصتها وهي تردف : الغرفه تشبه القبر خانقه ومظلمه ...لستُ معتاده عليها بعد


اومئ الاخر بهدوء ثم مال بجزعه العلوي للخلف متكئ علي ذراعه الضخم بارزاً صدره وعضلاته مميل رأسه قائلاً : اعتقد انه مر وقت كافي لتعتاديها ؟


هزت تانيا رأسها دون ان تشيح عينيها عن الحطب المحترق كروحها : لن اعتادها ....انا طائر حر ....لا يهوي الاقفاص مهما حاولت تزينه لي ....


شعرت تانيا بعينيه نحوها لم يعلق وكأنه يؤيد كلامها استغرق دقائق ولم يردف كلمه مدت يدها حامله براد الشاي الساخن وافرغت كوب صغير ثم مدته نحوه مردفه بهدوء : الا تحتسب هذه خلوه ؟...ماذا حدث بخصوص الفتنه 


رأت تانيه ابتسامه وصلت لعينيه سرعان مااختفت تحت لثامه الاسود ....مد يد ساحباً اللثام عن وجهه ثم حمل من يدها الشاي مردفاً بهدوء قبل ان يأخذ رشفته الاولي : انت من تحبين الوقوع في الحرام لدينا حل يجعله حلال وانت ترفضين 


اشاحت تانيا وجهها بهدوء وهي تفرغ لنفسها كوب شاي مردفه : الحل الخاص بي افضل 

ليردف يوريان بتسأول:وما هو؟

لتردف تانيا : ان تذهب وتضاجع نفسك 

جفلت تانيا حينما ضحك الاخر بصوت عال غير مكترث للحرس ولا لاي بشر اخر في الوجود لتلعن نفسها في سرها كيف لا تستطيع امساك لسانها السليط امامه وكأنه يحب استفزازها لاخراجه عنوه 


توقف الاخر عن الضحك وتلك الابتسامه التي تجعلها تعض شفتيها من الداخل كي لا تصرخ من شده جمالها ...تباً لما هو وسيم اليس من المفترض انه شرير وقبيح كما يحدث في الافلام لما الاشرار هنا وسيمه وفاتنه؟! .....اشاحت تانياً وجهها عن عينيه التي ترمق وجهها بشرود وكأنه افتقده ...وبالفعل لم تلتقي به منذ فتره وتلك المرات كانت تضع بها النقاب بسبب صارمتهم حول الملابس ...وان الجنديات لا يجب اظهار شيء من اجسادهم او وجههم لانهم ليسو سلعه وانما جنود ومحاربات يجب ان ينظروا الي القدر من القوه والذكاء الذي يملكوه وليس القدر من الجمال لديهم 



كسر الصمت صوت يوريان وهو يردف بهدوء : لازالتي تريدين التدرب علي ركوب الطائرات الحربيه ؟....التفتت تانيا له بلهفه لترمش مردفه : استطيع؟

لم يجيبها يوريان كان يقلب الحطب داخل المنقد بشرود بينما يحمل كوبه بيده الاخري مردف بشك داخل عينيه : طبيبه وتريد مخالب صقر ....اشعر وكأنك تبحثين عن هروب لا عوده منه ...لا اعتقد ...في الجيوش النظامية... نادراً ما يجمع الشخص بين المهنتين لأن كلتيهما تتطلب سنوات من التدريب الشاق....


مسحت تانيا وجهها وهي تعتدل مقوسه ساقيها بلطافه مردفه : انتم تمتلكون ترسانه تحت الارض وهذه ستكون الخطه الاخيره من الحرب التي تنهون بها كل شيء ....انا كطبيبه امتلك ميزتين لا يمتلكها المقاتل العادي ولا اي امرأه داخل الخالدون ....انا لدي ثبات انفعالي كطبيبه عسكريه تعمل تحت ضغط الدماء والصراخ وهذا ما يحتاجه طيار الخالدون ...لدي ذكاء تحليلي استطيع استيعاب لوحات التحكم المعقده بسرعه ....انتم لم تخرجوا الترسانه الحربيه للنور لانه ليس لديكم جنود مدربه بعد علي قياده الطائرات لان وجود ثغره بها ستكون نهايتكم خاصه ان الترسانه لاتحتوي علي عدد كافي لقتال ترسانه الجيش الوطني لهذا انتم في مهمات لتدمير خزائن الاسلحه والمسيرات  اليس كذلك ؟



اتسع بؤبؤ عينين يوريان قليلاً وتوقف الجمر عن الحركة تحت ضربات العصي في يده ....كان تحليل تانيا كالمشرط الذي وضع يده على الجرح تماماً..... لم تكن مجرد طبيبة تتسلى....بل كانت عقلية عسكرية تقرأ رقعة الشطرنج من الأعلى قبل أن تطأ قدماها غرفه القيادة....وضع كوبه جانباً والتفت إليها بجسده بالكامل وضوء نار المنقد يرسم ظلالاً حادة على ملامحه الرجولية.... اقترب قليلاً حتى لفح هواء الصحراء البارد حرارة أنفاسه الممتزجة برائحة التبغ والشاي المر:أنت مرعبة اورفا.... ذكاؤك هذا هو ما جعلك حية...وهو ذاته ما قد يدفعهم  لقتلك يوماً ما....


سكت للحظة ثم اكمل بنبرة منخفضة وشديدة الجدية:نعم.... الترسانة تحت الأرض هي حصان طرواده في معركتنا الأخيرة.... الطائرات التي نملكها ليست مجرد حديد....إنها أشباح صُممت لتختفي عن الرادارات....لكنها تحتاج إلى أشباح بشرية لتقودها.... المقاتلون هنا يملكون الشجاعة.... لكنهم يفتقدون البرود.... ذلك البرود الذي يجعلك تخيطين شرياناً مفتوحاً بينما القذائف تتساقط فوق رأسك....


جفلت تانيا حينما مد الاخر يده وأمسك طرف البطانية التي تحيط بأكتافها سحبها برفق لتقترب تانيا منه أكثر وعيناه الزرقاء تخترق صمتها وخضراوتيها التي ذبلت من قربه ورائحته  هامساً بنبره رجوليه خشنه : الجيش الوطني يمتلك الأعداد...ونحن نمتلك النوعية.... إذا كنتي تظنين أن لوحات التحكم مجرد أزرار... فأنتي واهمة.....إنها علاقة حب سامة بينكِ وبين الموت.... ضغطة واحدة خاطئة ولن يتبقى منك حتى الرماد ليدفن....


لمعت اعين تانيا بفراغ وشراره وابتسامه مختله وكأنها اعجبها الامر لم يستطع يوريان تجاهل ملامحها ليردف بصوت عميق وخافت:

غداً... عند الفجر.. حين يغيب القمر وتظل الصحراء في عتمتها العمياء.... لا تذهبي للمناورة....انتظري خلف مستودع الوقود الشمالي....هناك مصعد لا يعرفه إلا الخالدون من الرتبة الأولى.....سأريكي هناك  الجحيم الذي ترغبين في امتلاكه...ثبت عينيه على شفتيها للحظة وكأنه يتذكر مذاق تلك القبلة التي زلزلت كيانه مبتلع ريقه بفراغ قبل أن يعيد لثامه الأسود ببطء وهو ينهض بوقار يشبه الفارس الاسود بضخامته وقسوة ملامحه وجسده مردف بهدوء :نامي الآن.. فالطيران يحتاج لعينين لا ترمش.... وقلب قد مات بالفعل.... وأعتقد أن قلبك قد شُيعت جنازته منذ زمن...أليس كذلك؟


لم ينتظر اجابتها وكأنه يعرفها ...تركها ورحل في جوف الليل....تاركاً إياها مع مذكرات أخيها المخبأة فوق صدرها ونار المنقد التي بدأت تبرد  وحلمها الذي بدأ يتجسد كحقيقة مرعبة تحت رمال الصحراء وهي لا تصدق انه واقف بالفعل ...



لا تعرف كيف مر الوقت ....كانت تتأكل وهي تنتظر اللحظه التي انتظرتها طويلاً طوال تلك الاشهر هنا واخيراً حانت لحظتها ....في اعماق الارض داخل مصعد مخفي كانت تهبط مع يوريان الي الورش السفليه حيث الضوء الصناعي البارد يغلف المكان وكأنك داخل عالم اخر ....دوله داخل دوله ...ومنظمه تخطت الحدود ....ليس فقط عقليه متوحشه وانما عقليه حربيه مخيفه ....


توقف المصعد وخرجت تانيا خلف يوريان الذي كان يتقدم خلال الممر 

حيث أطبقت ظلمة السرداب الأسفلتي على المكان فلم يكن هناك سوى ضوء صناعي باهت ينبعث من مصابيح الطوارئ المعلقة فوق الجدران الخرسانية السميكة واختلطت رائحة الوقود النفاذ برائحة البارود وزيت المحركات لتعطي انطباعاً بأنك في معمل للموت لا في حظيرة طائرات....


توقفت تانيا التي كانت ترتدي بزتها القتالية السوداء واللثام يغطي نصف وجهها متجمدة أمام الهيكل المعدني العملاق في قلب الظلام....كانت طائرة نفاثة....لكنها لم تكن تشبه أي طائرة رأتها في الكتائب العسكرية من قبل....جسدها مصبوب من خليط معدني أسود مطفأ.... بلا زوايا حادة.... وكأنها نُحتت لتكون شبحاً يمتص الضوء والرادار....خطوطها الانسيابية وعدسات الرؤية الليلية المثبتة في مقدمتها جعلتها تبدو كخفاش ميكانيكي عملاق استيقظ للتو ليمزق ستار الليل بصرخته فوق الصوتية....شعرت تانيا برعشة غريبة تسري في أطراف أناملها وهي تمد يدها المرتجفة لتلمس الجناح البارد.... والملمس اصابها بقشعريره....كان المعدن يبدو حياً....كجلد وحش بري ينتظر إشارة الانطلاق....


التفتت برأسها نحو يوريان الذي كان يقف خلفها بمسافة قصيرة متكئاً بظهره العريض على إحدى القواعد الخرسانية يدخن وهو يراقب دهشتها وانبهارها ببرود شديد ....ملامحه الوسيمة والقاسية محجوبة جزئياً بظل القبعة العسكرية.....أنزلت تانيا لثامها ببطء لتظهر ملامحها الشاحبة وعيناها الخضراء الفارغه ورغم الغصة التي كانت تخنق حلقها إلا أن صوتها خرج قوياً وثابتاً وهي ترمق الطائرة ثم تعيد نظرتها إليه:أريد أن أكون خلف مقود هذه المحاربه.....أريد أن أمزق السماء بها....



سحب يوريان نفساً عميقاً وطويلاً من سيجارته...وتصاعد الدخان الأبيض الكثيف ليعانق جناح الطائرة الأسود مسبب هاله مرعبه  حوله ثم نفثه ببطء شديد وهو يتقدم خطوات نحوها  وعينيه الزرقاء الشفافه شاخصه داخل خاصتها مردف بنبرة صوت تحمل تحذير مبطن ممزوج بسخرية لاذعة:الطيران الحربي ليس نزهة يا صغيره ..... الجاذبية هناك لا ترحم... ستمزق أحشاءك الرقيقة وتجعل عظامك تصرخ... والارتفاع سيجعلك تنسين اسمك ...وتفقدين صلتك بالأرض وبمن فيها...


رمشت تانيا وهي ترمق فمه وهو يتحدث ثم عادت بعينيها نحو جثة الخفاش الميكانيكي  والتفتت معطيه ظهرها ليوريان وشددت قبضتها فوق المعدن البارد وكأنها تستمد منه القوة لإكمال كلماتها التي كانت بمثابة ميثاق دم جديد وهي تهمس داخلها ....لقد نسيتُ اسمي بالفعل .... نسيته تماماً في اللحظة التي شنقتم فيها أخي وتركتموه يترنح في سقف الغرفة.. في تلك اللحظة... مِتُّ أنا أيضا....وما تراه الآن هو مجرد شبح يبحث عن القاتل.....أريد أن أكون الموت الذي يأتي من السماء....صاعقة لا تُرى ولا تُسمع إلا حين تضرب....لا أريد أن أزحف كالأفاعي في الرمل وأنتظر دوري.....أريد أن أختار متى وكيف سأنتقم....ارادت قول ذلك لكنها لم تفعل ابتسمت بلطف شديد واعين مظلمه ملتفته نحو يوريان مردفه: متي سنبدأ اذاً؟


رمش يوريان ببطء دون اغلاق عينيه رامقا عينيها وبؤبؤها المتسع بسوداويه ليبتسم يوريان ببطء شديد وشرود غريب طغى على عينيه وملامحه وكأن ابتسامة تانيا المظلمة قد لمست وتراً معطلاً في أعماقه....لم تكن ابتسامتها تدل على اللطف الذي تدعيه... بل كانت كشرارة باردة تخرج من وسط رماد امرأة احترقت بالكامل.....أخذ نفساً أخير من سيجارته ثم ألقاها أرضاً وهرسها بطرف حذائه العسكري الثقيل ببطء وتلذذ وهو لا يزال يحدق في بؤبؤ عينيها المتسع بسوادوية مخيفة....انحنى بجسده الضخم نحوها قليلاً ليهمس بصوت خشن و خالٍ من أي مشاعر :

سنبدأ الآن اورفا ....الأرض لم تعد تتسع لجنونك والسماء وحدها هي من ستقرر إن كنت صاعقة.....أم مجرد حطام آخر سينضم لهذا السرداب....


أمسك ذراعها بقبضة حديدية لا ليدفعها بل ليقودها نحو سلم قمرة القيادة الصغير واكمل وهو يرمق الطائرة السوداء بقدسية محارب:

تذكري جيداً.. بمجرد أن تغلق هذه المقصورة عليك  سينقطع الهواء عن تانيا القديمة.... هناك... لا توجد رحمة... لا يوجد ندم... ولا توجد جاذبية تمسك بقلبك... هناك أنت والموت.. والسرعة التي ستجعلك تضحكين على أوجاع البشر في الأسفل....


صعدت تانيا الدرجات المعدنية وكان صوت حذائها يرتطم بالمعدن وكأنه دقات طبول الحرب....جلست في المقعد الضيق الذي تفوح منه رائحة الجلد والكهرباء الساكنة....وفور أن وضع يوريان يده على حافة المقصورة لينحني فوقها ويقوم بربط أحزمة الأمان لها التقت أعينهما من جديد.....كانت المسافة بين وجههم معدومة وكان بإمكانها رؤية انعكاس صورتها المشوهة بالانتقام وشريط الخالدون علي جبهتها داخل زرقة عينيه التي بدت في هذه اللحظة أعمق من المحيط....ليهمس يوريان بهدوء مرعب وهو يثبت الخوذة فوق رأسها:

لا تحاولي الهروب بها يا صغيرة.. لأنني سأكون أول من يضغط على زر تدميرك من الأسفل إذا شعرت للحظة أنك قمتي بخيانه الخالدين.... أو قمتي بخيانتي


أغلقت المقصورة الزجاجية بصوت ميكانيكي حاد....وعزلت تانيا عن العالم تماماً....وفي تلك اللحظة....وسط الظلام الدامس....لم تسمع تانيا سوى دقات قلبها وهي تهمس لروح أخيها مغمضه عينيها قبل ان يتسلل لها صوت يوريان عبر السماعات ....ماركو....فلترقد روحك بسلام ....سأحرق سماءهم لأجلك...كما احرقت روحك لاجلي ....وضعوا حبلاً حول عنقك الجميل ...وانا سأضع البارود داخل افواههم ....: مستعده ؟!


شعرت تانيا بقشعريره سرت في جسدها حينما همس صوت يوريان داخل اذنها فتحت تانيا عينيها ببطء وفي تلك اللحظة لم تعد ترى لوحة التحكم أمامها كمجرد أزرار وشاشات....بل كلوحة مفاتيح لقدرها الجديد.... همس يوريان عبر السماعات المدمجة في خوذتها وصوته الذي كان دائماً خشناً ومستفزاً أصبح الآن يبدو كترنيمة شيطانية تمنحها الإذن بالتحليق فوق جراحها....


أطبقت يدها على مقبض القيادة وبرودة المعدن تغلغلت في راحة كفها لتردف بصوت لا يعرف الرعشة....وكأن تانيا الطبيبة قد تبخرت ولم تبقَ سوى أورفا المحاربة هامسه بنشوه وقلبها يخفق بقوه : الموت مستعد دائماً يا يوريان...انطلق ...


دوى صوت المحرك النفاذ في أرجاء السرداب واهتزاز عنيف ضرب جسد الطائرة وكأنه زلزال يحاول شق الأرض ....شعرت تانيا بضغط الجاذبية يدفع صدرها نحو المقعد ....تماماً كما دفعها القدر نحو هذا المستنقع.... تحركت المحاربة السوداء ببطء على المدرج التحت أرضي وفي عينيها الخضراء المنعكسه على زجاج المقصورة لم يعد هناك أثر للدموع.....فقط وميض أخضر بارد يشبه أضواء الرادار.....ويوريان كان يقف في غرفة التحكم يراقب انطلاقها عبر الشاشات يتكتئ بجسده الضخم فوق كرسي التحكم بشرود والسماعات فوق اذنه والمكبر امام فمه واضعاً يده فوق قلبه دون وعي هامساً لنفسه:

أيتها المقدسة.....لقد أطلقتُ سراح شيطان لن يستطيع أحد... ولا حتى أنا... إعادته إلى القفص....



انفتحت البوابة العميقة في نهاية النفق....لتكشف عن فوهة بركانية تؤدي إلى سطح الصحراء وفي لحظة انطلاق الصاعقة نحو السماء....لم تشعر تانيا بالخوف من الموت....بل شعرت بالنشوة.....نشوة السقوط نحو الأعلى ...حيث لا قانون يحكم.... ولا رحمة تُطلب....لكل شيء نهايه ....سبق ان حفرت ذلك ذات يوم على حجر أبيض وها هي اليوم ...تحفره داخل السماء ....



اعتصرت تانيا المقبض ويوريان يهمس في أذنها بنبره خشنه وخافته لا تعلم لما تسبب قشعريره في جسدها : أورفا....لا تلمسي المقبض الأحمر....دعي الطائرة تتعرف على نبضات قلبكِ أولاً....الطائرة مبرمجة ألا تخرج عن نطاق معين في الصحراء وإذا حاولت الهروب أو الارتطام سأقوم بـ الإغلاق عن بعد Remote Override واستعادة السيطرة....


اومئت  تانيا وهي تشعر بضغط هائل يحاول سحق قفصها الصدري.....كانت عيناها مثبتتين على الشاشات التي تومض بالأزرق والأخضر وصوت يوريان يهمس لها عبر السماعات: تنفسي يا صغيره..... لا تحاربي الجاذبية....بل كوني جزءاً منها...أنا أتحكم الآن بمسار الإقلاع....استشعري حركة الأجنحة وكأنها أطرافكِ....خذي نفس عميق واجعلي جسدك يسترخي كما سيفعل يوماً ما اسفلي 



عقدت تانيا حاجبيها عاضه شفتيها من الوغد لتردف : فاسق متدين 


سمعت ضحكه الاخر وهو يعض سبابته رامقاً اياها من خلال الشاشات.....كانت تانيا تشعر بالمقبض يتحرك تحت يدها تلقائياً....يوريان هو من يقود من الأسفل وهي مجرد راكبة في مقعد القيادة....شعرت بالغيظ.... هي لا تريد أن تكون دمية في يده حتى في السماء....


تانيا بأنفاس متلاحقة وهي ترمق السماء الشاسعه :يوريان.. اترك لي المقبض....أريد أن أشعر بالحرية التي وعدتني بها....


يوريان بضحكة خافتة وباردة: الحرية تُشترى بالدم يا صغيرة...وليس بتهور الأطباء....إذا تركتُ لكي السيطرة الآن...ستسقطين كبجعه حمقاء.... تذكري.. أنا عقلك المدبر في الأسفل.... وأنت هوسي في الأعلى....كوني مطيعة لمرة واحدة....لتصق تانيا اسنانها مردفه بغيظ : لستُ حمقاء ولا غبيه ....استطيع تولي الامر ....انها سهله لا يوجد شيء مخيف هنا 


فجأة في نفس اللحظه قام يوريان بمناورة حادة Barrel Roll ومالت الطائرة بزاوية 360 درجة وشعرت تانيا بالعالم ينقلب رأساً على عقب في السماء....صرخت صرخة مكتومة.... ليس خوفاً... بل من لذة القوة التي شعرت بها وهي معلقة بين السماء والأرض....بينما يوريان يراقب علاماتها الحيوية على شاشته بابتسامة غامضة مدركاً أنها بدأت تدمن هذا النوع من الخطر.....ليعدل الطائره وجسده يرتخي فوق الكرسي بابتسامه وهو ينصت الي صراخ تانيا وصياحها الحماسي :وه هووووو....كان هذا رائع ...افعلها مجددا ....ابتسم يوريان متكئ بفكه فوق يده علي اطار الكرسي وهو يرمق الاخري من خلال الشاشات بابتسامه واعين مظلمه وشارده حينما تركت المقبض وفتحت ذراعيها رافعه رأسها مستشعره كونها طائر حر ....يوريان بهمس وذبول:اورفا 


لتبتسم تانيا بهيام وهي ترمق السحاب فوقها بأعين خضراء شفافه :نعم يوريان


يوريان بملامح غير مفسره شارداً بها عبر الشاشات : لا شيء ....افتقدتكي هنا 

ابتسمت تانيا واردفت بهدوء: ها انا قادمه اليك  يوريان....اعتقد اني ايضاً افتقدتك .....اومئ يوريان ولازال شارداً بها مدركاً في تلك اللحظة أن أورفا لم تعد مجرد جندية في صفوفه.... بل أصبحت قِبلة سرية لصلواته الملوثة بالرغبة... اصبح يهواها بهوسٍ يرتدي ثوب التقوى.... يراقب سكناتها كأنها آيةً يخشى تحريفها ....ويحرس عفتها بضراوةٍ لا ليحمي دينها.....بل ليبقى هو الكافر الوحيد الذي يمتلك حق احتلال محراب قلبها......




كانت الطائرة تهبط في جوف الأرض وكأنها نسر يعود إلى وكره المظلم... صوت المحركات بدأ يهدأ تدريجياً ليتحول إلى أزيز منخفض يتردد صداه في الممر الخرساني الواسع....وبمجرد أن استقرت المحاربة السوداء في مكانها انفتح الغطاء الزجاجي للمقصورة ببطء ليندفع هواء السرداب البارد ويلامس وجه تانيا المتعرج والمشتعل بالأدرينالين....نزعت الخوذة بعنف لينتزع معه حجابها ....وشعرها المجعد الذي كان حبيساً تطاير بحرية فوق أكتافها ...عيناها الخضراء كانت تلمع ببريق لم يره أحد فيها منذ ليلة مقتل ماركو.....


ترجلت من الطائرة بخطوات سريعة....تكاد تتعثر من فرط الحماس لتجد يوريان واقفاً بانتظارها عند أسفل الدرج المعدني واضعاً يديه في جيوبه يراقبها بنظرة غامضة وغير مفسره وابتسامه فوق ثغره الايسر.... لم تكن تانيا في تلك اللحظة أورفا المنتقمة ولا الطبيبة الرزينة....كانت مجرد كتلة من المشاعر المتفجرة التي وجدت أخيراً مخرجاً لخنقتها....وفعلت شيء اشبه بحلم طفوله قد نسيت وجوده مع العادات والتقاليد والقيود ....

وبدون تفكير وباندفاع أعمى أذهل الحراس القلائل في المكان الذين اخفضوا رؤوسهم ماان رمقهم يوريان بتحذير لتقفز تانيا نحو يوريان و لفت ذراعيها حول عنقه بقوة ودفنت وجهها في كتفه وهي تضحك بهستيريا ونفسها متقطع:لقد فعلتها...يوريان.. لقد كنتُ هناك.. فوق كل شيء! شعرتُ وكأنني ألمس النجوم بيدي....وكأن العالم كله مجرد حبة رمل صغيرة!


تجمد يوريان في مكانه كأنه صخرة صماء ووجهه تحول للاحمر ....لم يكن يتوقع هذا الهجوم العاطفي المباغت ابتلع ريقيه ببطيء حينما شعر بجسدها الدافئ يرتجف ضده وبرائحة شعرها التي اختلطت برائحة وقود الطائرات...لثوانٍ معدودة... سقطت كل حصونه و تلاشت الفتنة التي كان يخشاها مغمض عينيه اخذاً نفس عميق من شعرها فاتحاً عينيه ببطيء وكأن رائحتها ارهقت روحه...ثم رفع يده ببطء وكأن يده تتحرك بإرادة غير إرادته... ارتفع ذراعيه الضخمان لتحيطا بخصرها النحيل وشدد قبضته عليها للحظة مغمضاً عينيه وهو يستنشق أنفاسها المتلاحقة عند عنقه مسببه قشعريره سرت داخله هامساً بصوت خافت كاد لا يُسمع وسط صخب المكان:لقد قلتُ لكِ يا صغيرة.. السماء لا تعيد من يذهب إليها كما كان....


استوعبت تانيا فجأة ما تفعله.. شعرت بصلابة صدره وبيديه اللتين تحتضنانها بتملك وأنفاسه التي لفحت أذنها حتي  تيبست أطرافها وتوقفت ضحكتها تدريجياً لتبتلع ريقيها بارتباك....رفعت رأسها ببطء وهي لا تزال داخل حصار ذراعيه لتلتقي عيناها بـزرقاويتيه التي  كانت في تلك اللحظة أكثر صفاءً وعمقاً من السماء التي عادت منها للتو....


ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت قطرات الزيت المتساقطة من محرك الطائرة خلفهما.....كانت أنفاسهما تمتزج في الهواء البارد والمسافة بينهما قد تلاشت تماماً مما جعل تانيا تدرك في تلك اللحظة أنها لم تسقط فقط في فخ المنظمة.....بل سقطت في فخ أخطر بكثير....فخ الرجل الذي يمثل كل ما يجب أن تكرهه.....



*********


اخفضت رأسها رامقه يديها في حجرها وهي تعبث بخاتم زواجها الذي مر عليه ثلاثه وثلاثون سنه ....ثلاثه وثلاثون عاماً تلاشي لتقع بنفس المصير الذي هربت منه سابقاً ....اغمضت عينيها ببطيء حينما سمعت صوت خطواته امام الباب وبقي واقفاً مترددا ....لم يفتح لدقائق طويله تشعر بعينيه خلف الباب لكنه لا يمتلك الشجاعه لفتحها والدخول كما كان جباناً سابقاً ....ثلاثه وثلاثون عاماً فرقت بينها وبين محبوبها التي استعدت لمحاربه العالم لاجله وهو لم يستطع محاربه نفسه ....فتحت عينيها بهدوء حينما فتح الباب اخيراً ببطئ شديد بالكاد تسمع صوت خطواته ثم اغلقه خلفه وساد الصمت مجددا ....ربما شارداً كما كان يفعل دوماً حينما يراها ...يتجمد ولا يعرف ماذا يفعل ....رجل كان شجاع بما يكفي لخوض الحروب لكن ليس بالشجاعه الكافي لينظر داخل عينيها ....ابتلعت سدره ريقيها ثم نهضت واقفه واخذت نفس طويل قبل ان تلتفت نحوه رامقه اياه....لم يتغير ....لازال وسيماً حتي الشيب البسيط الذي غزا لحيته وبعض خصلاته السوداء لم تُفقده وسامته عينيه وطوله..... بقي واقفاً خلف الباب يرمقها بهدوء وطال صمتُه حتى ظنت أنه سيبقي صامتاً الي الابد .....لكنه نطق أخيراً بصوت أجش غلفه الصدأ: ثلاثة وثلاثون عاماً يا سدرة.. ولم أتعلم بعد كيف أتنفس في حضرة عينيكِ....


رمشت سدره مبتلعه ريقيها طوال الاشهر الماضيه قام بحجزها هنا دون فرصه واحده لتحريرها تذكر كم بكيت حينما رأته ....والسبب الوحيد لقبولها هذا الزواج هو شرطه الحقير حينما قاله بلا تردد بعد شهر كامل من احتجازها ورفضها لمقابلته او الحديث معه اخبرها ببساطه انه يستطيع ادلاء معلومات عن اطفالها مقابل شيء واحد ....ان تصبح زوجته ....وبعد ثلاثه اشهر جعلته ينتظر ببطيء كالموت ....وافقت بالفعل ....وافقت بعدما يأست تماماً من الحبس داخل غرفه ولا تلتقي بأحد ولا احد يراها ....لكنها كانت تعرف انه كل ليله يقضيها خلف بابها يدخن سجائره وعينيه لا تفارق باب غرفتها ....يظن اني لن اشعر به لكني كنت افعل ...اشعر بعينيه وهي تتمني ان تخترق الباب لتراني وانا حرمته رؤيتي ....وكان هذا شرطه ...ان اقبل به مقابل اي معلومه عن ابنائي .....وها قد فعلت دعست علي قلبي وعقلي في سبيل شيء واحد ابناءي ولا شيء غيرهم ....تطلعت نحوه حينما اقترب منها بهدوء وخطوات متزنه وهي تقف بجمود وشموخ واعين جامده وقاسيه ....اي امرأه مكانها قد ترتعد منه ...تسمع عنه تعرف كل شيء بخصوصه ...تعرف الي اي مدي وصلت قوته وشره ومع ذلك لا تهابه ولا تخافه ...لانه مهما اصبح سيبقي دوماً مورسال الذي ترتجف يده حينما يراها او تتحدث اليه ....اخفضت عينيها نحو يده التي يعتصرها ثم رفعت عينيها ورأسها ببرود وهدوء نحو ملامحه الجامده  مردفه بنبره بارده: اين هم ابناءي مورسال 


لم يجيبها فقط وجدت عينيه شارده بتفاصيل وجهها حتي استقرت نحو شفتيها مردفاً بنبره خشنه وخافته : قلت شرطي ياسِدره ...ان تصبحي زوجتي اولاً وانا لم المس طرف ثوبك بعد 


اغمض الاخر عينيه حينما صفعته سِدره بقوتها رامقه اياه بأعين حمراء مرتجفه وهي تتنفس بصوت عالً فتح الاخر عينيه بهدوء وفك متصلب دون ان ينظر لها حتي شهقت حينما امسكها من اكتافها معتصر اياهم بقسوه لترتطم به رامقه عينيه وهي تتنفس بصوت عال ورعشه سرت في جسدها من قربه رامقه اياها بملامح غاضبه وهو يردف بنبره حاده : هل قلت شيء خاطيء ...هل طلبت الا حقي بك الذي سلبته مني لاربعين سنه من عمري افنيته في ....لم يكملها صق اسنانه رامقاً اياها وانفاسه الغاضبه تلفح وجهها لتردف سِدره بصوت خافت : انت تؤلمني  مورسال ....ارتخت يد الاخر التي تعتصر اكتافها رامقاً ملامحها بهدوء شديد وذبول ثم انحني نحو وجهها قاصداً شفتيها لتبعد سدره وجهها دافعه اياه برجفه متقدمه نحو المرآه رامقه ملامحها الشاحبه مردفه بحزم وصياح وهي تعتصر يدها كي تخفي ارتباكها من قربه : اولادي مورسال ...ثم التفتت : لدي امل ...طلما وضعت زواجي شرطاً اعلم انهم بخير ....قلبي يحترق ...لا تعلم كيف يحترق قلب الام علي اطفالها ....فقط اخبرني ها....رمقها الاخر بجمود فقط مسح وجهه ثم تقدم نحو الفراش جالساً مخرج لنفسه سيجاره واضعاً اياها بين شفتيه لتتقدم الاخري ساحبه اياها من فمه قبل ان يشعلها ليرمقها بشرود كانت هذه عاداتها كلما اراد التهرب من الحديث يشعل سيجاره وهي كانت تسحبها من فمه مخبره اياه انها عاده سيئه وحرام ....رمش مخفض وجهه نحو معصمه رامقاً وشم الصليب الذي حرقه بسيجارته بالليله التي تزوجت بها لتنحني سدره امام وجهه رامقه اياه بملامحها ...وجهها المدور وعينيها الواسعه شفتيها والنور الذي ينبعث منه ....طلبه بالزواج بها لم يكن ابتزاز بالمعني الرخيص وانما كان يريد امتلاك الوقت معها ...يعلم انها بمجرد اخبارها بمكانهم ستتركه وترحل ...هو جبان امامها لانه استغل ابناءها ليشتري لحظات في حضرتها ...لانه لا يصدق ان سِدره اصبحت اخيراً خلف بابه ...المرأه الذي لا يملك القوه في حضرتها ولا يستطيع اجبارها او حتي ايذائها .... 


نظرت سدرة لندبة الحرق على معصمه....ثم لعينيه اللتين غشاهما الضباب وقالت بصوت مخنوق بالدموع: الم تكتفي ....الم تكتفي يدك بسفك الدماء مورسال ....احرقت العالم ....الدوله ....القبور اصبحت في كل مكان ....لم تكتفي بسلب حياتهم ...بل احرقت كل شيء حولهم فقط لانهم ظلموك يوماً ....والان تنتقم من الشخص الاخير ....حانت اللحظه لتنتقم مني .... تريد إحراق ما تبقى من عمري بهذا الصمت؟ أين هم يا مورسال؟ اين ابنائي ....


تطلع الاخر نحو عينيها واحده تلو الاخري رامقاً الحجاب الاسود ثم مد يده ورفعها ببطيء وهي ترتجف بخفوت ليلمس رموشها وطرف حجابها بتردد وصدره يعلو ويهبط للمره الاولي لم تمنعه لانها بالفعل اصبحت زوجه له وتلك الحقيقه جعلت قلبه اللعين الذي ظن انه ميتاً خفق ....انخفضت عينيه نحو  السيجارة التي سحبتها سدرة من فمه ثم عاد بعينيه المجهدتين ليرمق وجهها الذي لم تنطفئ شمسه رغم كل الخيبات....تنهد بخشونة وكأن صدره ضاق بكل الأسرار التي دفنها لأجلها وهمس بنبره خافته : تعلمين أنهم أحياء يا سدرة.. تعلمين أنني لولا تدخلي في تلك الليلة لكانوا الآن مجرد أسماء على شواهد قبور منسية...لكان ذبحهم  بخيانته..... لم أقتل زوجكِ لأسرق فراشه.....بل قتلتُ الخائن الذي أراد مقايضة رؤوس أطفاله ومقايضتك بمقعد سياسي في الخارج..... ألم يكفكِ أنني حملتُ عار القتل والصمت لثلاثين سنة لكي تظل صورة والدهم طاهرة في أعينهم ....


ارتجفت يد سدرة وهي لا تزال تمسك بالسيجارة....شعرت بمرارة الحقيقة التي تعرفها جيداً وتأبى الاعتراف بها أمام غروره....نهض الاخر واقفاً امامها بطوله لتتراجع وهو تقدم خطوه اخري محاصراً إياها بين جسده الضخم وبين الفراش وانحنى حتى لفحت أنفاسه المنهكة وجهها : ظلام.. ابني الذي صنعته بيدي....لم يفعل شيء خاطيء انتقم لنفسه وفعل الشيء الذي عجزت عن فعله ...انتقم وحقق ماعلمته اياه ...لم يتقبل الامر مثلي ....فعل الصواب ....ورغم ذلك انقذ حياتك واعادك لي ....لكن اطفالك احياء ومنعته من قتلهم ....حميتهم من ظلام ومن والدهم ...والان اطلب ثمن حمايتهم ...اطلبك انت 



ارتخت اعين سدره مخفضه وجهها و نظرت لوشم الصليب المحروق على معصمه ...ذلك الحرق الذي أعلنه مسلماً قبل أن ينطق بالشهادتين...وقالت بنبرة حاولت جعلها قاسية لكنها تهشمت في نهايتها بغصه: الحماية لا تُشترى بالاكراه يا مورسال.. أنتَ أنقذتهم نعم.. ولكنك قتلتَ الروح التي كانت داخلي.... تريدني زوجة؟ ها أنا ذا.. جسدٌ بلا نبض... وامرأة لا ترى فيك سوى الرجل الذي يبتز الأمومة في عروقها.... أخبرني أين هم.... وسأعطيك ما تريد... حتى لو كان ذلك يعني أن أصلي خلفك في الليل وأدعو عليك في السجود....



أغمض مورسال عينيه بقهر ومال برأسه حتى استندت جبهته على جبهتها هامساً بكسرة لم تظهر يوماً أمام رجاله:ادعي بما شئتي يا سِدرة.. فالسماء تعرف أنني ما كفرتُ بعهدي معكي يوماً... وما أسلمتُ إلا لأجتمع بكي في حياة لا خيانة فيها ولا دماء....هم في مكان آمن....في بلد لا يعرف معنى الخالدون.... وسأخذكي إليهم حين أطمئن أن ظلام لن يجد لهم أثراً....حين أتأكد أن ابني لن يقتلهم كما حاول سابقاً ...




انحنت سدرة برأسها قليلاً لتقترب جبهتها من جبهته في لحظة استسلام نادرة أمام ثقل الذكريات....السيجارة التي سحبتها من بين شفتيه سقطت من يدها المرتعشة لتستقر على الأرض.... تماماً كما سقطت كل حصونها التي بنتها لثلاثة عقود....كانت رائحة مورسال هي ذاتها...مزيج من التبغ القديم وعطر حاد يذكرها بليالي الخوف والأمان المتشابكة....حبها التي كانت تخفي رسائله اسفل فراشها خوفاً ان يجده والدها ويقتلها .... أغمضت عينيها لتستعيد صورة ذاك الشاب الذي كان يلحق بها بنظراته قبل أن يبتلعهم جحيم الخالدين.... كانت تحبه....بل كانت مستعدة لبيع الجنة مقابل نظرة رضا منه...ان يأتيها ويخبرها انه يريدها ولا يكترث لوالدها المتشدد ولا لعائلتها ....قبل أن يلطخ يديه بدم زوجها ويُلبس حبهما كفن الصمت لعقود.....كانت من عائله متشدده لها مكانتها الدينيه ونفوذها وهو كان شاب مسيحي ابن رجل فقير يعمل لديهم ....لم تختلي به ولا مره لكن قلبها اختلي بقلبه كل مره تلتقي اعينهم رغم ان كانت تغض بصرها .... كانت عيناها تفران منه دائماً...تُطبق أجفانها على حياء صبغته بآيات التحريم....فبالنسبة لها كانت النظرة سهمًا يخرق ستر إيمانها....أما بالنسبة له...فقد كان يشرع عينيه في وجهها كمن يرتل صلاة وثنية أمام محراب ممنوع.... يرى في ملامحها تجسيداً لجمال لا يحتاج إلى استئذان.... فيمعن النظر دون خجل... مؤمناً في شرع هوسه أن عبادة الخالق تبدأ بتمجيد أجمل ما خلق.... حتى لو كان ذلك الجمال هو جحيمه الذي سيُصلب فيه للأبد.... 


كانت هي تلملم شتات بصرها كلما التقت عيناهما... تلوذ بفرائضها التي تأمرها بستر الروح قبل الجسد....فترى في النظر إليه ذنبًا تخشى عاقبته.... بينما كان هو يفتح مغاليق قلبه على اتساعها... يراقبها بذهولٍ لا يرتد... معتقدًا في قرارة نفسه أن غض البصر عن آية بمثل طهرها هو الكفر الحقيقي....قلبه كان مسيحي لا يقدس الا امراه واحده طوال حياته....واستطاعت رؤيه الامر ....احبته ....كانت تنتظر عودته من الكليه الحربيه بفارغ الصبر تنتظره خلف الباب وترمقه من طرف النافذه وهو ينحني بملابسه العسكريه تاركاً لها هديه امام الباب ويبقي يرمقه مطولاً ثم يغادر حتي تخرج بعده مباشراً اخذه نفس من عطره الذي بقي في الهواء وحامله الهديه لتجده يقف بعيداً يراقبها بشرود ورجفه  ...ولم يقتصر علي ذلك ...اصبحوا يلتقوا خلسه حينما طلبت من والدها معلم جيد للرياضيات وهو تطوع لتدريسها بوجود اخيها معهم بنفس الغرفه بينما هو مشغول تلتقي عينيها بعينيه وانفاسه تختلط بانفاسها واكتفوا بتلك النظرات في كل درس ...تنتظر بلهفه قدومه ...



 تناست وامنت ان القلوب بيد الله والله صاغ الحب في قلبها له ...لكنها نسيت ان من يترك قلبه ارضاً يُدعس ...وهذا لم يكن اراده من الله بل صياغه من الشيطان ...الستر ليس فقط للجسد وانما للروح ...والطريق الذي لا يرضي الله نهايته لن ترضيك ...لانه امر بحفظ القلب كي لا يكسر ....ماحرم الله شيئاً الا لحمايتك ....وبالفعل ادركت ذلك بعدما تحطم كل شيء وتحدت العادات وحاربت عائلتها واخبرتهم انها تحبه ...قاموا بضربها بتعذيبها وبطرده هو ووالده ...صديقه المقرب والوحيد كان غاسق الذي كان اقرب من الاخ له ...طعنه وتفاجأت به يخبر عائلتها بأنه مستعد للزواج منها وكتم هذه الفضيحه فكيف لمسلمه من عائله دوسون واصولهم ان تحب شاب مسيحي فقير ....هذه كانت كارثه وفضيحه ...صرخت ورفضت وتوسلت واتفقت مع الخادمه وهربت ...ذهبت الي منزله و تفاجئ بها..... اخبرته ان يُسلم ويتزوجها ...كانت تبكي بهستريا وهو فقط اخبرها ان تهديء وسيفعل ما تريده ....


كانت ترتجف وهي تتشبث بغطائها وعبائتها السوداء وهو كان يمسح وجهه بقوه عينيه حمراء ووجهه اسود من القهر .....لا تعلم لما اخذها بالسياره  لكنها ظنت انه سيأخذها الي شيخ يعلن اسلامه ويتزوجها ....جلست بالخلف وهو بالامام بجوار السائق كان صامت وهي تبكي لانها لم تتخيل ان تفعل ذلك بوالدها وعائلتها الندم كان ينهشها  ومع ذلك لا تتخيل فكره ان تتزوج غيره ....رمقته من خلال المرآه وهو يمسح دموعه خلسه لم تفهم لما حتي توقفت السياره امام منزلها ...


شهقت وترجلت من السياره لتركض والاخر ركض خلفها ممسك اياها من معصمها وهي تصرخ وتتوسله ان لا يفعل ذلك وهو كان يرمقها بقهر واعينيه حمراء ويسحبها نحو المنزل كان منزلهم ممتلئ بالناس التي تبحث عنها وعشيرتها بأكملها وماان رأه الياس اخيها وابناء عمومتها ركضوا نحوهم امسكوه وقامو بضربه والياس اخذها نحو الداخل وهي تراه يرمقها بأعين حمراء وكأنه تخلي عن حلم حياته في سبيل انقاذ حياتها ....الغصه خنقتها وهم يخنقونه ويجبرونه علي النظر لهم والحديث وهو فقط كان يرمقها من بعيد وكأنه يحاول اشباع عينيه للمره الاخيره حتي اختفت خلف الباب 


فاجؤها بأن مورسال غادر الي الخدمه الوطنيه وتركها ...لم يقاتل لاجلها ....وهي كانت تتمني الموت كي لا تتزوج غيره ....هو فعل الصواب واعادها لمنزلها كي يحافظ عليها وعلي سمعتها وهي وصفوها بالمراهقه والساذجه وتم الزواج وهي صامته فارغه وقلبها خاوي ....تسمع عنه لكنها لم تجرأ يوماً علي نطق اسمه مجددا اصبح الامر محرماً وانها متزوجه وهذا لا يرضي الله ...علمت مقدار الخطأ الفادح التي ارتكبته بهروبها ولم تستفد شيء سوي ابتعادها عنه اكثر واحراج عائلتها وقهرهم والتضحيه بسمعتها اكثر ...الطريق الذي لا يرضي الله نهايته لن ترضيك ....وهذه كانت نهايه النظره الحرام والتعلق بغير الله ...تم الزواج ....مر عام كامل لم تسمع اسمه ولم تجرأ علي نطقه بينها وبين نفسها بات محرماً وقضت الايام نادمه وتستغفر حتي رزقها الله بأول ثمار الصبر مايل كان هديه من الله سعيده به رغم زوجها الذي من المفترض انه ابن عمها وحافظ سرها كان يهينها ويذكرها دوماً بذنبها وهروبها الذي جعلها تتيقن ان التسرع من الشيطان وانها اذت نفسها وزوجها كان رجل غير تقي لم يراعي الله فيها ....لكن كله في سبيل الله وفي سبيل تربيه مايل صبرت واحتسبت ومر علي زواجها ثلاث سنوات ....بيوم كان هناك اجتماع وحضر العديد من الاصدقاء  كانت تحضر القهوه والكعك مع الخادمه ...رأت مايل يركض نحو الخارج  بالحديقه والخادمه تضع الشاي بالداخل لذا وضعت الغطاء فوق رأسها وركضت نحو الخارج لتتوقف حينما رأته يقف بطول وضخامته يحمل مايل الصغير ويداعبه والاخر يضحك ليخفق قلبها بغصه واعينها اغترت بالدموع صوتها اختفي ولم تستطع حتي نطق الكلمه ...تغير اصبح اضخم وملامحه اصبحت اكثر حده لحيته خفيفه ووجهه اكتسب سُمره من الشمس يرتدي ملابسه العسكريه التي تزيده جاذبيه ووسامه  كان يمسد شعر مايل وشارد بملامحه وكانه يبحث عن ملامح احدهم به حتي استعانت بالله وبأخر ذره قوه في جسدها ونطقت بصوت بالكاد يسمع :مايل 


التفت الاخر فجاه متجمداً وكأنه لم يتخيل رؤيتها وارتخي مايل من يده واضعاً اياه ارضاً وهو يرمقها بجمود لتمد يدها نحو مايل الذي ركض نحوها ثم حملته معتصره اياه داخل حضنها برجفه وكأنها تستمد منه القوه رامقه الاخر بأعين حمراء لم ينطق فقط كان يرمقها دون ان يرمش لترتخي عينيها نحو اكمامه المرفوعه رامقه الصليب المحترق علي  معصمه ثم التفتت وهمت الي الداخل بسرعه نحو غرفتها ....اغلقت الباب واتكئت عليه هاويه ارضاً وهي ترتعش وتحتضن مايل ثم اخفضت وجهها مستنشقه رائحه عطره التي علقت في ملابس  ابنها باكيه بحرقه ...بكت لساعات حتي فرغ قلبها ونهضت اغتسلت وتوضأت وصلت ركعتين طويلتين تبكي فيها ....اكتشفت ان علاقه غاسق ومورسال عادت بسبب مصالح مشتركه وفهمت انها مجرد حب عابر بالنسبه له ....وربما قام بنسيانها ....كان يتردد علي منزلهم في الكثير من الاجتماعات وهي لم تجرأ علي مره واحده في رؤيته مجددا وخيانه الله .....حتي حينما تسمع صوته يضحك مع اصدقائهم وزوجها خلف الباب كان قلبها يعتصر وتبتعد تماماً .....تفاجات بيوم من الايام بغاسق يخبرها انهم راحلون ....اخذهم لمكان غريب هي واطفالها دون اخبار ابيها او اخيها الياس ....لا تعلم ماهو المكان فقط مكثت فيه يومين وتفاجأت به يقيم اجتماع سري ....شعرت سدره بشيء مريب واخذت تتلصص علي الاجتماع لتتفاجئ بغاسق يعقد اتفاقيه بتسليم ملفات مهمه بالدوله والتضحيه بأسماء مسؤلين بالدوله من ضمنهم اسم اخيها الياس واماكن اسحله سريه والمتاجره بمنظمه تدعي الخالدون قام بتنظيمها وقرر تحويل ولائها لجهه معاديه لدوله اجنبيه مقابل مبلغ مالي ضخم وتأمين خروجه من البلد هو فقط ....


توسعت اعين سدره وهي تحتضن بطنها المنتفخ وكأنها تتشبث بجنينها ان يعينها علي مصيبتها ثم ركضت بسرعه نحو الهاتف فتحت سجل الارقام واخذت تبحث عن رقم اخيها بسرعه ليتوقف اصبعها عند اسم مورسال ارتعشت يدها وظنت انه متورط معه لتعتصر يدها باحثه عن رقم اخيها وما ان اجاب الياس اردفت بسرعه: اخي النجده ....غاسق ...لقد باع...شهقت حينما سحب احدهم الهاتف من فوق اذنها لتتوسع عينها رامقه غاسق وهو ينظر لها بأعين مخيفه ثم اغلق الهاتف ....اخذها من ذراعها دافعاً اياها نحو غرفه الاطفال وحبسها هناك ....صاحت وحاولت الهروب دون جدوي ....لم يكن هناك منفذ ليوم كامل بقيت حبيسه الغرفه حتي تفاجأت بالياس يفتح لهم الباب مع قوات من الامن الوطني ....


احتضنته وبكت بقوه ...بقيت صامته لعده ايام علمت بالنكبه التي حدثت وكيف خان زوجها وطنه واليمين الذي اقسم به ليحميه ... والتزمت الصمت تماماً عادو بجثه زوجها وعلم الوطن فوق كفنه ...ابن عمها ويجب الالتزم بالصمت والا تم سحب العائله جميعها للتحقيق وانزال رتبهم او ربما تجريدهم منها لان وصمه عار واحده كفيله بمحو تاريخهم كله ....تذكرت كيف كان ينعتها بعار العائله ويهينها لانها هربت وهو سترها والان نحاول ستر عاره الذي عم علينا جميعاً ...الحياه دائره .... قال تعالى: ﴿...وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ... [سورة آل عمران: 140].....وتعني أن الأيام تدور بين الناس....فيوم نصر ويوم هزيمة....يوم فرح ويوم حزن... يوم غنى ويوم فقر...ليمحص الله المؤمنين....بالامس كنت تعاير الناس بذنبهم واليوم الناس تحاول ستر ذنبك الذي لا يغتفر ....لا تعتقد انك معصوم من الخطأ ....هكذا كنتم من قبل فمن الله عليكم ....امسك لسانك لان يوماً ما قد لا تستطيع الناس مسك لسانها عنك .....


احتضنت سِدره اطفالها الي صدرها و هم يرفعون الجنازه العسكريه الي مقابر الشهداء وهي تعلم جيداً ان زوجها قتل في معركه بعدما علمت من اخيها ان مورسال هو من كشف المؤامره التي كان يحيكها غاسق وبلغ عنه وهو بنفسه من قتله اثناء القتال وادلي بمكانها الذي كان يخفيه غاسق كتهديد لاخيها حتي يستطيع ان يلوذ بالفرار اولاً ككرت ضغط ....بعد فتره سمعت من اخيها ان مورسال استقال من الخدمه ولم تعد تسمع عنه  ووفرت طاقتها وحياتها في تربيه اطفالها ....لكن الحرب لم تنتهي ...كانت البدايه .....وبدأت المعارك وتفاجأت بإسم مورسال ينتشر بكل مكان ...كزعيم للمقاومه باحد العمليات الانتحاريه والتي سيطر من خلالها  على جزء كبير من الحدود الشمالية.....محولاً عقيدته القتالية من حماية الدولة إلى حماية الأرض التي خذلتها السياسة....لم يكن مورسال الذي عرفته... الشاب المسيحي الهادئ الذي يغض الطرف خجلاً.... بل أصبح الخالد الذي لا يموت.... القائد الذي التف حوله الآلاف من المقهورين والمخدوعين بشعارات الحرية....كانت سِدرة تتابع أخبار زحفه بقلب يرتجف...تدرك أن هذا الرجل الذي قتل زوجها الخائن لينقذ شرف عائلتها..... قد اختار لنفسه طريقاً لا عودة منه....


استمرت المعارك لسنوات وسدرة تحاول بناء جدار من النسيان حول أطفالها....حتى كانت الليلة التي زلزل فيها صوت الانفجارات أركان مدينتهم....لم تكن مجرد غارة.... بل كانت ليلة الاجتياح....المنظمة التي أسسها غاسق وهدمها مورسال......عادت لتولد من جديد تحت قيادة مورسال نفسه.... لكن هذه المرة ككيان متمرد كسر كل القيود.....





همست سدرة وصوتها يتهدج كغريق وجد اليابسة :لماذا الآن يا مورسال؟ لماذا انتظرت أن يشيب الشعر ويذبل العمر لتقول لي أنك قتلتَه لأجلي؟ كنت سأغفر لك الدماء....كنت سأغفر لك اليتم....لكنني لم أغفر لك قط أنك تركتني أعيش ليلة زفافي منه وأنت تنظر إلي من بعيد


اهتز جسد مورسال الضخم وارتخت قبضة يده التي كانت تعتصر كتفيها لتتحول إلى لمسة واهنة ....كأنه طفل يُحاسب على خطيئة لم يرتكبها وحده....رفع يده الأخرى ليمسح دمعة وحيدة فرت من سجن أجفانها وبحثت أصابعه عن دفء وجهها الذي حرم نفسه منه لأربعين عاماً...قال بنبرة محطمة تجردت من كبرياء القائد ومن قسوة مورسال  لتكشف عن روح ذلك العاشق المنسي:لم يكن جُبناً يا سدرة.. كان انكساراً.....كنت مسيحياً أعبد امرأة مسلمة في منظمة لا ترحم... كنت أرى غاسق يمتلكك باسم الدين والقوة....وكنت أنتظر اللحظة التي يخطئ فيها لأنتزعكِ من مخالبه....وحين أخطأ وخان... لم أجد حلاً إلا أن أكون جلاده.. لكن لم استطع ان اكون سجانك....لم استطع احضارك الي هذا المكان ...كيف اسلب الحريه من الشخص الذي علمته التحليق ....اردتك ان تطيري بعيداً عن هذا العالم الذي اضطررت لاكون قائده ...لكن اعتقد ان الاوان ليعود الطائر الي عشه



فتح عينيه ليرمق سواد عينيها وتابع بفحيح صادق:أسلمتُ لأجلكِ قبل أن أسلم لله.. أحرقتُ صليبي لأنني أدركت أن ربي لن يقبل صلاتي وأنا أشتهي زوجة غيري... وحين قتلتُه... طهرتُ الأرض من خيانته....لكنني لوثتُ روحي بدمه في نظركِ وفي نظر العالم....هل تظنين أنني كنت أستمتع برؤيتكِ تذبلين؟ ....كنت أموت في كل ليلة أدخن فيها خلف بابك....كنت أعد أنفاسك من خلف الخشب وأدعو الله أن يمنحني الشجاعة لأفتحه وأعتذر..... لكنني كنت أخاف أن أرى في عينيكي غاسق....ظننت انك قد احببته وقمت بنسياني .... أخاف أن أرى كرهكي الذي هو أقسى علي من الموت ياسِدره....



رفعت سدرة يدها المرتعشة وبتردد طال لسنوات وضعت كفها فوق الحرق القديم على معصمه وتحسست الندبة بأصابعها برقة أذابت جبال الجليد بينهما وجعلت الاخر ترتخي ملامحه رفعت عينيها إليه وكان النور المنبعث من وجهها يمتزج ببريق الدموع وقالت بهمس يكاد لا يُسمع: أنتَ لم تقتل غاسق لتنقذني مورسال.... أنتَ قتلته لتستعيدني.... ولو طلبتني بالحب قبل أربعين عاماً.... لما احتجت لكل هذا الدم لتصل إلي... الآن.....نحن حطام رجل وامرأة...



أمسك كفها الموضوعة فوق معصمه ورفعه بهدوء نحو فمه وقبّل باطن يدها بقبلة طويلة وعميقة وكأنه يستمد منها سنوات العمر التي ضاعت في التيه مردفاً بنبرة هادئة :ثلاثة وثلاثين عاماً من الانتظار خلف الباب....آن لي أن أدخل.... وآن لكِ أن تسكني...



********


اغمضت فاطمه عينيها وهي تأخذ انفاسها بصعوبه بينما نهض ظلام من فوقها جالساً ساحباً قداحته وسجائره مشعل لنفسه واحده وهي تسحب الغطاء فوق جسدها رامقه ظهر الاخر العاري وهو يزفر الدخان ببطيء حوله مبتسمه بشرود وهيام رامقه اياه وهو ينهض بطوله وضخامته نحو الحمام ثوان وسمعت صوت الماء مسحت الاخري وجهها ناهضه والغطاء حول جسدها واقفه امام المرآه رامقه أثار اصابعه العنيفه والقاسيه كان مجرم لا ذره حب واحده داخل عينيه ...كان يضاجعها كمن كان بمهمه مهما بكت وتوسلته ان يبطئ... وكأنه يريد الانتهاء ارجعت خصلاتها للخلف تحاول تفسير تصرفاته ....كان يعاملها كحيوانه اسفله يكتم فمها وكأنه لا يريد سماع صوتها او صراخها ويدفن وجهها في الفراش بقبضته وكأن يريد اخفائه وربما يتخيل شخصاً اخر لانها لحظت كيف يغمض عينيه ويظهر شبح ابتسامه علي وجهه وماان يفتحها ويراها هي اسفله  تختفي  ابتسامته....رغم ان الامر جيد ومثير مع رجل بقوته وعنفه الا انها تشعر بشيء يقف بينها وبينه .....التفتت نحو الباب حينما خرج والماء يتساقط منه لا يوجد سوي منشفه حول خصره ومنشفه اخري يجفف بها وجهه وشعره ...ارتدي ملابسه وهي ترمقه بصمت حتي انتهي وحمل مفاتيح غرفه لينا وسلاحه لتردف: الن تبيت هنا الليله 


التفت نحوها وكأنه اكتشف وجودها للتو ثم غادر دون كلمه وكأنها سألت سؤال تعرف جوابه ولا يحتاج لاجابتها بنفسه ....اعتصرت الفراش بقهر شديد رامقه نفسها خلال المرآه....مر علي زواجهم اربعه اشهر منذ اليوم الذي هربت فيه تلك المسخ ....قرر والدها زواجهم وكانت سعيده بالخبر علي عكسه ...هي ظنت انها تخلصت منها حينما اوشت بها لكنه لم يقتلها ...نعم ظنت انها ستخبره اني من اعطيتها الفكره لكنها لم تقل شيئاً له ....وكأن الامر لن يشكل فرقاً لديها......وهو لم يشك اني من فعلتها واعطيتها فكره كيف تخرج من هنا لانه ممنوع من الاساس خروج احد من الخالدون الا في حاله واحده ...موته ....وهي ظنت انه سيكون موتها لكنه اعادها وكأن شيئاً لم يكن ....وعادت الي عملها بعد شهر صامته تماماً حتي حينما تكشف علي احد المرضي لا تتحدث معهم فقط تكتب لهم الدواء بصمت... لا تعلم ماذا فعل لها لكنها كانت سعيده لان ماحدث الي لينا اسوء من الموت....في النهايه الامر اتي بثمار جيده ....لكن كل هذا تبدد حينما لاحظت انها حامل بسبب بطنها المنتفخ.....نهضت فاطمه اخذه حمام طويل ثم خرجت وادت فريضتها وعدلت وشاحها خارجه ....استقلت السياره مع  بعض الحرس نحو المدينه ....كان عبورها من سيطرات الشرطه سهل ....نزلت امام المشفي وتقدمت باتجاه غرفه الطبيبه ....رحبت بها بشده : السيده فاطمه اهلا بك خذي قسطاً من الراحه 


ابتسمت لها فاطمه بهدوء ثم جلست امام مكتبها لتضغط الطبيبه فوق الجرس ودلفت المساعده: من فضلك احضري تقارير السيده فاطمه 


اومئت الاخري ثم غادرت وعادت بعد خمس دقائق وهي تحمل تقارير التحاليل والاشعه قدمته الي الطبيبه باحترام ثم غادرت .... فتحت الطبيبة الملف الورقي ببطء وعيناها تتنقلان بين الأرقام والرسوم البيانية بدقة باردة بينما كانت فاطمة تجلس بهدوء يغلفها صمت الواثقين... لا تدرك أن العالم الذي شيدته بذكائها ومكانتها العلمية على وشك أن يتصدع تحت وطأة تقرير طبي....


ساد صمت ثقيل في الغرفة... قطعته الطبيبة وهي تضع الأوراق جانباً ثم نزعت نظاراتها الطبية ببطء ونظرت إلى فاطمة وهي تضع التقارير امامها ثم تنفست بعمق مردفه وهي تحاول انتقاء كلماتها بعناية: دكتورة فاطمة.. كنت أتمنى أن تكون النتائج مغايرة....لكن الأرقام هنا قطعية ويؤسفني ان اخبرك ان  هناك عيب بنيوي في الرحم يمنع انغراس أي جنين والتبويض توقف بشكل نهائي ومبكر جداً....


ساد صمت شديد وابتلعت فاطمة ريقها وبدأت ملامح وجهها تتقلص لكن الطبيبة تابعت بقسوة علمية : سأكون مباشرة معك يا فاطمة.. العلم لا يجامل أحداً.... التقارير هنا لا تشير إلى ضعف أو تأخر يمكن علاجه بالهرمونات أو الجراحة.... التحاليل تظهر ضموراً كاملاً وغير قابل للاسترداد في بطانة الرحم والمبايض... وهي حالة جينية نادرة تطورت بصمت...



شردت فاطمة في الفراغ واخفضت وجهها نحو التقارير وهي تشعر بضباب اجتاح عينيها ودوار لثوان ثم استقر معتصره عينيها ثم فتحتها رافعه وجهها نحو الطبيبه مردفه بهمس وهدوء : ولا حتي طفل انانبيب ؟...


ارتسمت على شفتي الطبيبة ابتسامة باهتة وهي تراقب انكسار فاطمه مردفه ببعض الاسي: كطبيبة نفسية.. أنتِ تعلمين أن الجسد أحياناً يخون العقل.... جسدك قرر أن يغلق أبوابه للأبد.... من الناحية البيولوجية ...أنت أرض محروقة....لا توجد تقنية في الطب الحديث.....لا أطفال أنابيب ولا حقن مجهري يمكنها استخلاص حياة من جسدك.... أنتِ عقيم بقرار قطعي من الطبيعة... وأي محاولة للبحث عن أمل ستكون مضيعة للمال والوقت... شهقت الطبيبة واقفة بخوف حينما نهضت فاطمة مدمرة كل شيء فوق مكتبها بذراعيها....تطايرت الأقلام والأوراق كأنها شظايا من روحها التي تفتتت للتو....


تراجعت الطبيبة بذعر لكن فاطمة كانت أسرع حيث اندفعت نحوها ممسكة بياقة معطفها الطبي وتهزها بقوة هستيرية جعلت رأس الطبيبة يترنح وفاطمه تصرخ بها: لا تقولي ذلك.. أنتِ كاذبة!!....صرخت فاطمه ولم يكن صوتها مجرد صرخة ألم بل كان عواء مكتوم لامرأة شعرت أن السماء أغلقت أبوابها في وجهها وحدها....كانت تهز الطبيبة وكأنها تهز القدر نفسه وكأنها تريد انتزاع حقيقة أخرى من بين ضلوعها....حبست الطبيبة أنفاسها وهي تحاول فك قبضة فاطمة الحديدية وقالت بصوت متقطع:يا دكتورة فاطمة.. استغفري الله.. هذا قضاء وقدر.. العلم والواقع يقولان...

قطعت فاطمة كلماتها بضحكة مخنوقة... مليئة بالغل ...وأفلتت معطف الطبيبة بقرف وهي تدفعها بعيداً عنها....تراجعت فاطمة خطوة للخلف وعينيها كانت تنبعث منهما قسوة غريبة تحدقان في الفراغ ثم قالت بنبرة يملؤها الحقد الأسود:قضاء وقدر؟.. ثم ضحكت مجددا بهستريا وهي تفك غطاء الرأس من فوقها وكأنها تختنق مكمله وهي ترمق الفراغ بعدم تصديق: لماذا أنا؟ لماذا يمنح الله الأطفال للجاهلات....للعاهرات.... لمن يلقون بأبنائهم في الحاويات....ويحرمني أنا؟ أنا التي ملكتُ العلم والمكانة والعقل!....لماذا لينا حامل وانا لااااا...صرخت بالكلمه الاخيره وهي تحمل مزهريه صافعه اياها نحو الحائط بجوار الطبيبه متحطمه لفتات والطبيبه صرخت واضعه يديها علي اذنها رامقه فاطمه التي 

بدأت ملامح الحقد تتشكل على وجهها بوضوح...لم تكن فاطمة من النوع الذي يسلم بقضاء الله بصبر....بل كانت ترى في حرمانها إهانة شخصية من الكون لها....هي التي كانت تحتقر ضعف النساء اللواتي يشتكين من تربية الأبناء.... تجد نفسها الآن ناقصة في مجتمع لا يرحم.....وهي التي كانت تظن نفسها فوق الجميع....


نظرت فاطمه إلى الطبيبة التي كانت تحاول ترتيب ثيابها برعب وقالت بفحيح مرعب:أرض محروقة.. هكذا وصفتِني؟ ...هزت الطبيبه رأسها بخوف لتؤمي فاطمه بحقد : حسناً.. سأحرق قلوب كل من حولي كما احترق قلبي.... سأرى في كل طفل يمر أمامي ذنباً لا يُغتفر....وفي كل أمٍ فرحة عدواً لي... رمشت الطبيبه بخوف نحوها حينما همست بتلك الكلمات ثم توقفت وهي ترمق الفراغ لثوان و التفتت نحو الطبيبه معدله ملابسها واقفه بانضباط لتجفل الاخري منها وكأنها استعادت سيطرتها على أعصابها في ثانية واحدة...رتبت ثيابها بهدوء مريب ونظرت إلى الحطام الذي صنعته فوق المكتب ببرود ثم قالت بصوت خفيض ومركز:اعتذاري عن الفوضى.. يبدو أنني لم أستوعب للحظة أن الطبيعة قررت تجريدي من وظيفتي البيولوجية الوحيدة...التفتت فاطمه نحو الباب وقبل أن تخرج توقفت وقالت دون أن تنظر للخلف:بما أنني لا أملك ما أخسره في المستقبل.. فلا داعي بعد الآن للمناورة بالعواطف... اليقين بأنني لن أكون أماً هو بحد ذاته حرية.. حرية تجعلني أرى البشر مجرد أرقام وحالات...دون أن يرف لي جفن...اوليس ؟...قالت هذا ثم رمقت الطبيبه بطرف عينها الحاده ساحبه الباب ثم تقدمت خلال الرواق بجمود وملامح صارمه والحرس يسير خلفها ...ركبت السياره بفك متصلب واعين جامده منطلقه نحو المنظمه .....



وقفت امام باب العياده التي تعمل فيها لينا رامشه بأعين صفراء ثقيله معتصره قبضه يدها ....بقيت هكذا لدقائق طويله لم تتحرك وهي ترمق الباب لتفتحه لينا خارجه واعينها التقت بزرقاويه الاخري الذابله لثوان لتشيحها لينا بصمت ملتفته وكأنها لم تراها واضعه يدها علي بطنها المنتفخ بهدوء فوق عبائتها وتسير ببطئ من ثقل الحمل نحو الرواق المؤدي الي ممر غرفتها....امسكت لينا المقبض ثم فتحت الباب دالفه واغلقته ...نزعت نقابها  لتكشف عن وجه لم يعد ينتمي لها.... وجه غادره التعبير واستوطنه ذلك الشحوب الرخامي الذي يسبق الانطفاء والغياب.... لم تنظر للمرآة.... فقد كانت تخشى أن ترى انعكاس الفراغ في عينيها..... فلينا التي كانت تعرفها.... تلك الفتاة التي كانت تحلم بالضوء....قد دُفنت في تلك اللحظة التي اعتصر فيها ظلام عُنقها ....وما تبقى الآن ليس سوى هيكل يتحرك كالموتي....


تحسست بطنها المنتفخ وشعرت بحركة الجنين في أحشائها لكنها لم تبتسم ولم تشعر ببهجة الأمومة.... كان هذا الطفل في نظرها ليس ثمرة حب بل كان القفل الأخير في باب سجنها...برهان على أن ظلام قد استوطن جسدها للأبد ...لم ينتهك جسدها فقط وانما انتهك روحها...وأن هربها مع طفله من هذا العالم أصبح مستحيلاً.... شعرت بركلة الجنين وكأنها طعنة تذكرها بأنها لم تعد تملك حتى ملكية جسدها ...فهي مجرد وعاء يحمل سلالة المسخ الذي يحتجزها هنا....


تقدمت ببطء نحو سريرها وكل خطوة كانت تثقل كاهلها وكأنها تجر خلفها سلاسل غير مرئية....جلست على طرف الفراش ببطئ وساقين مفتوحين من كبر بطنها.... ذلك الفراش الذي شهد موتها وولادتها المشوهة وأخذت نفساً طويلاً ومجهداً...لم تكن تشعر بالألم ...بل بـالخدر التام....لقد كان الفراغ بداخلها ثقيلاً لدرجة أنه سحق قدرتها على البكاء.....


أغمضت عينيها وهي تتذكر صوته الذي لا يفارقها فتردد في أذنيها صدى صوته المخيف ...الموت هو أن تصبحي جزءاً من جثتي....شهقت لينا واضعه يدها علي عنقها  مبتلعه ريقيها باختناق.... لتدرك بمرارة أن حتي نبضاتها لم تعد ملكاً لها.... وأن أنفاسها التي تستنشقها الآن هي محض استعارة من صدره....وكأن مافعله كي يثبت لها شيئاً.....هو لا يراها كإنسانة لها إرادة..... بل يراها ممتلكاً روحياً.... قطعة منه يكسرها ليعيد تشكيلها....ويخنقها ليتنفس هو بالنيابة عنها...والاسوء انه لا يرى نفسه شريراً....بل يرى نفسه عاشقاً متطرفاً يحمي ملكيته من العالم.... ومن نفسها أيضاً



تمددت على جنبها محتضنة بطنها بذراعين واهنه وركنت رأسها على الوسادة وهي تراقب خيوط الضوء الباهتة التي تتسلل من الباب الموصد ...في تلك اللحظة لم تكن لينا تنتظر نجاة.... ولا تحلم بفرار.... كانت فقط تنتظر أن يمل الزمن منها كما ملت هي من نفسها....


 ساد الصمت في الغرفة... صمتٌ جنائزي لا يقطعه إلا صوت أنفاسها المرتبكة وهي تتساءل في سرها وتتحسس جنينها.... كيف يمكن لجسدٍ واحد أن يحمل كل هذا الموت ....ويظل قادراً على منح الحياة ...



رمشت لينا حينما لمحت ظل غطي الضوء الذي يتسلل من اسفل الباب ثم دخل ظلام الغرفة دون أن يصدر الباب صوت.... وكأنه ظل تسلل من عتمة الرواق ليحتل المكان....لم يكن في حاجة لمناداة اسمها....فرائحة وجوده كانت تسبقه...ثقيلة.... حادة....ومهيمنة.... كانت لينا مستلقية بجمودها المعتاد لكن جسدها انتفض برعشة فطرية حين شعرت بوطأة خطواته فوق السجاد....يقترب ببطء يحمل في طياته هدوء مخيف ....جلس على طرف الفراش فانخفض تحت ثقله الضخم وظل يرمقها بصمتٍ لدقائق.... كانت عينيه السوداء شارده بوجهها الشاحب كمن يتفقد ممتلكاته الثمينة بعد غارة حرب عنيفة..... مد يده.... تلك اليد التي كانت قبل أشهر تخنق أنفاسها ومرر أطراف أنامله فوق وجنتها برقة مفرطة....رقة تشعرها بالخطر أكثر من العنف نفسه....ثم انحني ببطئ فوقها لتشعر بأنفاسه وانفه الذي يمرره فوق جلدها بادمان حتي استقر هامساً قرب اذنها :ما زلتِ باردة يا صغيره....وكأنكي تحاولين الهروب مني إلى الداخل... حيث لا أستطيع الوصول إليك...


همس بكلماته و يده تنحدر ببطيء مهيب نحو بطنها المنتفخ...توقف كفه الكبير فوق استدارة جنينه واستقرت هناك بضغط خفيف ومتملك ثم أغمض عينيه مستنشقاً رائحتها وكأنه يستمد منها الحياة التي يسلبها من الآخرين....هامساً بزمجره ادمان وتلذذ: أتسمعين نبضه؟....ثم انحنى ليضع أذنه فوق بطنها مباشرة محاصراً جسدها الضئيل بذراعيه ثم ابتسم بطريقه سوداء: اريده فتاه ...اتمني ان تشبهك ....تباً لي طفلٌ منك مستعد لاعيش ماتبقي من عمري استنشق رائحته ....مهووس بك ياصغيره ....مهووس بكل مايتعلق بك.....حتي جسدك الصغير...لا اريد الاحتفاظ به داخل غرفه وانما اريد الاحتفاظ بروحك داخلي ....رمشت لينا ببطيء شديد رامقه عينيه السوداء بزرقاويتها الباهته ....لم تكن كلماته مجرد غزل مظلم... بل كانت إعلاناً عن رغبته في استلاب روحها بالكامل ....فهو لا يكتفي بجسدها الذي يملكه داخل هذه الغرفه المظلمه.....بل يطمح لامتلاك الفراغ الذي يسكنها....تلك المساحة الروحية التي تهرب إليها كلما اختنقت ...


اصبحت تفهم ان هوسه يتجاوز المنطق البيولوجي فوضعه لأذنه فوق بطنها لم يكن رغبة في سماع نبض جنين.... بل كان محاولة للتنصت على امتداد روحه داخل أحشائها.... هو يرى في هذا الطفل وسيلة لخلوده في مسامها....فكرة أن يكون جزءاً منه ينمو داخلها  يجعله يشعر بأنه قد حاصرها من الداخل ومن الخارج....


انتقل ظلام بهوسه إلى المستوى الميتافيزيقي حين بدأ يتعامل مع لينا كفكرة لا كإنسان.... فهي بالنسبة له أيقونة عذاب مقدسة.... كلما انطفأت في يده....شعر هو بالاتقاد....هو لا يريدها أن تعيش ككيان مستقل... بل يريد أن يهضم وجودها حتى تصبح هي هو....أن يمتص وعيها...ذكرياتها... وحتى أحزانها... لتصبح في النهاية مجرد صدى لصوته... وظلاً يتبع خطاه في عتمة المنظمة...


في فلسفة هوسه ...الحب ليس عطاء... بل هو احتراق أحادي الطرف.... هو يريد أن يحرق كل ما يربطها بالعالم ...حتى لا يبقى لها من الأكسجين إلا ما يزفره هو في وجهها....وحين همس برغبته في أن يشبهها الطفل.... لم يكن ذلك حباً في النسل....بل رغبة في خلق مرآة أخرى تعكس صورة تملكه لها في كل زاوية من زوايا هذا القبر الذي يسميه حياة...


رمشت لينا وفي رفة جفونها كان يسكن الرعب الحقيقي... ليس من موتها الوشيك...بل من يقينها أن ظلام لن يتركها ترحل حتى لو ماتت....سيبحث عن روحها في العدم... ليعيد سجنها في صدره من جديد...اغمضت عينيها حينما ابعد الاخر خصلاتها خلف اذنها بهدوء شديد وهو يحاوطها بذراعيه ثم انحني طابعاً قبله فوق وجنتها ثم فكها وعنقها وكتفها بهدوء وبطيء لتعتصر كتفه عاضه شفتيها وهو يسحب عبائتها مقبل كتفها العاري فاتحه عينيها دافنه وجهها في عنقه وهي تستنشق عطره الذي اصبحت تتنفسه اكثر من الهواء ....كان لطيف لكن كل قُبله منه كانت اشبه بسكين يطعنها بهوس ورقه مسمومه ....حينما انتهي لم ينهض او يتركها تجمع شتات امرها كان يحتضنها من الخلف بذراعيه الضخمين الي صدره العريض وهي تمسك ذراعه التي تتوسده برأسها وتغمض عينيها ...تحاول تنظيم ضربات قلبها ....شعرت به يسحب ذراعه برفق ....نهض متجه نحو حقيبته التي تركها ارضاً ثم حملها ماداً يده لها لترفع لينا يدها بشحوب ناهضه ببطئ وتعب ممسكه بطنها المنتفخ باليد الاخري ثم حملت قميص ابيض قطني طويل بلا اكمام فقط حبل رقيق ارتدته وشعرها مهمل حولها وعلي ظهرها ممسكه يده ليسحبها الاخر نحو المرآه لتجلس امامها وهو يقف خلف ظهرها رمقته لينا من خلال المرآه وهو ينحني ماسحاً بعض العرق البارد فوق جبهتها وعنقها ليعتصر قلبها بجوفها بخوف ...قربه ولماسته ورائحته كل شيء به يجعلها تتمني لو تتلاشي من الرعب ...طبع قبله علي كتفها وهو يعبث بخصلات شعرها الاسود بهدوء هامساً : تبدين متعبه صغيرتي...هل كنتُ قاسياً معك ....


هزت لينا رأسها بلا بصمت وبطئ ليعتدل الاخر مخرج لها بعض الهدايا ...حمل قلاده بين يديه لترفع لينا يديها وكأنها معتاده علي ذلك رافعه شعرها والاخر وضع اياها حول عنقها بهدوء ثم ابتسم بأعين سوداء والتفت واقفاً امامها متكئ بجزئه السفلي فوق طاوله المرآه لا يرتدي سوي بنطاله الجينز الاسود بلا حزام عاري الصدر رامقه الندوب البارزه فوق جسده امتداد من عنقه حتي معدته وخصره ...قاطع شرودها به اطراف انامله التي لامست طرف فكها رافعاً اياه برفق لتشرد لينا داخل سواد عينيه القاتم وهو يرسم فوق شفتيها بأحمر الشفاه بهدوء شديد تحت صمتها وجمودها حتي انتهي رامقاً اياه بابتسامه...لم يكن يكتفي بجسدها...كان يطمع في ما هو أبعد من ذلك.....سحب مشطاً عاجياً من حقيبته وبدأ يمشط شعرها ببطء مستفز.... وكل شدة خفيفة كانت تجعل عمودها الفقري يرتعش.... كانت لينا تراقب انعكاسها في المرآة...لكنها لم تعد ترى لينا القديمة بل رأت دمية شاحبة يكسوها أحمر الشفاه الصارخ الذي وضعه هو بيده كعلامة ملكية لا تقبل الجدل..... كانت عيناها تتسعان بجمود حمراء وتحرقها...لانها عاجزة حتى عن البكاء... فالبكاء يحتاج طاقة... وهي قد استُنزفت تماماً في محاولة استنشاق الهواء وسط هالة عطره الخانقة....اعتدل ساحباً اياها من ذراعها لتنهض وهو يسحبها الي صدره محاوط خصرها لتسند لينا رأسها فوق صدره بصمت وهم يرقصان معاً بلا موسيقي...كانت تلك الرقصة أغرب مراسم الموت والحياة...جسدها يتمايل بين يديه كغصن مقطوع...يحركه هو كيفما يشاء... بلا إيقاع سوى دقات قلبه الثقيلة التي كانت تقرع في أذنها كطبول حرب انتصر فيها عليها تماماً....كان يحمل ثقلها كله... فلم تعد قدماها تقويان على حمل ذلك الحطام الذي يسمى روحها....رفعت يدها واضعه اياها فوق صدره العاري ...حين لامست يدها ندبته التي تشق صدره... لم يكن ذلك حباً... بل كان تحسساً لجدران سجنها.... تلك الندوب كانت تحكي قصصاً عن رجلٍ لا يعرف الخسارة.... رجلٍ مستعد لحرق العالم فقط ليبقى هو الوحيد الذي تراه حين تفتح عينيها....


أحكم قبضته حول خصرها ضاغطاً بيده فوق بطنها المنتفخ برقة مرعبة.... وكأنه يذكرها أن حتى الثمرة التي تحملها في أحشائها هي امتداد لسلطته....وليست مهرباً لها.... همس وهو يدفن وجهه في خصلات شعرها بهيام :تنبضين لي فقط... حتى هذا القلب الذي يرتجف خوفاً... يرتجف بسببي... وهذا يكفيني....


رفعت لينا رأسها المثقل بالخضوع وهو يدير جسدها لتتكئ بظهرها فوق صدره محاوط بطنها من الاسفل بكلا ذراعيه الضخمين محاصر اياها هي وجنينها وكأنها لا تمتلك عالماً غير ذراعيه وحضنه وكأنهم عائله سعيده وكأنهما عاشقان....التقت عيناها بعينيه في المرآة...لم تجد هناك رحمة...بل وجدته يبتسم لنفسه... معجباً باللوحة التي صنعها منها....في تلك اللحظة...أدركت لينا الحقيقة المرة....

هو لم يكن يحبها... كان يعبد امتلاكها....

لم تكن تخشى أن يقتلها...بل كانت تخشى أن يبقيها حية في هذا الجحيم المزين بالحرير والذهب.....


استسلمت لثقل صدره.... مغمضة عينيها... تاركة روحها تتلاشى في سواد عينيه امام المرآه... مدركة أن ظلام لم يعد اسماً له فحسب....بل اصبح هو قدرها الذي لا مفر منه...حتى لو توقف نبضها... سيظل ظله يطارد طيفها في العدم...


انحنى برأسه ليغرس أنفه في انحناء عنقها ممررا انفه فوق كتفها العاري يستنشق رائحة الخوف الممتزجة بعطره فوق جلدها...ويده العريضة تضغط على أسفل بطنها ساحباً اياها ليلصقها به أكثر متجاهلاً مقاومة جسدها الصامتة....لم يكن أحمر الشفاه الذي وضعه مجرد زينة...بل كان قفلًا غير مرئي.... فكلما حاولت فتح فمها لتنطق بكلمة أو زفرة اعتراض... تذكرت ملمس أصابعه وهي ترسم حدود صمتها.....


كانت خطواته واثقة...هادئة.... يلتف بها في الغرفة الشاحبة....بينما كانت عيناها المثقلتان بالدماء تراقب ظلهما على الجدار... ظله يبدو كوحشٍ ضخم يبتلع خيالها الصغير....توقف عن الحركة فجأة لكنه لم يترك خصرها بل ادارها اليه وجهها مقابل صدره ورفع يده الأخرى ليمسح بطرف إبهامه بقايا أحمر الشفاه الذي تلطخ قليلًا عند طرف فمها وقال بصوتٍ هادئ حد الرعب:هل تشعرين بهذا السكون صغيرتي.....


لتهمس لينا بنبره شاحبه: هدوء الغرفه...

ليرفع الاخر يده مبعد خصلاتها للخلف مردفاً بفراغ: هذا ليس هدوء الغرفة... هذا أنتي....لقد أفرغتكي من كل شيء لم يكن أنا....والآن... حتى صمتكِ اصبح ملكي...اصبحتُ انا كل ماهو انت...ثم سحبها الي صدرها محتضن اياها وهي شارده بكلماته.....


أحست ببرودة الندوب التي تغطي صدره تضغط على جبينها... وكأن جسده الخشن يحاول نقش تاريخه فوق جلدها الناعم. ..لم تكن رقبة لينا هي التي تحمل القلادة....بل كانت روحها هي التي تُجر من ذلك القيد الذهبي...وهو يهمس بكلماته التي كانت تطعن مسامها بسوداويه وفراغ مميت:لقد مَحوتُكِ من العالم  لينا... وأعدتُ خلقكِ داخل صدري... أنتي الآن لا تنتمين للإنسانية... أنتي تنتمين إلي... كخطيئة لا أريد التوبة منها أبداً...


رفعت يدها المرتجفة ببطيء لتتمسك بكتفه العاري...لا بحثاً عن سند....بل كغريقٍ يتشبث بصخرة هي نفسها من تسببت في غرقه.... غابت عن الوعي وهي لا تزال واقفة ذاهبه نحو العدم لتبقي هناك وحدها... في حالة من الذهول الذهني حيث انفصلت روحها عن جسدها لتتركه له... فليأخذ الجسد....فليأخذ الأنفاس.... فليأخذ حتى النبض....طالما أنه لن يسمح لها حتى بالموت بعيداً عنه....


نظر إلى وجهها الشاحب المستند على صدره من خلال المرآه وابتسم ابتسامة ممتلئة بالرضا المظلم ثم انحنى ليحملها بين ذراعيه كغنيمة مقدسة متجهاً بها نحو السرير وهو يهمس بنبره سوداء وكأنه يحدث نفسه:حتى العدم سأطرده منكي... ليبقى فيكي ظلام فقط....




تقدمت لينا خلال الرواق بهدوء وصمت وبطيء بسبب ثقل الحمل ....دلفت الي العياده جالسه خلف مكتبها بهدوء ....كانت تستغرب لما كان يسمح لها بالعمل رغم كل ماحدث لتفهم انه يفعل ذلك حتي يبقي عقلها صاحياً ولا تفقده داخل جدران الغرفه وتصبح مختله بلا عقل.... وضعت حقيبتها فوق المكتب بيدين مرتعشتين.... بينما كان صوت احتكاك المقعد بالأرض يتردد في أذنيها كأنه صرخة بعيدة.... لم يكن يسمح لها بالعمل حباً في طموحها....بل كان يغرسها في هذا المكتب ليتأكد أنها ترى العالم من خلف زجاجٍ لا ينكسر..... لتعالج أوجاع الآخرين بينما هي تنزف روحاً لا يراها أحد غيره.... تحسست لينا القلادة حول عنقها...ذلك الطوق الذهبي الذي وضعه ليلاً...كان يلسع جلدها كأنه لا يزال يحمل حرارة أنامله....نظرت إلى الباب... وتخيلت شبحه يقف هناك... يراقبها بأعينه السوداء التي لا تغفل كما كان يفعل لسنوات....


:هو لا يريدني أن أفقد عقلي...همست لنفسها وهي تفتح ملفاً طبياً أمامها...يريدني أن أبقى صاحية بما يكفي لأشعر بكل طعنة هوس يغرسها في كياني... يريد عقلي شاهداً على تملكه لروحها...


جلست خلف مكتبها فبدت للناظر طبيبة وقورة ترتدي المعطف الابيض وشاره الخالدون فوق جبهتها والغتره التي تضعها فوق اكتافها وكأنها شخص ذا سياده... لكنها في الحقيقة كانت مجرد امتداد له.... حتى وصفاتها الطبية.... حتى تشخيصها للمرضى....شعرت وكأنها تمر عبره.....كانت رغبتها في التلاشي تصطدم بحرصه المرعب على بقائها....فهو يحب وعيها لأنه المسرح الذي يمارس عليه طقوس تملكه....اغمضت عينيها وهي تتذكر كلماته حينما سمح لها بالعمل بعد شهر من الاحتجاز بالغرفه بعد هروبها.... :لا أسمح لكي بالخروج للعمل لكي تتحرري....بل لكي تري العالم وتدركي في كل ثانية أنكي رغم اتساعه... لا تملكين مهرباً إلا إلي... أريد عقلك حياً... لتعلمي بأنكِ ملكي في كل مكان وزمان....فركت لينا عينيها التي تحرقها .....كانت تؤلمها ورغم ذلك لا تستطيع البكاء حتي ترتاح عينيها ....اعتصرتها بسبب الرؤيه المشوشه ثم فتحتها وهي تكمل عملها بصمت.... وسط هذا الصمت المهني المفتعل...اخترق مسامعها همس الحارسات عند الباب... لم تكن أحاديث جانبية... بل كانت نبرة الرعب والتبجيل التي لا تظهر إلا عند ذكر اسمه....لتعقد لينا حاجبيها ناهضه نحو الباب لتسمع الحارسه تردف: لقد استطاعوا... لقد سقطت العاصمة



شحبت ملامح لينا رامقه الباب بأعين مذعوره ...لم يعد ظلام مجرد كابوس يشاركها فراشها.... بل أصبح الكابوس الذي يطبق على أنفاس الوطن بأكمله.... تناقلت الحارسات بزهوٍ مسموم كيف استطاع بجيش الخالدون الذي لا يعرف الرحمة أن يكسر آخر خطوط الدفاع...تقدمت لينا برعشه نحو مذياع صغير واخذت تقلب المحطات لتتوسع عينها بعدم تصديق وهي تنصت للاخبار..... التقارير السياسية التي لمحتها لينا في المذياع الصغير كانت تتحدث عن قائدٍ لا وجه له....استطاع تحويل الحرب من مواجهات حدودية إلى إبادة روحية للمدن.... الحرب لم تعد في بدايتها... بل وصلت إلى تلك النقطة التي ينهار فيها كل شيء....حيث تلاشت أصوات المعارضة وحلت مكانها رايات الجماعة السوداء التي ترفرف فوق المباني الحكومية المحطمة....


ارتجفت يد لينا بصدمه واعين متوسعه وهي تنصت الي وطنها الذي يتلاشي متذكره ملمس أصابعه وهي ترسم فوق شفتيها بأحمر الشفاه قبل ساعات....وقلبها نبض رعباً..... ذلك الرجل الذي كان يمشط شعرها ببطء مستفز هو نفسه الذي يقود الآن المجازر في الخارج....تلك اليد الهادئه التي تلمسها برفق كانت تبطش ارواح الناس ....هو لا يستلب روحها هي فقط... بل يمتص حياة أمة بأكملها.... الخريطة التي كانت تعرفها لينا تغيرت.... لم تعد هناك حدود للدول.....بل أصبحت هناك بقع سوداء تتوسع كالحبر المسكوب... يطلقون عليها أراضي الظلام


نظرت لينا إلى بطنها المنتفخ وشعرت بركلة خفيفة من جنينها فاعتصر صدرها بألم شنيع خوفاً.... هل هذا الصغير قدره أن يولد في عالمٍ صممه والده من الدماء والأنقاض...أدركت الآن لماذا يتركها تعمل... ليس فقط ليبقى عقلها صاحياً.... بل لتشهد بعينيها كيف يتساقط العالم تحت قدميه كما تساقطت هي.... يريدها أن تدرك أنه لا يوجد مكان في هذا الكوكب يمكنها الهرب إليه.....لأن الأرض التي ستمشي عليها ستكون....عاجلاً أم آجلاً.... ملكاً له....



اصبحت الرؤيه مشوشه تماماً وعينيها لم تعد تشعر بها ...لم يكن يسجنها في صدره وحسب ...كان يسجن العالم بأكمله في قبضته لكي لا تجد روحها مكاناً تلجأ اليه حتي في احلامها ....التفتت نحو باب العياده حينما سمعت صياح الهتاف الله اكبر ...اعلان النصر .... وضعت لينا يدها فوق مكتبها لتسند جسدها الذي بدا وكأنه ينهار من الداخل...بينما كانت أصوات التكبيرات والهتافات تتعالى في الخارج.... تخترق جدران العيادة كطلقات رصاص حية...لم تكن مجرد صيحات نصر.... بل كانت نعيًا لما تبقى من حرية في هذا العالم....



حاولت لينا الوقوف....لكن ثقل بطنها وثقل الحقيقة كانا أقوى منها... أمسكت بقميصها القطني الأبيض....الذي بدا الآن وكأنه كفن حي.... لم تكن تخاف من الموت ...بل كانت تخشى من البقاء....أن تعيش لترى هذا الرجل وهو يعيد صياغة التاريخ على قياس هوسه....


الان ادركت لما كان يرقص معها بالامس وكانه يحتفل ....بالفعل كان يفعل ....كان يحتفل معها انه استطاع الفوز بالحرب وبروحها .....نظرت لينا نحو الباب وتقدمت اليه حينما سمعت الحشد بالخارج ....فتحته وخرجت في الزحام والحرس يقف لتجده يتقدم والجميع يحتفي به ويلتف حوله ....ويصيحون ...الله اكبر ...  الخالدون... نَحنُ الأثرُ الذي لا يُمحى... والظِلُّ الذي لا يغيب.... حُكمُنا قَدَر....وبَقاؤنا أَبَد.... الأرضُ لَنا... والزَّمانُ طَوعُنا....والموتُ بوابتُنا للخلود... 


كان الجميع حوله... يحيط به الرايات السوداء بينما عيناه تبحثان عنها هي فقط وسط الزحام...حتي استقرت نحو عينيها الزرقاء ولم يشيحها ....وكأنه لا يريد ان يري احد انتصاره سوي هي .... هو لا يريد تصفيق الجنود ولا خضوع الرؤساء.... كل تلك الانتصارات كانت مجرد هدايا دموية ليقدمها لها...ابتعلت ريقيها ببطئ وهي ترمق عينيه السوداء  وكأنها تخبرها ...كل هذه الدماء التي سُفكت.... والرايات التي رُفعت....والاحلام التي هدمت... كانت مجرد سياج وضعته حولك..... لقد احتللت العالم لاجلك ....لقد احتفلتُ بانتصاري على البشرية لأضمن أنكِ حين تفتحين عينيك.... لن ترَي أثراً لغيري... وحين تطلبين النجدة....ستجدينني أنا القاضي والجلاد والمنقذ وظلامك


******


#يتبع باذن الله

#ورده عبدالله


سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا انت 

استغفرك ربي واتوب اليك









Love U all🎀



;

تعليقات

  1. إرررررر مممممك وردتييييعععععععععع

    ردحذف
    الردود
    1. الرواية رائعة والكاتبة أروع ظلام عملي خلل الي مو ل لينا البحث عن هيك ظلام للحقيقة صعب القًرار فيه وبالهوس بس لينا و ارفا رفقى ايمتى رح يشوفو بعض ويجتمعوا مع بعض لازم يتحرروا كمان واكيد فاطمة رح تعمل مصيبة غير شكل

      حذف
  2. البااااااارررررت كااااااااان تححححححفففة

    ردحذف
  3. اووووولاااا يسلموا اناااامللللك المبببددعععة شككككرا على البااارت

    ردحذف
  4. على شو اعلق وعلى شو اتكلم

    ردحذف
  5. على السرد الجميل والرائع

    ردحذف
  6. ولا على الوصف الذي يأسر القارئ

    ردحذف
  7. على جمال السرد الذي يسحبك دون أن تشعر إلى قلب الأحداث

    ردحذف
  8. او على وصفٍ يجعل المشهد ينبض وكأنه أمام عينيك

    ردحذف
  9. او على مشاعر كُتبت بصدق حتى شعرت بها في صدري

    ردحذف
  10. او على شخصيات بدت حقيقية أكثر من الواقع

    ردحذف
  11. او على حوارٍ عميق يكشف ما خلف الكلمات

    ردحذف
  12. او على أسلوبٍ سلس لا يملّ القارئ منه

    ردحذف
  13. او على نهايةٍ تركت أثراً لا يُمحى

    ردحذف
  14. او على بدايةٍ خطفتني من أول سطر من مذكرات ماركو وكلام تانيا

    ردحذف
  15. او على تناسق الأحداث وكأنها لوحة مرسومة بعناية

    ردحذف
  16. او على وصف الألم وكأنه يمرّ في عروقي

    ردحذف
  17. او
    على قوة التعبير التي جعلت كل جملة تُحسّ

    ردحذف
  18. او اتكلم على فكرة مختلفة خرجت عن المألوف

    ردحذف
  19. او على تدرّج الأحداث الذي لم يترك لحظة ملل

    ردحذف
  20. او على عمق الشخصيات وصراعاتها الداخلية

    ردحذف
  21. او اتكلم عن جمال اللغة التي كانت دون تكلف أو مبالغة

    ردحذف
  22. او على إحساسٍ دافئ بين السطور رغم قسوة الأحداث

    ردحذف
  23. او اتكلم على قدرة وردة في جعلنا نعيش القصة لا نقرأها

    ردحذف
  24. او اتكلللم عننننن كل كلمة كانت في مكانها الصحيح

    ردحذف
  25. ياااااااا وردتي ابدعتي والله العظيييييم

    ردحذف
  26. شككككككررررراااااااااااا

    ردحذف
  27. جدا جدا جدا جزيلا

    ردحذف
  28. احبببببببببببكككككككككككككككك

    ردحذف
  29. سدرة و مورسااااااااااااااااااال

    ردحذف
  30. ثناااائييييييي

    لطيييييييييييييفففففففففففففففف

    ردحذف
  31. بس ما يسسسستاااااهلهاااااععععععععععععععع

    ردحذف
  32. بس بس بس يعني حبيته شوي شوي🤧🤧

    ردحذف
  33. باتمنى نهايته ما تكون حلوة
    ✨✨✨✨✨✨

    ردحذف
  34. تانيا و التهوييييدة بكييييييت😭😭🤧🤧🤧🤧

    ردحذف
  35. دللوووول يالولد يبني دللول🤧🤧💔

    ردحذف
  36. عدوك عليل وساكن الجول🤧🤧💔

    ردحذف
  37. دللول يالولد يا ابني دللول🤧💔💔

    ردحذف
  38. يمّه تناديك وتضمك وتقول💔🤧🤧

    ردحذف
  39. دللول يالولد نام وارتاح🫂🌸

    ردحذف
  40. يمّه تدعي لك بكل صباح🪽🌸

    ردحذف
  41. دللول يالولد يا نور العين🤧🌸🌸

    ردحذف
  42. تكبر وتصير بطل وشهم زين😭🪽

    ردحذف
  43. دللول يالولد يا ابني دللول🤧🤧🤧💔💔

    ردحذف
  44. تاااانيااااااااااااااااااااااااا

    🤧🤧🤧🤧🤧

    ردحذف
  45. و يوووووووورياااااااااااااااااان

    كمااااااااااااااااان

    😭😭😭😭

    ردحذف
  46. حبييييييييتهممممممم

    مع بعععععععضضضضض🤧🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸

    ردحذف
  47. بس لازم تنتقمممممممممممممممممم

    ردحذف
  48. الاننننتقااااااأاااااااااااااااامممممممممم

    لماااااااااااااااااارررررررركوووووووووو

    😭😭😭🤧💔💔💔💔

    ردحذف
  49. دللوووول يا ماااااااركوووو دلللووووووول

    😭💔🤧🤧🤧🤧🤧🤧

    ردحذف
  50. و و صف الطااااااااااااائرررررة الحررررررربببببييييييييية

    ردحذف
  51. يويلي الوصصصصصففففف يجننننننننن

    ردحذف
  52. خلاااااني

    احسسسسس

    اني مكااان تااااانيااااااااااععععععع

    ردحذف
  53. واللله الوصف خلاني احس ان انا اللي اقود الطائرة و يوريان يتكلم معي يويلي🤧🤧🤧🤧🤧😭😭😭😭😭

    ردحذف
  54. حضن تانيا ليوريااااااااااااااااان

    ردحذف
  55. 🌸🩷🌸🩷🌸🩷🌸🩷🌸

    ردحذف
  56. الحراس اللي شافوا الحضن:

    يا الهي ماهذا الفسق✨✨

    ردحذف
  57. 😭😭😭🥲🤣🤣🤣🤣🤣🤣

    ردحذف
  58. بعدهااااااااااااااااااا

    ردحذف
  59. لنووووشتييييييي💔🤧

    ردحذف
  60. يويلي ياروحي عليها يا عمري

    ردحذف
  61. و مشيتها مع بطنها المنتفخ يعمريييي

    😭😭😭😭😭😭😭

    ردحذف
  62. جلوسها على حافة السرير و رجليها المتسعين من كبر بطنها❄️✨🌸🩷

    ردحذف
  63. ياااااعمرييييييييييييييييععععععععع

    ردحذف
  64. فاااااااااااااططططططممممممممة

    ردحذف
  65. المشششششععععععوووووذذذذذة

    ردحذف
  66. العقييييييييماااااااااااااااااععععععععععععع

    ردحذف
  67. تستااااهههههللللللييييييييييييييننن

    ردحذف
  68. تستاهلين العقم يا عقيمة يا وسخة

    ردحذف
  69. لأنك تقتلين و تسفكين دماء ابرياء و تغسلي عقول ابرياء حسبي الله فيكي يا عقيمة يا وسخة

    ردحذف
  70. ههههذذذذذذاااااااا

    عقاااااااب الله لكككككككككككك

    ردحذف
  71. لأنننك اضطهدتي ناااس ابريااااء

    ردحذف
  72. وفووووق كللللل ذاااااا

    ردحذف
  73. تخططين بالشششششششرررررررر

    لليييييينننناااااااااااااااااااع

    ردحذف
  74. تستاااااهليييييييييين اكثثثثثثرررر

    من كذااااااااااااااااا

    ردحذف
  75. اتمنى تكووووون نهااااااييييتتتتتتتك

    علىى يددد ظلااااااااااممممممم

    ردحذف
  76. و اتمنى تكووووووون نهاااااييييتتتتتتك

    على يدددددظ تااانياااااااااععععععععع

    ردحذف
  77. تفففففففففف وققققححححححة

    ردحذف
  78. عدييييييمممممة كرااااااااامممممممة

    ردحذف
  79. تفووووووو عليك غبية

    ردحذف
  80. تدعيييييين الإيييمااااااااااااااااااان

    ردحذف
  81. لكن كلللل صفاااااااااات الععععهههههرررررر

    فييييكيييييييييييييييييي

    ردحذف
  82. ليييشششش تحبييين الذل

    يااا مذلووووووولة

    ردحذف
  83. خاضعة مازوخية تفففففففف

    ردحذف
  84. تحبين الذل كثير ياااا شكاااااااامة

    ردحذف
  85. ترا ينااااااظي باسم بننننت غيييرك وهو فوووقك يعني بالله عليك ويييين

    كرااااااااااامممممتتتتتتتتتتكككككككك

    ردحذف
  86. ترا ينااااااظي باسم بننننت غيييرك وهو فوووقك يعني بالله عليك ويييين

    كرااااااااااامممممتتتتتتتتتتكككككككك

    ردحذف
  87. ويييين كبريااااائك اللي

    تدعيييييينه قدام ليييينااااااااا
    يا خااااضعة ياعدييمة كراااااامة تف

    ردحذف
  88. تمام الحين دور ظلام تعال لهنا

    ردحذف
  89. يااااااا واطييييييييييي
    (ما بعرف المعنى المهم مسبة)

    ردحذف
  90. Sei un uomo senza valore, parli tanto ma non vali niente. Ti comporti come se fossi importante, ma in realtà sei solo ridicolo e vuoto dentro. Nessuno ti rispetta davvero, fanno solo finta per non perdere tempo con te.

    ردحذف
  91. Troia e cane miserabile🐶🐶🐶🐶🐶

    ردحذف
  92. Sei un uomo senza valore, parli tanto ma non vali niente. Ti comporti come se fossi importante, ma in realtà sei solo ridicolo e vuoto dentro. Nessuno ti rispetta davvero,

    ردحذف
  93. fanno solo finta per non perdere tempo con te. Troia e cane miserabile, sporco dentro e fuori, senza dignità né rispetto per te stesso. Sei solo un’ombra inutile che passa senza lasciare nulla🐶🐶🐶⚔️⚔️⚔️⚔️🔪🔪🔪🔪🔪🔪

    ردحذف
  94. fanno solo finta per non perdere tempo con te. Troia e cane miserabile, sporco dentro e fuori, senza dignità né rispetto per te stesso. Sei solo un’ombra inutile che passa senza lasciare nulla🐶🐶🐶⚔️⚔️⚔️⚔️🔪🔪🔪🔪🔪🔪

    ردحذف
  95. Sei solo un fallimento che prova a nascondersi dietro parole vuote credi di essere forte ma sei debole e patetico nessuno prende sul serio quello che dici troia e cane miserabile senza onore né dignità vivi come un’ombra sporca senza valore e senza rispetto🔪🔪🔪🔪

    ردحذف
  96. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  97. Sei solo un fallimento che prova a nascondersi dietro parole vuote credi di essere forte ma sei debole e patetico nessuno prende sul serio quello che dici troia cane miserabile bastardo verme infame pezzo di spazzatura senza onore né dignità vivi come un’ombra sporca senza valore e senza rispetto🔪🔪تف تف تف تف

    ردحذف
  98. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  99. يااااا تف يااااا غبي ياااااا اسمع اسمع

    Sei una vergogna che camminacredi di avere valore ma sei solo vuoto e inutile nessuno ti prende sul serio troia cane bastardo verme schifoso codardo senza spina dorsale rifiuto umano vivi senza dignità né rispetto e non lasci nulla dietro di te

    ردحذف
  100. لسااااااا ما انتهييييييتتتتتتتت

    ردحذف
  101. Non sei niente più di una presenza fastidiosa che nessuno vuole intorno fai finta di essere qualcuno ma sei solo falso e vuoto troia cane bastardo verme sporco miserabile inutile senza dignità né onore rifiuto umano cammini senza scopo e senza rispetto per te stesso

    ردحذف
  102. Bastardo 😭😭🤧🤧🤧🤧وغد

    ردحذف
  103. لسه ما انتهييييييت راح رووووح احط قطرات لعيوني واشرب مسكن لراسي وارجععععلك اقواااااااععععععع

    ردحذف
  104. الصورة تبع القصة بتشد كتير ❤️❤️شكرا للكاتبة الرواية بتجنن

    ردحذف

إرسال تعليق

Madness come back a live

اقتباس من فيلين

Behind his black eyes

A novel 1999

1999 a novel

اقتباس