Ch 15 رماد

العدل الإلهي لا يسير وفق توقيتنا نحن.....بل وفق حكمته هو


كانت لينا ترتجف وهي تمسك بطنها بيدها المكبله بخوف شديد وألم ...ورغبه عامره في التقيء لكنها لم تستطع ...لا تري سوي الاسود امام عينيها اسفل الغطاء الذي يغطي رأسها تسمع اصوات لكنها لم تكن تفهم شيئاً ربما حتي عقلها لم يستوعب ما يحدث وهي تظن انه مجرد حلم او كابوس سوف تستيقظ منه ....السياره كانت تهتز بهم وهي تسير بسرعه دون توقف ....لا تعلم الي اين يإخذونها كانت تشعر بالاعياء الشديد وربما تفقد وعيها وتستعيده كل ثانيه ....لا تفهم ما الامر ...ماذا حدث ....لما لا ينتهي الكابوس ....وتمنت لو بقيت في هذا الظلام للابد ....


بعد ساعات توقفت السياره ...كانت تسمع صوت قرع احذيتهم الثقيله فوق الارضيه الحديدية للسياره وفجاه سحبها احدهم  من  الاصفاد المقيده بها كادت تسقط علي بطنها وكي تحميها ركعت علي ركبتيها كمحاوله بائسه  حتي شعرت وكأنهم كسروا من ثقلها وقوه سحبها ...لم يعطوها فرصه لتبتلع الالم سحبوها بعنف مره اخري وكأنها حيوانه لتنهض متقدمه وهي تخفض رأسها بخوف خشيه ان يرتطم بسقف السياره دون ان تري امامها لتصيح وتصرخ حينما احتضنها فرد بهم الي جسدها لينزلها من السياره كارهه لمسته وهو يردف بنبره حقيره : ايتها العاهره هل لمستي شائكه ولمسه الاوغاد الذين نفخوا بطنك لا ....واخذ يسحبها نحوه لتسير وهي تبكي وتدفعه ولا تعلم الي اين يسحبها لا تري شيء اسفل الكيس القماشي الاسود فوق رأسها حتي شعرت بالاختناق .....سمعت صوت رجل يصيح : ماذا احضرت لنا 


ليجيبه الوغد بابتسامه حقيره: الا تشبع ايها العاهر ....الا تكفيك العاهرات بالداخل ...صرخت لينا اسفل الغطاء وهي تدفعه عنها : اتركني لا تلمسني ...ابتعد عني ....والاخر يسحبها نحوه ويدفعها لمكان ما سلالم كثيره الي الاسفل وهي تتعثر وهو يلتقطها ويتحسسها بحقاره وهي تصرخ به حتي توقف لتشهق حينما سحب الكيس من فوق رأسها لترمق شاب ربما في العشرين بملامح سوداء ولحيه عاليه وابتسامه حقيره شرد بعينيها ثم اردف بخبث:تباً لي لابد ان الجميع كانوا يتهافتون عليك هناك صحيح ....ماهذه الاعين واللعنه .... رفعت لينا كلا يديها دافعه اياه لتشهق حينما سحبها من مؤخره رأسها نحو باب حديدي فتحه ثم دفعها لتتعثر تريد السقوط علي وجهها لكن امرأه التقتتها في حضنها والحقير يردف : انتبهو للجميله ريثما اعود اليها ثم القي قبله نحوهم في الهواء واغلق الباب موصد اياه لترمش لينا حينما اندفعت فتاه نحو الباب باصقه عليه ثم التفتت اليها لتشعر لينا بالزعر كانت فتاه بعلامه علي كلا شفتيها كابتسامه تشق حتي منتصف وجنتها ...ندبه عميقه وكان احدهم مزقها بسكين وشعرها كستنائي قصير ومموج تقدمت نحوها لترتجف لينا حينما سندتها مع المرأه الاخري نحو الحائط وفراش ارضي مرتب لتجلس فوقه وهي ترمقهم بخوف شديد ....كانت امرأه بنهايه الاربعين والفتاه ذات الندبه شابه ربما بالثلاثين من عمرها وشابه اخري تبدو بعمر التاسعه عشر او اكثر تجلس بمفردها بمكان جانبي نحو الجدار وشارده لا تتحدث وفتاه مراهقه صغيره ربما في الحاديه عشر من عمرها ....التفتت لينا نحو المرأه الكبيره تحمل زجاجه ماء قديمه واعطتها اياها مردفه بهدوء : انظري الي وجهك تبدين شاحبه تنفسي وتناولي الماء 


لم تستطع لينا كانت ترتعش ولا تستطيع نطق كلمه لتردف الفتاه ذات الندبه : دور صافي الا ترين انها ترتعش من الصدمه ...ثم التفتت الي لينا : اخبريني هل تم اخطافك ام انك اتيتي لزياره احد اقاربك او ربما زوجك هنا صحيح؟ 


هزت لينا رأسها وهي ترتجف واعينها حمراء كالدم لتردف الفتاه الصغيره : ربما اختطفوها انظروا الي ملابسها الفاخره لا اعتقد ان احد اقاربها بهذا المكان المقزز سيده عدن...


كانت تقصد بعدن الفتاه ذات الندبه والتي رمقت ملابس لينا وكأنها لاحظت ذلك للتو امسكت طرف عبائتها المطرز بالحروف والرسوم الاندلسيه لتؤمي بتأيد مردفه : ملاحظه جيده غدي ....


ابتسمت الفتاه الصغيره واقتربت من لينا بهدوء جالسه بجوارها ممسكه يدها التي ترتعش واخذت تربط عليها بحنان وابتسامه جميله ذات غمازه واحده : لا بأس تنفسي واهدئي انت بخير الان 


رمقتها لينا وهي ترتجف لا تعلم الكلمات عاجزه عن الخروج من فمها اما انها فقدت النطق تماماً.... فتحت لينا شفتيها الجافتين حاولت أن تنطق... أن تقول اسم ظلام.... أن تصرخ باسم مايل.... أو حتى أن تستغيث بكلمة أمي... لكن صوتها كان قد مات في حنجرتها....لم يخرج منها سوى حشرجة واهنة..... غصة خنقتها وجعلت الدموع الحارة تنفجر من عينيها الحمراء  التي كانت قد جفت تماماً لتغسل شحوب وجنتيها.... هزت رأسها بنفيٍ هستيري وضمت ركبتيها إلى صدرها بقدر ما سمح لها بطنها المنتفخ ودفعت نفسها للخلف لـتلتصق بالحائط الخرساني البارد وكأنها تحاول الاختباء داخل الشقوق....


تنهدت السيدة دورصافي بحزن ووضعت زجاجة الماء جانباً ثم التفتت إلى عدن قائلة بنبرة منخفضة:دعوها الآن.. الصدمة ألجمت لسانها....المسكينة حُبلى وفي أيامها الأخيرة والكلاب العواهر في الخارج لم يرحموا ضعفها....


تراجعت عدن ذات الندبة العميقة خطوه للوراء وعينيها اللامعة تضيء بغضب دفين نحو الباب الحديدي المغلق ثم رمقت عباءة لينا الأندلسية الفاخرة مرة أخرى وتمتمت بسخرية مريرة:

ملابس فاخرة وتطريز ملوك.. يبدو أن الأوغاد في الخارج قد سرقوا صيداً ثميناً هذه المرة.... لو علم من يملكها بمكانها لقلب هذه المقبرة فوق رؤوسهم....


في هذه الأثناء تحركت الفتاة الشابة البالغة من العمر العشرين او التاسعه عشر تقريبا  تلك التي كانت تجلس بمفردها في الزاوية المظلمة شاردة ونظرت نحو لينا بنظرة فارغة... ميتة....خالية من أي مشاعر... وكأنها ترى في لينا نسختها القديمة قبل أن يكسرها هذا المكان....لم تتحدث....بل عادت لتسند رأسها على الحائط وتغلق عينيها مستسلمة لظلامها الخاص....



أما الصغيرة غدي فلم تفلت يد لينا....اقتربت أكثر حتى التفت ذراعها الصغيرة حول كتف لينا المرتعشة ودفنت رأسها بقربها هامسة بنبرة طفولية بريئة حاولت فيها بث الشجاعه في قلبها:لا تخافي....ماما دور صافي تحمينا هنا... وعدن تضرب أي أحد يحاول الاقتراب من الباب....نامي قليلاً.... الكوابيس ترحل عندما ننام...


تلك الكلمات البسيطة من الطفلة كانت كالقشة التي تعلقت بها روح لينا الغارقة....أغمضت عينيها بقوة....فتراءت لها غرفتها القديمة... وزاويتها المقدسة....والخدوش البارزة للآية المحفورة على الجدار....كانت غير واعيه لدرجه تتمني لو تختبيء داخل حضن ظلام الان ...وكأنه هو المكان الوحيد الامن لها في هذا العالم الموحش ...وحصنه الذي كانت تصرخ لتتحرر منه... كان الطوق الوحيد الذي يحمي عذريتها وكرامتها وجنينها من مخالب كلاب  الشوارع تلك ....هذا ماكان يصرخ به عقلها الذي اعتاد عليه لدرجه لم تعد تراه... حتي هواء الغرفه الذي يحتوي علي رائحته اختفي لدرجه شعرت بالاختناق والرجفه ...ماذا سيفعل ان لم يجدها ...سيغضب وعندما يعثر عليها سيعاقبها مجددا ....سيقتلها ....


انثنت روح لينا إلى الداخل وانكمشت على ذاتها في عملية ارتداد نفسي عنيف يُعرف بـالاستلاب الروحي التام... في تلك اللحظة لم تعد جدران السجن القذر هي ما يخنقها.... بل الفراغ المرعب الذي تركه غياب ظلام في مسامات وعيها...لقد نجح ذلك المسخ على مدار عام كامل في إعادة هيكلة عقلها...وغسل دوافعها الفطرية ليجعل من نفسه كل شيء بالنسبه لها ....لربيعها وخريفها....سلبها إرادتها بلطفٍ مسموم وقسوة مطلقة....حتى باتت ترى في قيدها أماناً.... وفي حصنه الخانق حريه من نوع آخر....


كان عقلها المضطرب يمر بحالة من التشظي....فالإنسان الطبيعي يشعر بالخوف من ساجنه....لكن لينا تجاوزت هذه المرحلة إلى متلازمة استغراق كامل.... شوهت غريزة البقاء لديها....الهواء هنا في هذه الزنزانة نقي مقارنةً بسرداب ظلام المليء برائحته .... ومع ذلك.... كانت رئتاها ترفضان هذا النقاء! كانت تشعر باختناق حقيقي لأن جزيئات الهواء لا تحمل رائحة عِطره الحاد التي ادمنتها.... ذلك العطر الذي كان بمثابة الشيفرة الكيميائية التي تخبر جسدها المنهك....أنتي في حمايته.. لن يلمسكي أحد .... 


زحف الخوف إلى أعماقها بأسئلة هوسية مرعبة....أسئلة تعكس مدى الانهيار النفسي والاستلاب الذي تعرضت له...ماذا لو عاد ولم يجدني اجلس في تلك الزاويه كعادتي....ماذا لو ظن اني هربت ....سيصاب بالجنون ....سيحرق كل شيء حتي يعثر علي....وسوف يفعل ....كيف سيعاقبني ؟.... هذا الاضطراب النفسي جعلها تخاف من النجاة بقدر خوفها من الهلاك.... لقد تحول ظلام في عقلها الباطن من مجرد سجان وخاطف إلى شيطان يتحكم في مصير أنفاسها....إنها لا تجد الأمان في الحرية.... لأن الحرية في غيابه تعني الشارع....والشارع يعني الكلاب الباذخة في الحقارة كالمسوخ  وفاطمه الذين سحبوها من معصميها الي هذا المكان المخيف ....الأمان بالنسبة للينا تشوه ليتجسد في صورة واحدة فقط....أن تكون سجينة....مقيدة ...ومحمية تحت عباءة رجل يقتلع عيون العالم لتبقى هي في مأمن.....ضغطت بيديها المرتجفه علي اذنها لتسكت الاصوات المضطربه في عقلها وهي تهز رأسها بهستريا منطويه الي الحائط البارد اكثر بخوف وهم ينظرون اليها باستغراب شديد وهي تشيح وجهها وكأنها تريد الاختفاء عن اعينيهم وأعين العالم  ....لا تريد هذا العالم ...لا اريد ان ابقي هنا ....اريد ظلامي الحارس....حتي وان كان الموت علي يديه هو عقابي الاخير....


رمقت عدن السيده دور صافي ثم رمقت لينا مره اخري وجلست ارضاً بالجدار المقابل الي لينا كانت ترتدي بنطال جينز وتي شرت قصير وقديم مهتر تعبث بمشرط وقطعه خشبيه رفيعه تسنها حتي اصبحت مقدمتها حاده كنصل ...اشارت الي غدي بحاجبها ان تبتعد عنها لكن غدي رمقتها بملامح متأثره لطيفه تبادلت عدن النظرات مع دور صافي لم يكن غريب عليهن رؤيه فتيات محطمات يدخلن هذا المكان لكن هذه الفتاه الحامل كانت حاله خاصه ....لم تكن تبكي خوفاً من السجن ...بل كانت تبكي وكأنها خائفه من العالم الخارجي ....اقتربت السيده دور صافي من لينا جالسه القرفصاء امامها لكن لينا كانت تشيح وجهها منهم حاشره وجهها بالحائط لتردف دور صافي بحنان : لما انت خائفه ....نحن هنا بجوارك تنفسي ...لتهز لينا رأسها مردفه بنبره متحشرجه: لا اريد ....اريد ظلام ...لا اريد هنا ...اريد غرفتي ....


لتعقد دور صافي حاجبيها : من يكون ظلام ...زوجك؟ 


لتمسك لينا رأسها هازه رأسها لا تعلم بما تجيبها ....ولا تريد لكن دور صافي لم تتركها مُصره علي معرفته : من ظلام ....اخبريني ....لكن لينا لم تتحدث كانت في نوبه هستريا او هلع حاده وترتجف لتردف دور صافي مبتلعه ريقها : ظلام مورسال او ظلام اخر ؟


توقفت لينا متجمده ثم التفتت ببطيء نحو دور صافي بأعين حمراء  لتهز رأسها بقوه ممسكه يدها لترتعش دور صافي ولينا تردف بتوسل: نعم ...نعم هو ...هل تعرفينه ....اريده ...ارجوكي ....اريده ...هل تعرفين كيف اصل اليه 


سحبت دور صافي يدها منها وكأن لمستها احرقتها ناهضه وهي ترمقها بأعين متوسعه ثم التفتت نحو عدن الذي ظهرت ابتسامه اعلي ثغرها باستحقار ناحيه لينا واشاحت وجهها عنها ....ابتعدت دورصافي جالسه جانباً فوق فراش مقابل عدن واشاحت وجهها عن لينا وكأنها غير موجوده مردفه بقرف : غدي ...تعالي الي هنا ...


رمقت غدي والدتها بحزن ثم التفتت نحو لينا بشفقه ولطف هازه رأسها ولم تبتعد ....رمقت لينا دورصافي مطولاً منتظره اي اجابه لكنها لم تجيبها اشاحت وجهها عنها وكأنها غير موجوده لتبتسم عدن بملل مخاطبه لينا بنبره ساخره : ظلام مورسال يكون زوجك ؟!


رمقتها لينا بأعين حمراء ثم اخفضت وجهها محتضنه بطنها واشاحت وجهها الي الحائط دون اجابه ....وكأن الاجابه ثقيله للغايه علي قلبها .....هزت عدن رأسها ثم تسطحت فوق فراشها بلا اكتراث معطيه ظهرها لهم واغمضت عينيها بينما كانت تجلس السيده دورصافي تنظر الي الحائط بصمت ساقيها مقابل صدرها وتتكئ بكوعها فوقهم وفكها فوق كف يدها كمن يحمل هم فوق صدره وصامت ....لم يعد يتحدث احد الي لينا ....حتي نامت مكانها وكل خمس دقائق تنتفض بذعر أثناء نومها حتي اليوم التالي فزعت حينما ضرب احد الحراس الباب المعدني بقوه ثم مرر الطعام من اسفله لينقلب اغلبه علي الارض بلا اكتراث ثم ذهب ....جلست لينا وهي تعدل العبائه علي جسدها وترمق الاخريات ...عدن التفتت فاتحه عين واحده ناعسه شبه نائمه رامقه الطعام ثم تنهدت بملل مغمضه مره اخري ....والسيده دور صافي نهضت بهدوء واخذت تجمع الطعام من الارض والخبز تنفض عنه التراب ....لتجفل لينا حينما رأت غدي جلست بجوارها ولم تشعر بها تبتسم لها بابتسامه بريئه ولطيفه وكأنها الطمائنينه بعد التوبه ....ابتسامتها كانت كذلك ...شردت لينا بها حتي نادتها دور صافي لتبتعد عنها لتلمح لينا الفتاه التي لم تعرف اسمها بعد تجلس بزاويه الزنزانه وتخدش الحائط بإظفرها وكأنها فاقده جزء من عقلها لتلتفت حينما وضعت السيده دور صافي قطعه خبز وجبن قديم لتردف لينا بنبره مبوححه: انا صائمه 


عقدت دور صافي حاجبيها باستغراب :ولما؟


لتردف لينا وهي لا تنظر في عينيها مخفضه رأسها وكأنها تستشعر العار من اعين الغرباء وكأن الجميع يعرفون حقيقتها وحقيقه ماتحمله داخل رحمها : رمضان اليوم السادس


رمشت دور صافي مطولا ثم التفتت الي عدن التي شتمت بنبره خافته: ابناء العاهره 


لتردف غدي : لا نعلم اي يوم نحن به ....الايام هنا متشابهه بشده ....مرت ايام كثيره لكن لا نعلم اي يوم هو .....لكن انت لم تأكلي منذ البارحه؟ ....لم تجيبها لينا ...لا شهيه لها لاي شيء ....تنهدت دور صافي حامله الطعام ثم وضعته جانباً وغطته بالخبز لانه جاف علي اي حال وجلست لتردف غدي: هذا يعني سنصوم؟ كيف سنعرف متي نفطر اذاً  


ساد صمت ثقيل داخل الزنزانة...صمت لم تقطعه سوى الخدوش الرتيبة والمستمرة لأظافر الفتاة الشاردة في الزاوية وهي تحفر في خرسانة الحائط كمن يحاول حفر مخرج أو عد أيام لا تنتهي....نظرت السيدة دورصافي إلى لينا بنظرة مطولة .... في مكان كقاع هذا السرداب حيث تُسحق الآدمية ويُنسى الزمن.... كانت لينا تبدو وكأنها الكائن الوحيد الذي ما زال يحمل في جيبه مفتاحاً للعالم الحقيقي...إنها تحتفظ بالتاريخ... باليوم... وبالشعائر... في حين أن الأخريات قد جرفهن تيار العتمة حتى نسين ملامح الفصول....


عدن التي كانت تستند برأسها على الحائط بنعاس فركت وجهها بقوة لتطرد ما تبقى من نوم ثم زفرت بمرارة والتفتت نحو غدي قائلة بنبرة متهكمة لكنها دافئة:كيف سنعرف متي نفطر؟ بسيطة يا غدي...عندما يتوقف هؤلاء الكلاب في الخارج عن العواء لعدة دقائق أو عندما يبدأ السجان الحقير بالخارج في شرب الخمر كخنزير عاهر...هذا هو مغرب هذا المكان اللعين...


:عدن... كفي عن بذاءتك أمام الطفلة.... قاطعتها السيدة صافي بنهر خفيف وهي تلتفت للينا ثم أكملت بجدية وهدوء واثق: سنفطر حين يهدأ الحرس ويدخلون غرفتهم للنوم...وحين تبدأ البرودة في الزحف من شقوق الباب.. هذا هو ليلنا هنا...طالما أنكي صائمة ياابنتي....سنصوم معكي جميعاً....اليوم السادس من رمضان...مبارك عليكي الشهر...وإن كانت التهنئة في القبور متأخرة...


كلمة رمضان نزلت على جدران الزنزانة كغيث مفاجئ....غدي ابتسمت باتساع وغمازتها الوحيدة حُفرت في وجنتها بنقاء شديد واقتربت من لينا أكثر هامسة بحماس طفولي:أنا أيضاً سأصوم! ثم التفتت الي والدتها :ماما صافي دعينا نخبر غفران أيضاً.. لعلها تتوقف عن خدش الحائط وتصوم معنا..


التفتت لينا غريزياً نحو الزاوية عند سماع الاسم  غفران..... الفتاة ذات التسعة عشر عاماً.... للمرة الأولى منذ دخول لينا توقفت أصابع غفران عن حفر الجدار....التفتت برأسها ببطء شديد وشعرها الاسود المشعث يغطي نصف وجهها ورمقت لينا بعينين غائرتين....جافتين.... ومجردتين من أي بريق....تمتمت غفران بنبرة متحشرجة... غريبة....وكأنها لم تستخدم حبالها الصوتية منذ أشهر:رمضان؟.. هل سيمطر الله علينا طعاماً من السقف لأننا صائمون؟ أم سيمطر صواريخ لتهدم هذا المكان فوق رؤوسنا ونرتاح؟....


لتصيح بها عدن بحده :غفران اخرسي ...لكن غفران لم تهتم واعطتهم ظهرها واستأنفت خدش الجدار ببرود مرعب 


تجاهلت السيدة دورصافي الأجواء المشحونة واقتربت بجسدها من لينا وجلست أمامها على الفراش الأرضي البارد....أخذت يد لينا بين كفيها الخشنتين الدافئتين وقالت بنبرة أمومية حنونة وهي تنظر في عينيها الحمراء بنبره بارده قليلاً:لا عليك منها لينا.... غفران ماتت روحها هنا منذ زمن.... أخبريني... كيف هي بطنك الآن؟... هل تشعرين بأي وجع؟....الصيام قد يجهدك وأنتي في شهرك الأخير...والطفل يحتاج إلى غذاء...


لتردف عدن بسخريه :وكأن وليمه السلطان سليمان تنتظرها 


التفتت دور صافي برأسها رامقه اياها بملل لتصفر عدن مشيحه وجهها عنها لتلتفت الي لينا مجددا حينما لم تصدر رده فعل نحوهم ....كانت مشتته وعينيها حمراء تماماً حتي اختفي بياضهم اطرافها منكمشه وغريبه ...جميله بشكل مفرط ورغم هذا الجمال علي ملامحها الا انها شاحبه وباهته كالموتي 



مر عده ايام وهي تجلس بجانب بمفردها لا تتحدث الي اي احد  .....تأكل بصعوبه لولا انها ذكرتها بأنه يوجد طفل داخلها لما كانت لتأكل....يسمح لهم بالخروج مره واحده باليوم الي الحمام في صفوف تحت السلاح  يأخذونهم الي حمام قذر ينظفون انفسهم ويغسلون ثيابهم التي لم تتغير لسنوات ولم تري الشمس .... كانت لينا تسير بصمت تمسك بطنها وشارده وكأنها مغيبه عن الواقع .... تتنفس ببطيء وتجلس بالزاويه بالزنزانه ...حاولت غدي ان تتقرب منها ...ان تحاول اخراجها من صمتها لكن الفتاه كانت مطفئه تماما حتي صلاتها كانت تؤديها بتعب وهي مكسوره كأنها تنتظر ان يجبرها الله ......بالبدايه استحقرتها والان شعرت بالشفقه عليها ....تنهدت دور صافي ناهضه من مكانها واشارت لغدي التي تجلس بجوارها طوال تلك الايام  لكنها كانت منطويه بشكل غريب صامته وكأن حياتها توقفت تماماً  ....نهضت غدي وجلست بجوار عدن التي نامت علي فخذها الصغير مردفه : ابحثي في شعري لربما اصيبت بالقمل 


اصدرت غدي صوت تقزز واخذت تدفع رأس عدن لكن الاخري كانت تضحك وترفض ابعاد رأسها مجبره الصغيره علي البحث في شعرها واخذت تتحدث معها دون توقف وكأنها تريد الهاها ....جلست دور صافي بجوار لينا مردفه بنبره خافته وهي شارده بـ غدي التي تضحك علي حديث عدن : اعرف ظلام مورسال .....التفتت لينا نحوها رامشه بأعين حمراء بطيئه والاخري تكمل بنبره غريبه وكأنها تحمل ثقل داخل صدرها :تعرفت عليه قبل اثنتا عشر سنه كُنت في الثامنه والثلاثين من عمري ....تم اعتقالي لاني حاولت اغتيال الزعيم مورسال زعيم طائفه الخالدون الارهابيه ....كان لدي ثأر بيني وبينه ....لكن الرصاص الذي اطلقته نحوه لم يكن كافياً ...قتلت معاونيه لكنه لم يمت ....لم اهرب ...ولم اتحرك....بقيت واقفه انظر الي عينيه بعدما افرغت سلاحي بهم لفظوا انفاسهم الاخيره اما هو لم يفعل بقي جالساً فوق اريكته واكمل دخان سيجارته وهناك ثقبين في اعلي صدره ومعدته .....ينظر لي بهدوء لم يصيح ولم يتحرك مثل الاخرين الذين حاولو تصويبي .....الحرس يدفعون الباب بقوتهم.. فكرت باطلاق النار برأسي او رأسه لكن سلاحي كان فارغاً ....


التفتت لينا بكامل جسدها نحو السيدة دور صافي وللمرة الأولى منذ أيام التقت عيناها الحمراء بعيني المرأة الأربعينية بنظرة مركزة خالية من الهستيريا ومليئة بذهول وصدمة ألجمتها تماماً.... تابعت دور صافي حديثها بنبرة هادئة....باردة كبرود بلاط الزنزانة.... وعينيها شارده في الفراغ وكأنها تقرأ سطور الماضي من على الجدار: أفرغتُ سلاحي في صدره... وكان ينظر إلي بذات الهدوء المرعب...عندما اقتحم الحرس الغرفة...لم يأمر الزعيم بقتلي.... بل أشار إليهم بسبحته ليتوقفوا...كان ينزف ببطء...ودخان سيجارته يتصاعد حوله ببرود قاتل...



صمتت صافي لثوان والتفتت لتنظر إلى وجه لينا الشاحب لتكمل بفحيح خافت ونبره تحمل القهر: قال لهم بنبره خشنه خافته وهادئه كالموت: خذوها الي المقبره السوداء ...ارسلوها الي ظلام ليجعلها عِبره.... 


أخذت دورصافي نفساً عميقاً وأردفت وهي تلمس كف لينا وعينيها شارده بالفراغ مكمله ...:القوني داخل سياره وارسلوني الي هناك حيث المقبره السوداء التي تحتوي علي وجههم الحقيقي ....تحتوي علي قذارتهم ....علي ظلامهم ....من يدخل هنا لا يخرج ابداً الا جثه ....ينتهي امره تماماً ....ويصبح نسياً منسياً في قاع الارض ....وجدت نفسي داخل زنزانه بمفردي ....جلست بهدوء لساعات وانا اشعر بجزء بداخلي تم تضميده ....اخذت ثأري علي الاقل واتمني لو يموت مورسال ايضاً ....اصبحت اغني كل ليله ....حتي لا يصاب عقلي بالجنون ...ليس من الوحده وانما بسبب اصوات النساء التي تصرخ وهم يمزقون اجسادهم واصوات الرجال وهم يتوسلون الرحمه ....كنت اغني كي اشعر ولو قليلاً ان العالم لازال بخير ....لكن بتلك الليله ...استفزهم صوت غنائي ...يريدون اثبات ان العالم بشع ....اثبات ان الجمال خطيئة لا تُغتفر في مسالخهم....وأن صوتي العذب الذي يحاول ترميم شقوق الروح ما هو إلا امتداد لضعفٍ يجب سحقه.... انفتح الباب الحديدي بغتة واصدر صوت ضجيج في أركان الزنزانة الصامتة.... واندلع ضوء الممر الأصفر الباهت ليعمي عيني التي اعتادتا العتمة.....لم يكونوا حراساً عاديين.... بل كانوا مسوخاً برداء عسكري اسود ولثام يخفي وجوههم القبيحه... تفوح منهم رائحة الخمر والبارود والوحشية المحبوسة.... سحبوني من شعري بلا رحمة والكلابشات الحديدية تنهش معصمي وأنا أقاوم بضراوة أذهلتهم.... لكن القوة الغاشمة انتصرت في النهاية....سحبوني من شعري في الممر البارد حيث كانت أصوات الصراخ والارتطام للأجساد الممزقة بالداخل تبدو الآن أقرب وأكثر وضوحاً كمعزوفة جنائزية تعزفها الشياطين.....سحبوني من شعري رغماً عني والقوني بغرفه ارضاً بعد خمسه ايام من مكوثي داخل المقبره السوداء....رفعت رأسي والشعر يغطي نصف وجههي لاراه ....كان يافعاً في العشرين من عمره ملامحه سوداء خاليه من الرحمه يرتدي ملابس مهمات وحذاء عسكري ثقيل وغتره من الابيض والاسود حول عنقه حالق شعره تماماً وملامحه توحي بأنه لم يري النعيم قط ...حتي اللمعه داخل عينيه السوداء كانت مطفئه ....لم يردف شيء سوي جمله واحده ...بنبره جعلت قشعريره تسري في جسدي وتركت حبراً اسود داخل روحي طوال هذه السنين : الرصاص الموجه لوالدي....يُدفع ثمنه عمراً كاملاً في العتمه .....


وبعدها اصبح كل شيء ضبابي ...لم يراعي الشيب الذي بدا يغزو رأسي ولا الفارق العمري بيننا ...كان مسخ ...اسود ...شيطان ....وكأنه صنع داخل الجحيم ...لا يمتلك ذره رحمه في قلبه ...وكأنه لا يعرفها قط ولم يراها ....حتي ملامحه كانت جامده وكأنه رأي اشياء اظلمت روحه ....لم يكسرني بالضرب او التعذيب ....المرأه تستطيع تحمل كسر جسدها ...لكن لا تستطيع تحمل كسر روحها ....اغتصبني ....كسر روحي واهانني ....تركني اتنفس بصعوبه  فوق الارضيه البارده وانا احاول سحب بنطالي وارتجف رامقه اياه بأعين تحمل القهر والذل والضعف والانهاك وهو يذهب نحو الباب مردفاً بنبره فارغه مخيفه وخافته كالموت : استمري بالغناء ....



قالها ثم غادر وانا اتطلع نحو ظله الذي اختفي ....ولم اراه مجددا ولم يعد الجميع يسمع صوتي ....اسمعهم يضحكون خلف الباب ويقرعونه بعنف ويقولون : غني ام الظلام ابتلع صوتك ..... التفتت دورصافي نحو غدي ذات الاحدي عشر عاماً التي كانت تبتسم ببراءه وهي تمزح مع عدن شارده بها وهي تهمس بكسر واعين حمراء : حصلت علي غدي داخل تلك الزنزانه المظلمه ....اسميتها غدي ....كي تكون يومي المقبل ....مابين صلاه الفجر وطلوع الشمس ....لعلها تنتشلني من هذا المكان ....ولعلها تكون سكني الذي فقدته ...


رمشت لينا بأعين حمراء ووجه شاحب رامقه دورصافي الذي حنت رأسها بكسره فاركه اناملها ببعض والدموع عالقه في عينيها هامسه : اعتذر منك ....ماان علمت انك تنتمين الي ظلام مورسال اردت قتلك ...خنقك بيدي ....لكني رأيته ...واعلم انه ليس به شيء جيد ....وانه مظلم ومخيف ....التفتت دور صافي نحو لينا التي تنظر لها برجفه واعين دامعه لتبتسم لها بوهن : الخوف الذي يعتليك ....اشعرني انه لم يكسر روحك مثلي فقط ....بل سلبك اياها وتركك داخل الفراغ ....لهذا تشعرين انك ممتلئه به فقط ....وبدونه انت داخل العدم 


ساد صمتٌ كأنه صمت القبور بعد أن لَفَظَت دور صافي كلماتها الأخيرة.... تلاشت أصوات الضحكات البسيطة لعدن وغدي في زاوية الغرفة ليحل محلها شيء ثقيل فوق صدر لينا حتى كادت تسمع صوت تحطم عظامها.... كانت اعين لينا الحمراء متسعه بذهول ممسوس وهي تحدق في الفراغ الفاصل بينها وبين دور صافي... الكلمات لم تعد مجرد قصة...بل تحولت الي سكين اُغمد في عقلها ...شعرت لينا بدوار عنيف ورغبة عارمة في التقيؤ... ليس بسبب الحمل....بل لشدة التقزز والاضطراب الذي عصف بعقلها الباطن...الهيكل الوهمي لـظلام الذي بناه في رأسها طوال عام كامل ...ذلك الحصن الذي بكت لتعود لدفئه ورائحته قبل قليل بدأ ينهار ويتفتت أمام عينيها متذكره كل شيء وكأنها كانت فاقده لعقلها ....مدت لينا يدها متحسسه أسفل كم عبائتها ممسكه باطراف اناملها اسواره مايل ودمعه حاره سقطت علي وجنتها ....ارتجفت يديها واضعه اياهم فوق رأسها وهي تتذكر كل شيء كل لحظه قهر ...اغتصابه ....سلبها روحها وعائلتها ومايل .... نجح ذلك المسخ في تنويمها مغناطيسياً خلف جدران حِصنه لعام كامل ....ظلام لم يكن يوماً وطناً... بل كان المقبرة....رمشت دور صافي نحو لينا التي انكمشت حول نفسها بالقدر الذي يسمح لها بطنها المنتفخ نائمه دون كلمه وعينيها عالقه في الفراغ وكأنها تهرب ....لتلتفت غدي وعدن نحوهم  لتنهض غدي واقفه امام لينا ثم أردفت بقلق:ماما ماذا اصابها ماذا قلتي لها 





نهضت دور صافي علي ركبتيها وحاولت جعلها تستعيد وعيها لكن لينا كانت تتنفس بقوه لتجفل عدن ناهضه وسحبت قدميها للاعلي مردفه بصوت عال:غدي افركي يديها بسرعه دور صافي احضري الماء افطريها الان 





ركضت دور صافي حامله الماء واخذت تمسح وجه لينا التي كانت تشهق بأنفاس مسلوبه وكأنها تختنق بقوه تنظر اليهم وهم يحيطون بها وكأنها نوبه هلع محاولين مساعدتها لتردف دورصافي محاوله اخراجها من ازمتها :تنفسي ...انظري الي طفلك ....انه يشعر بنبضات قلبك سوف يموت لينا.... تنفسي لاجله ..... سحبت لينا يديها منهم بعنف وتكورت حول جنينها وهي تشهق برعشه لتمسك عدن يد دور صافي حينما حاولت الاقتراب منها هامسه : إنها نوبه هلع لربما لم تتحمل ماقلته ... هذه الفتاه لابد ان لديها ازمه نفسيه حاده توخي الحذر دور صافي لم يكن عليك إخبارها شيء ربما يكون زوجها وتحبه 



التفتت نحوها دور صافي هامسه : هل ماترينه يبدو حبا عدن انظري اليها هذه الفتاه كانت تحتضر انت لم تري ذلك المسخ أنا رايته 


عدن بقهر : رايت ما يكفي من المسوخ دور صافي ...ثم التفتت عدن بعينيها نحو غدي التي كانت تجلس القرفصاء أمام رأس لينا تمسد شعرها الأسود وتغني لها بابتسامه تهويده نوم هادئه بصوتها الناعم  لتشير الي دور صافي التي التفتت نحو طفلتها وهي تبتسم وتمسد علي بطنها مره وكأنها تهديء الجنين وتهدء أمه معاً حتي سكنت نوبه هلع لينا واغمضت عينيها نائمه لتلتفت  اليهم : مسكينه ماما 





لم تجيبها صافي فقط جلست بعيدا متنهده بتعب وهي شارده بطفلتها التي تبتسم بفضول نحو بطنها منذ ان أخبرتها عدن انه يوجد طفل هناك ولا تدرك ان هذا الطفل يكون اخيها.... كانت ليله طويله المسكينه كانت تنتفض من نومها بذعر وتردد أسم ظلام حتي شعرت بالندم الشديد علي إخبارها  شيء كهذا لا أعلم سرها ولا اعلم ما مرت به حتي وصلت الي هذه الحاله المخيفه ...نام الجميع حتي عقدت عدن حاجبيها حينما التفتت نحو الباب ولينا تضرب عليه بقوه وتصيح أخرجوني من هنا .... أريد ظلام .... ربما فقدت عقلها .... قلبت عينيها بعدم تصديق ثم جلست فاركه عينيها باناملها ثم تثائبت لتردف مقاطعه نواح الاخري : هيي انظري لي 





التفتت لينا نحوها وهي ترتجف لتنهض عدن واقفه ولينا تراجعت للخلف ملتصقه بزاويه الباب لتردف عدن بنبره حاده وسوداء : نحن هنا منذ سنوات .... نحاول ألا نصدر صوت واحد فقط كي لا يشعر الخنازير بوجودنا .... فلا تفتحي عينيهم ... إذا كنت لا تعلمين شيء بخصوصهم فاصمتي واجلسي مكانك وانتظري ذلك الوغد حتي يقرر إنقاذك من هنا او لا ... ولا اعتقد انه سيفعل .... أنا لست خائفه من هؤولاء الأوغاد ... لكن هذه الفتاه في الحاديه عشر من عمرها إذا علموا بوجودها سيمزقونها إرباً لا تتخيلين كيف نحاول اخفائها ... ألم تلاحظي لايام أنها لا تدخل الي الحمام معنا والدتها تنظف لها هنا وتخفيها كي لا يرونها المسوخ بالخارج ......نحاول حمايتها بالقدر الكافي ... شهقت لينا حينما سحبتها من ذراعها بقسوه مشيره نحو غفران بالزاويه : انظري اليها .... احضروها هنا تنزف بعدما اغتصبها عشره رجال معا .... مزقوها وألقوها هنا كالقمامه دون ان يكترثوا هل ماتت أم لا ....وليكن بعلمك كانت تعمل معهم وحينما تم كشف امرها لم يستطيعوا التخلص منها دون الاستفاده بلحمها قاموا بتمريرها لكل شخص بهم حتي انتهي بها الأمر هنا مع عشره رجال لايام يتناوبون عليها ...... لأشهر كانت فاقده لعقلها وتجلس هنا دون حركه . .... نستطيع التعامل مع المختلين والمسوخ لكن لا نستطيع التعامل مع النساء الغبيات .... وأنت لا تبدين لي غبيه حتي تبكي علي شخص كذلك الوغد الذي اغتصب دور صافي وغيرها الكثيرات .... ماقصتك واللعنه 



لم تجيبها لينا كانت ترمقها بخوف حتي انتبهت لينا الي لون عينيها تحت الضوء الخافت كان بياضها مائل للاصفر وليس ابيض لترتخي معالم عدن حينما رأت خوفها منها ثم اومئت مشيره لها نحو الزاويه ....:اجلسي مكانك ولا أريد صوتا ... حظك جيد ان نصفهم سكاري والنصف الاخر نائم كخنزير من شده الشرب وإلا أحضرتهم الينـ .... توقفت عدن عن الكلام فجأه صاقه أسنانها بملامح متألمه معتصره  جانب معدتها بألم شديد ثم اشارت الي لينا بحرقه ان تغرب عن وجهها وتقدمت نحو فراشها نائمه ومعطيه ظهرها لهم محتضنه معدتها ولم تردف كلمه 



تقدمت لينا جالسه ارضاً جانباً ماسحه دمعتها بيد مرتجفه.... مدت يدها واخذت تتحسس جنينها الذي بطئت حركته لتغمض عينيها بإرهاق ثم فتحتها ببطيء مجددا رامقه ظهر عدن هامسه بنبره واهنه وخافته : لا ابكي عليه .... ولا أريده ......فتحت عدن عينيها وجبهتها تتعرق من الألم الذي يغزو جانبها حتي ارتعشت يدها ...... لم تلتفت أو نظرت اليها استمرت بالتحديق بالحائط الأسود أمامها ولينا تكمل  خلفها بنبره مختنقه : أنا كغريق أتشبث بأفعي اعلم أنها إذا التفتت ستلدغني..... خسرت كل شيء .... شرفي ...سُمعتي...زوجي....عائلتي....عملي وحياتي....أصبحت نكره.... والان ضائعه لدرجه اشعر ... اشعر ..... ثم ابتلعت ريقيها باختناق .... تنهدت عدن بقهر مغمضه عينيها تاركه الاخري تتحدث دون ان تلتفت أو تنظر لها لأنها لن تفعل وكانّها تشعر بالخزي من نفسها ....اخبرتها بكل شيء .... بمدي ان الواقع بشع.... وان المسوخ في حياتنا مشوهين بامراض نفسيه ...وان كل شيء جميل ينتهي بسرعه ... وان الحياه ليست عادله دوماً ..... حتي وصلت للحظه التي أراد فيها المسخ ان يصلح نفسه بعد بحر الدماء الذي صنع واجبرها علي الرقص فوقه..... كيف عبث بعقلها واوهمها أنها السبب في كل شيء ..... حتي المسكينه صدقت كذبته ..... مسحت عدن دموعها خفيه دون ان تراها لينا التي أمالت رأسها محتضنه أكتافها بيديها واردفت بنبره واهنه : لا تلوميني .... لم ارد شيئا ... أردت كأي فتاه ان أتزوج الشخص الذي احب ..... ثم شهقت مكمله بغصه : وان أعيش ببيت دافيء مع أطفالي وامي .... لكنه سلبني كل شيء ....حتي أنفاسي ...خائفه ....خائفه ان ينتهي بي الامر هنا ....خائفه ان ينتهي مصير طفلي كمصير والده ...وان انجب نسخه اخري منه ويكون هناك لينا أخري مثلي ....لهذا خائفه ...خائفه بشده....ان اموت بلا هويه ....بلا اسم ...بلا ثمن


اعتصرت عدن عينيها واضعه يدها علي قلبها التي تشعر بنزيفه من شده القهر هامسه : لستِ الوحيده لينا ....لستِ الوحيده ....قالتها عدن واغمضت عينيها متكوره حول نفسها حتي فزعت في الصباح علي صوت قعر الباب الحديدي الصاخب ....فتحت عينيها بضيق جالسه وهي تفرك جانب معدتها لتري كابوسها   يقف امامها ...القي نظره مطوله علي الزنزانه كانت مرتبه ونظيفه علي عكس باقي الزنزانات التي تشبه القمامه كل امرأه فيهم لديها فراش قماشي جانبي ارضاً والارضيه نظيفه ثم استقرت عينيه نحو عدن بملامحها الشاحبه ليبتسم لها تلك الابتسامة التي جعلت قلبها يخفق ...اتكئت علي الحائط ناهضه وهمست بتعب : لا اشعر اني بخير ....ليبتسم الاخر حتي ظهرت اسنانه البيضاء مرجع خصلاته القصيره للخلف ثم اردف : لكني بخير واريدك 


نهضت لينا وهي تمسك بطنها ودورصافي التي تقدمت مردفه : ألم تمل ...لما لا تدعها وشأنها وتغرب عن...لتقاطعها عدن حينما امسكت معصمها بيد مرتعشه بتوسل رامقه اياها وهي تهز رأسها بألا تفعل ...ليرمش الاخر بملل ساحباً عدن من مؤخره شعرها لترتطم به رامقاً دور صافي بملامح حقيره : أنسيتي اننا بيننا اتفاق ...ثم انحني برأسه رامقاً أعين عدن  رافعاً يده الاخري متحسس ندبه وجهها : اليس كذلك عدني ؟!


ابتلعت عدن ريقيها بمراره هامسه بنبره مرتجفه: أَشْهب 

ليجيبها أشهب بأعين فارغه:هوسه 


لتردف الاخري بتعب: ارجوك لا تفعل ....ليس اليوم 

لتردف دورصافي: ألا تري حالتها ...انها مريضه اتوسلك ...خذني مكانها 

ليضحك الاخر رامقاً دورصافي باستمتاع : لا استطيع ايتها العجوز رغم انك لا تفوتين الا اني...ثم سحب عدن اليه أكثر من خصرها وشعرها بكلا يديه لتلتصق به وهو يردف وعينيه ترمق خاصتها : لا أقبل الا بها ...وهي تريد ذلك بإرادتها ....والا ...لتشهق عدن هازه رأسها بسرعه: سأتي ...لنغادر...قالت هذا وهي تمسك يده ساحبه اياه نحو الباب لترمق دورصافي التي تبكي وترمقها بعجز ...لتميل عدن رأسها بغصه مشيحه وجهها عنها وخرجت ثم أغلق الباب الحديدي 


كانت تسير بخطوات ثقيله وهي تشعر بيده تعتصر كف يدها بتملك وكأنها تعود اليه ....مخفضه وجهها نحو الارض وشعرها القصير يغطي ندوبها توقفت امام الممر المؤدي الي الحمامات ليلتفت الأخر نحوها لتردف : سأغسل وجههي أشعر بالاعياء 


ترك الاخر يدها لتذهب الاخري دلفت الي الحمام وفتحت الصنبور واخذت تغسل وجهها مره بعد مره بعد مره معتصره الحوض بأناملها بقهر تمنت لو تبقي هنا ...ان يحدث معجزه ...ان تختفي من الوجود ...ان تموت...لكن حياتها ليست ملكها وحدها فقط....هناك من تتعلق حياته بها ...


خرجت رامقه اياه في نهايه الرواق يدخن سيجارته ببرود وعينيه نحوها ليبتسم تلك الابتسامة التي تتمني تمزيقها ....تقدمت ببطيء وكأنها تتمني الا تصل ابدا ....لكنها فعلت ....مد يده ممسك اياها وأخذها الي مكتبه بنهايه الرواق...الجميع نائم الا بعض المسوخ المسؤلين عن تعذيب المساجين او اغتصاب بعضهم وتجريدهم من انسانيتهم ....وماذا عني؟...تم تجريدي منها منذ وقت طويل ....منذ اليوم الأول لي في هذا المكان ....والسبب...لا أعلم ماهو ....لا أتذكر جيداً ماالخطأ الذي ارتكبت لاعقاب دون جريمه...رفعت عدن عينيها نحو الاخر الذي أغلق باب مكتبه من الداخل وتقدم بخطوات ثقيله بسبب حذائه العسكري فتح أزرار بدلته العسكريه العلويه وسحب كرسي مكتبه وجلس رافعاً كلا ساقيه فوق المكتب واتكئ بكوعه علي ذراع الكرسي وسند وجنته علي يده بلطف وابتسامه لم تصل لعينيه المظلمه قائلاً:تعرّي


رمشت عدن معتصره يدها التي ترتجف من الاعياء وانفاسها العاليه رافعه يدها ببطيء نازعه تيشرتها وبنطالها الجينز لتبقي عاري امامه ورأسها ينحني للاسفل بعار حتي دموعها كانت متجمعه في عينيها الحمراء ولم تذرف....سمعت صوت خطواته نحوها لكنها لم ترفع عينيها اليه ابدا ولا تعلم ملامح وجهه كيف تبدو الان لكنها شعرت بانفاسه الثقيله  ....اغمضت عينيها حينما لمس بطنها العاريه بظهر يده متحسس اياها للاعلي حتي صدرها وعنقها وفكها مجبره اياها علي النظر له لتفتح عينيها الحمراء رامقه ملامحه السوداء الممتلئه بالرغبه الميته هامساً بنبره خشنه: ضاجعت نساء بعدد شعر رأسك ...لكن لا إمراه منهم جعلتني أشعر ما أشعر به نحوك ...ثم أمال بجسده ودفن وجهه في عنقها ممر أنفه فوق جلدهاوهو يكمل بنبره خافته : نساء أجمل منك ...يضعون أغلي العطور ويرتدين أرقي الملابس....لكن رائحتك تُسكرني...وجسدك يجعلني أذوب ...عضت عدن شفتيها برجفه بارده وهو يحتضن خصرها اليه طابعاً قبل متفرقه علي بشرتها مميل برأسه في حضنها مقبل عضمه الترقوه : مرت سنوات ....ولم أري تلك اللمعه في عينيك مجدداً ....ثم رفع وجهه رامقاً عينيها ثم شفتيها بشرود:ولا حتي تلك الابتسامه ....اخبريني عدن ....لما لم يرتجف قلبك لي ولو لمره واحده 


تطلعت عدن نحو عينيه واحده تلو الأخري ثم همست بقهر:لأني أكرهك أكثر مما اتنفس 


اختفت معالم الأخر والظلام يبتلعها لتصق أسنانها بألم وهو يعتصر لحم خصرها بقوه هازاً رأسه مردفاً بحقد : لا  يجب ان تفعلي....يجب ان تصبحي مهووسه بي كما أفعل ....يجب ان اكون لعنتك كما أصبحتي لعنتي ....شهقت عدن بالم معتصره يديه التي تريد تمزيق لحم خصرها النحيل وهو يسحبها لها بحقد: لما اذا لا استطيع ان افعل ...ان اكرهك ....لما ينتهي المطاف بي اراقبك وانتظر عينيك تبحث عني كما أفعل ...لما ينتهي المطاف بي اقف أمام زنزانتك أتمني قربك وألف إمراه تتوسل قربي....


لتردف عدن بنبره كارهه: ربما لاني موتك ...ابتلائك ....وسأكون نهايتك ...قد تملك جسدي ...لكنك لن تملك هذا القلب والروح يوماً 


شهقت عدن حينما صفعها ثم دفعها نحو المكتب ليضرب بطنها كاتمه الألم حتي صرخت حينما سحب رأسها للخلف من شعرها فاكاً حزام بنطاله بغضب لتغمض عينيها معتصره طرف المكتب حتي صرخت حينما شعرت به يمزقها ....لا تستطيع حتي وصف الامر ....لا تستطيع وصف كم شعرت بالذل والعار والقذاره....لا تستطيع وصف الامر مهما حاولت ....كانت تحاول الهرب من عقلها وجسدها لتغادر الغرفه والسجن وتذهب الي هناك ....حيث سلامها ...سكينتها....حيث تستقر روحها بجوار ذلك الجسد الذي فراقها ظلماً....


تجاهلت صوته الذي يصيح لها بهوسه نحوها....تجاهلت لمساته قربه أنفاسه....كانت تأن ...ليس من ألم جسدها وانما من ألم روحها ....مالخطأ ارتكبته ...سألت نفسها هذا السؤال وهي ملقيه أرضاً بعدما فرغ منها رامقه اياه وهو يشرب الماء بشراهه ويسيل علي صدره العاري ثم ألقي الزجاجه بالحائط والتفت نحوها بأعين حمراء غاضبه ....اجبرها علي القبول به ...لكنه لم يستطيع اجبارها علي حبه ....نهضت عدن بتعب ساحبه الملابس مرتديه اياها بيد مرتجفه دون ان تنظر للاخر الذي كان يدخن سيجارته ويرمقها بقهر ...نهضت بجمود مبعده شعرها القصير خلف أذنها قائله: هل تريد شيء أخر 


رمشت ببرود معتصره يدها حينما دفع كل شيء من مكتبه بغضب ناهضاً لتعود خطوه للخلف وهو يردف: لا تجعلني أوذيك عدن ....لا تجعليني أمزقكك لا تستفزيني 


اومئت الاخري بصمت ثم إلتفتت مغادره المكتب تسير ببطيء من ألم معدتها وأسفلها ملتفته نحو الحمامات ...دلفت هناك وتحممت سريعاً قبل ان يشعر بها احد رغم ارتجافه جسدها وتعبها الا انها لا تتحمل رائحته وأثاره علي جسدها لذا تقيئت كل مافي معدتها ....خرجت وهي تتكئ علي الحائط بتعب شديد حتي وصلت الي الزنزانه ليفتح لها الحارس وهو يرمقها باعين قذره ....لكن لا يستطيع لمسها ولا لمس أحد داخل هذه الزنزانه ....لانها تعود الي أشهب مدير هذا المسلخ ورجل القسوة الأول فيه....رجل مظلم قاسي ومخيف لا يعرف الرحمه ابدا ...يقولون انه تربي هنا داخل هذا المكان واصبح جزءاً منه ومن سواده....الجميع يعرفه اسماً ويرتعدون منه ومن شره وماقد يفعله ....


دخلت عدن إلى الزنزانة فارتد الباب الحديدي خلفها بصريرٍ حاد كأنه يعلن إغلاق نافذة الجحيم المؤقتة....كانت تمشي بخطوات مبعثرة....متثاقلة....وجسدها النحيل يرتجف بضعف لم تعد قادرة على مواراته....وجهها الشاحب تغسله قطرات عرق بارد رغم انها تحممت للتو....ويدها معتصِرة جانب معدتها حيث زحف الألم الداخلي ليمتزج بتمزق روحها وجسدها...بمجرد أن خطت خطواتها الأولى في العتمة تحركت السيدة دور صافي برعب خفي ولهفة أمومية مكسورة ناهضة نحوها لتسند جسدها المتهاوي....أما لينا....فكانت تجلس في زاويتها....عيناها الحمراء المجهده تراقب المشهد بنظراتٍ ممتلئة بالشفقه والقهر والإدراك الحقيقي البشع... لقد فهمت الآن كل شيء...فهمت الثمن الذي تدفعه عدن يومياً لتبقي غدي الصغيرة في مأمن... ولتحمي جدران هذه الزنزانة من اقتحام المسوخ....


أسنَدَت دور صافي عدن لتجلس على فراشها القماشي فهرعت غدي الصغيرة ببرود طفولي لا يدرك عمق المأساة وجلست عند قدميها تمسح عليهما بينما انطوت عدن على ذاتها مجدداً متكورة حول معدتها ووجهها مستند إلى الحائط الأسود تلفظ أنفاسها المرهقه ببطء وكأنها تلفظ بقايا رائحته وقذارته من مسامها....


لتردف غدي بطفوليه وحزن: عدن هل أغني لك كما تحبين لا تبكي ...لم تلتفت عدن ولم تتحرك لكن دموعها المحبوسة طوال الساعات الماضية فرّت أخيراً لتسيل على الحائط الأسود البارد....اعتصرت يدها فوق قلبها النازف بقهر وهمست بنبره خافته: غني ياغدي ..غني ....احتضنتها دور صافي في حجرها وغدي وضعت كفيها الصغيرتين على ركبة عدن المتخشبة وبدأت تهز جسدها ببطء وتدندن بنبرة طفولية ناعمة وابتسامتها البريئة تتضيء عتمة المكان:هِيلا يا رمانة...هِيلا يارمانه.... الرمانة زعلانة... الرمانه زعلانه....مين يراضيها؟...مين يراضيها؟


نزلت الكلمات فوق جروح عدن واعتصرت  جفنيها بقوة ودموعها المالحه تحرق الندبة الممتدة على وجهها بينما تابعت الصغيره غناءها :حبيبها يراضيها... بقلبو يداريها...هيلا يارمانه....هِيلا يارمانه...عدن زعلانه ...عدن زعلانه...مين يراضيها....غدي تراضيها....وتبوس عينيها ...وتبوس عينيها...ثم انحنت غدي مقبله عيون عدن التي تبكي لتشهق الاخري مبتلعه ريقيها وابتسمت لها لتنهض غدي بابتسامه متوسعه واخذت ترقص الي عدن وتغني ولينا تصفق لها بوهن وحزن حتي تشغل بهم عقل عدن الذي ابتسمت ورأسها في حضن دور صافي ...حتي غفران انتبهت لهم وأخذت ترمق غدي بشرود والاخري ترقص بمنتصف الزنزانه وتلوح بيدها:هيلا يارمانه ...هيلا يا....ليجفل الجميع حينما ضرب الزنزانه صوت أحدهم من الخارج : من العاهره التي تغني 


ركضت غدي بملامح مرتعبه واختبئت اسفل فراش والدتها بالحائط ووالدتها تركت عدن وركضت جالسه امام غدي مخفيه اياها بجسدها ...حتي عدن نهضت جالسه بتعب وملامح صفراء وهي ترمق الباب والحارس الكلب بالخارج يفتح الباب ويصيح : هل نحن بملهي يابنات العاريه ...من التي تغني ...ابتلعت لينا ريقها ناهضه وهي تردف: أنا فعلت 


ليتقدم الحارس نحوها ساحباً اياها من كتفها وعدن نهضت نحوه وغفران حتي دور صافي اخذو يدفعوه لكنه لطم دور صافي علي وجهها حتي كاد يقتلع عينها وسحب لينا التي تصرخ بألم وهو يمسكها بقسوه من ملابسها حتي عدن طعنت كتفه بقطعتها الخشبيه المدببه لكنه امسكها من شعرها ودفعها نحو الحائط كان ضخم وسمين ولم يستطيعوا قهره وهم بأضعف حالاتهم واردف مخبراً عدن : لاجل السيد أشهب سأتركك... ثم بصق عليها وركل غفران التي ارتجفت فورا وكأنها ليست بعقلها وانحشرت بالزاويه وسحب لينا نحو الخارج وأغلق الباب بسرعه 



شهقت لينا بالم وهي تتعثر والاخر يسحبها بلا اكتراث لا تفهم ماالخطأ الذي ارتكبته لكن الاهم ان لا يؤذي غدي ....شهقت بأنفاس مسلوبه وهو يسحبها نحو ممر بعيد عن الزنزانات وشعرت بالهواء يغادرها من فكره ان تتعرض لشيء بشع لذا رددت داخلها وشفتيها ترتجف ...ياودود ..ياودود ...ياودود...ياذا العرش المجيد ...يافعال لما تريد ....اسالك بعزك الذي يضام وبملكك الذي لا يرام وبنور وجهك الذي ملا اركان عرشك وصلح عليه ام امر الدنيا والاخره ان تنجيني منهم ....ان لا تسمح لهم بتدنيسي بقذارتهم ...وأخذت تكرر الدعاء حتي وصل الي مكتب المسؤل كما هو مكتوب علي الباب ...ودفعها داخله ...تطلعت لينا نحو رجل اربعيني بشارب سميك اسمر وملامحه سوداء مخيفه ضخم ورائحه شراب قذره تفوح من المكان ...كانت ترتجف ولم تتوقف شفتيها عن الهمس بالدعاء لينهض الرجل والحارس يردف: سمعها الحرس تغني وكأنها في ملهي وهذا لا يتناسب بالعدل بين المساجين ...


التف الاخر حول مكتبه واقفاً امامها كان ضخم ليس طويل كثيراً لكنه عريض يرتدي زيهم يرمقها من الاعلي الي الاسفل مردف بهدوء ونبره جعلتها تشعر بالاعياء:تغنين؟


اومئت لينا برجفه لتشهق صارخه حينما لكم وجهها لترتطم بالارض علي جانب معدتها صارخه وهي تضع يدها علي انفها حينما شعرت بكسره والاخر يقف فوقها مردف ببرود: هل تظنين انك في ملهي ...اتظنين اننا نسينا امرك....انت موصي بك من الجهات العليه .....خذها للقبر....ثم ابتسم نحوها ببرود: غني كما تشائين هناك حتي يختفي صوتك 


شهقت لينا بألم شديد وهي تمسك بطنها وتشعر بشئ يسيل علي افخاذها ليسحبها الرجل من ملابسها زحفاً دون اعطائها فرصه لتنهض وهي تحتضن بطنها بألم وصراخ وملابسها تترك أثر الدماء والماء أسفلها فوق الارضيه الرخاميه القذره ....عينيها ترمق الجثث حولها والدماء المتناثره علي الجدران وكأنهم في مسلخ....كانت الجثث في كل مكان رجال ونساء بملامح مشوهه حتي توسعت عينيها واختفت انفاسها حينما رأت وجه مألوف بشده لا يمكن ان تنساه ... ياس ....كانت جثته ملقيه بجوار الحائط كالقمامه مقطوع الايدي ومذبوح وأحد عينيه مفقوعه والدماء تغطيه ...لتصرخ بعدم تصديق وهي تمر من جواره تمسك الارضيه بأظافرها كي تتوقف ولازالت عينيها نحو جثه المسكين المشوه من التعذيب ......لم تكن تعرف لما اطلقوا اسم المقبره السوداء علي هذا المكان .... والآن فقط تجسدت الإجابة أمام عينيها الحمراء بأكثر الطرق بشاعة ... هذا ليس سجناً... هذا مسلخ بشري.... قاع مظلم لا تحكمه قوانين الأرض....بل تحكمه سادية مفرطة تتغذى على سحق الآدمية.... الصرخة التي خرجت من حنجرة لينا وهي تُسحب بجوار جثة ياس المشوهة لم تكن صرخة ألم جسدي بل كانت عويلاً لروح تُذبح...ياس... الشاب المسكين الذي كان يوماً ينبض بالحياة مع زوجته وطفلته ....ملقى هنا كالقمامة!... أطرافه المبتورة... عينه المفقوعة.... وعنقه المذبوح... كل إنشٍ في جثته كان يصرخ بمدى الوحشية التي تعرض لها قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة...ليس ياس فقط....الكثير من الجثث ...كل شخص بهم كان يمتلك حياه ...يمتلك بيتاً ...يمتلك عائله تنتظره ولا يعلمون انه هنا تحت رحمه أشخاص لا تعرف معناها ....كل شاب بهم كانت تنتظره امه اخته والديه ...ابناءه ...وهو ملقي هنا ...بلا ذنب ....بلا سبب....فقط لانه ابن هذا الوطن ....ابن هذه الارض ... التي ارتوت بدمائه قبل أن تبتلعه عتمة القبور...لم يكن الموت هنا مجرد غياب للأنفاس...بل كان عملية تجريد ممنهجة لكل ما هو بشري....كانت الجثث المبعثرة تحكي قصصاً مبتورة لبيوت أُغلقت...وطاولات طعام بقيت فيها المقاعد فارغة....وأمهات يغزوهن الشيب خلف النوافذ بانتظار طرقات باب لن تأتي أبداً.... كل ذنب هؤلاء أنهم رفضوا الانحناء.....أو أن حظهم العاثر رماهم في طريق الخالدون فاصبحوا مجرد أرقام وعِبرة وقضيه وطن نبتت ازهاره من دماء ابناءه ....



استمر الحارس في سحل لينا بلا اهتزاز...وحذاؤه الثقيل يطأ بقع الدماء الجافة دون أن يكترث لصرخاتها التي تلاشت في الممر الطويل....ممتزجة مع صدى أصوات العويل البعيد.....كانت أظافرها المحفورة في الإسمنت تترك خطوطاً دامية....وعيناها مثبتتان على وجه ياس والجثث حتى انحرف بها الحارس نحو زاوية الرواق الأخيرة...



لترمق بعينيها غرفه كبيره بها أبواب كثيره حديديه مغلقة علي الارض لتتوسع عينيها حينما فتح الحارس احد الابواب لتجدها عباره عن قبر ارضي يكفي شخص واحد وداخله جثه رجل مشوهه وبدأت تتحلل وكأنه مات داخلها  لتصرخ لينا والرجل يغلقه بلا اكتراث ويسحبها نحو واحد اخر كي يجد به مكان شاغر وهي تهز رأسها والالم اسفلها بدأ يتفاقم ...لتشهق حينما سحبها لتقف من مقدمه ملابسها خانق اياها ثم دفعها بقوه للخلف لتشهق وهي تتشبث به ليدفعها بلا رحمه ويدها تفلت وهي تهوي للاسفل علي ظهرها ورأسها ارتطمت بالارض كاتمه نفسها من شده الالم  وهي ترمق بصيص النور الاخير والحارس يغلق باب القبر فوقها بقوه ....


غرق كل شيء في عتمة مطبقة....عتمة ضيقة برائحة التراب والعفن والموت المتسلل من الجدران الخرسانية الضيقة.....القبر الأرضي كان أشبه بتابوت إسمنتي صُنع على مقاس جسدها تماماً.....لا يتسع إلا لآلامها ولأنفاسها المحبوسة التي بدأت تضيق وتضيق...استلقت لينا على ظهرها ورأسها ينبض بألم عنيف إثر الارتطام لكن هذا الألم تضاءل تماماً أمام الحريق الذي اندلع فجأة في أسفل بطنها وهي تعتصر خصرها بشهيق .... انقبضت أحشاؤها بعنف غير مسبوق دافعة برحمها نحو الهاوية....صرخت... لكن صرختها ارتطمت بالسقف الخرساني القريب جداً من وجهها لترتد إلى مسامعها كعويل مرعب....لتصرخ :يالله....يالله ...يامريم العذارء....يأم محمد.... مدت يديها المرتجفتين في الظلام تحسست الجدران الضيقة التي تكاد تطبق على كتفيها وتسند جبهتها علي الحائط متناسيه ألم انفها وهي تدفع وتعتصر ملامحها بصراخ يقشعر البدن .... مع كل دفعة...كان النزيف يزداد... والبرودة تزحف إلى أطرافها.... شعرت بجنينها يصارع هو الآخر....يرفس بقوة وكأنه يرفض أن يختنق داخل هذا التابوت....يريد الخروج إلى النور حتى لو كان نوراً باهتاً في مقبره.... عانت لينا لساعات لم تحسبها....غابت عن الوعي وعادت إليه مراراً بفعل الألم والنزيف.... حتى شعرت بالدفعة الأخيرة تشق جسدها وروحه معاً....وهي تصرخ بأعلي صوتها :يالله ....يالله .... خرجت صرخة لينا الأخيرة ...صرخة مزقت سكون السرداب فوقها.... وتلاها صوت وهن... شهقة مخنوقة وصغيرة لولد يطالب بحقه في الهواء.... غرق القبر الأرضي في سكون تام بعد تلك الشهقة الأولى والضعيفة للطفل.... سكون لم يقطعه سوى صوت أنفاس لينا المذبوحه والمتسارعة كأنها حشرجة الموت.... كانت مستلقية على ظهرها فوق البلاط البارد...وعضلات جسدها ترتجف بعنف إثر الصدمة العصبية والنزيف الذي استنزف طاقة رئتيها....في تلك الظلمة الحالكة التي لا ينفذ إلا خيط نور واحد من فاصل الباب الحديدي بالاعلي....زحفت يدها المرتجفة فوق بطنها التي انكمشت فجأة تتحسس الأرضية الرطبة بـالدم والماء حتى لامست أصابعها جلداً صغيراً... دافئاً ولزجاً...شهقت ببكاء لم يكن هناك قماش يدفئه...ولا ماء يطهره...ولا ذراعان ممدودتان لتلتقته ...


بجهد وتعب شديد....وكأنها تقتلع عظامها من الأرض....انحنت لينا بجسدها المنهك في ذلك الحيز الضيق الذي يكاد يلامس سقف الخرسانة وجهها....رفعت أصابعها المرتجفة لتلتقط كتلة الحياة الصغيرة المطروحة في العتمة...وسحبتها نحو صدرها واخذت تلفه بوشاحها....ضمت الطفل إلى ثنايا جسدها بقوة وعنف اشبه بالذعر... ودون وعي منها انهمرت دموعها الساخنة والمالحة لتغسل وجه الصغير المخلوط بدم المخاض...انكمش الطفل بين ذراعيها وأصدر صوتاً خافتاً كأنين طائر جريح ليرتخي رأس لينا إلى الخلف مستنداً إلى الجدار الإسمنتي القاسي....وهي تتنفس ببطيء...حمي النفاس بدأت تصل الي اطرافها البارده وأنهاك كسر أنفها ينبض بالحمى في رأسها... والنزيف لا يزال ينساب ببطء تحتها....رمقت عتمه القبر وانطوت بجنينها بتعب شديد ...أرادت أن تراه... تمنت لو يندلع ضوء الممر الأصفر الباهت ولو لثانية واحدة لترمق ملامحه....تحسست بأناملها المرتجفة تفاصيل وجهه الصغير في العتمة... جبهته... أنفه الصغير... وشعره الناعم المبلل...أغلقت عينيها بقهر ودفنت وجهها في عنق الصغير الصغير... لعلها تتنفس رائحته ...وتسكن روحها بجواره ...



********


 شعرت تانيا بالهواء يغادرها بعدما أتم الشيخ عقد قرانهم وكان الشاهد علي ذلك احد اصدقائه سيف ونوح  وتولي الوصايه وعقدالقران لها السيد إدريس مساعد الشيخ بعدما اعطته الموافقه  لأنه لا يصلح للمرأه ان تزوج نفسها دون ولي .... التفت لها السيد إدريس يحمل العقد لتوقع عليه رامقه المبلغ الكبير للمهر والمؤخر الذي كتبه يوريان لها لتوقع برعشه ثم التفتت بعينيها الدامعه نحو يوريان الصامت بملامح غير مفسره  ما ان انتهي كل شيء حمل عقد الزواج الخاص به في جيب بدلته العسكريه وحمل ورقتها ونهض نحوها امسكها من معصمها موقف إياها لتنهض معه رامقه عينيه وقلبها ينبض بقوه  ليضع العقد الخاص بها في يدها ثم اخذها نحو الخارج ... كانت تسير معه بصمت دون كلمه حتي وصل الي غرفته لتبتلع ريقيها وأطرافها ارتعشت وهو يدخلها ثم اغلق الباب ... كانت انفاسها متسارعه وصدرها يعلو ويهبط تركها واقفه وتقدم نحو خزانته فتحها ثم فتح خزنه داخلها برقم سري اخرج منها مبلغ كبير في حقيبه وتقدم نحوها لتعود تانيا للخلف حتي ارتطمت بالباب ليقف الآخر علي بعد خطوه واحده منها لينحني ممسك يدها ثم وضع الحقيبه هامسا قرب وجهها : هذا مهرك .... أدمعت أعين تانيا تحت النقاب مردفه بنبره خافته ومرتكبه : لما فعلت هذا 


ثم رفعت عينيها لاعلي رامقه عينيه الزرقاء واحده تلو الاخري : كان يجب ان تقتلني يوريان .... ان تخبرهم بما حدث .... وتحميهم لأني لن أتراجع عن هدفي وانتقامي منهم 


ليجيبها يوريان بجمود واعين حمراء : كل ماحدث كان لأجل قضيتنا تانيا .... نحن نريد وطن افضل ... لو كان الدين قبل الوطن ..... لعاش الوطن عزيز ولم نكن نضطر لاقام حرب كي نعيش بعز ....نحن بشر ايضاً ...هم سيتعرضون للقتل ونحن كذلك ...لما تظنين ان حياتهم اهم من حياتنا...لما تعتقدين أننا قتله فقط


لتلقي تانيا الحقيبه ارضاً ممسكه يوريان من سترته بكلا يديها مردفه بحقد وغصه : لأنها الحقيقه التي يخدعونكم بها


لم يتحرك يوريان خطوة واحدة... ظل واقفاً ينظر إلى يديها التي تعتصر سترة بزته العسكرية بحقد بينما كانت عينيه الحمراء ترمقها بيقين بارد ومخيف.... يقين رجل تم غسل دماغه بعناية حتى أصبحت الدماء في نظره مجرد حبر يُكتب به التاريخ....أمسك معصميها ببطء ولم يدفعهما.... بل أحاطهما بقبضتيه الضخمتين ليجبرها على الوقوف بثبات أمامه لترتعش وهي تتنفس بقوه حينما خفض رأسه حتى لفحت أنفاسه الساخنة قماش نقابها وتحدث بنبرة هادئة... رخيمة... تحمل ذلك الإيمان الأعمى الذي يملكه قادة العقائد:الحقيقة؟... الحقيقة هي ما نكتبه نحن أورفا.... لا ما يمليه عليكي ضعف قلبك.... تنظرين إلى الجثث وتسمينها أبرياء؟.... في قانون الحروب لا يوجد بريء.... هناك من يقف مع الأرض.... وهناك من الصامتين الذين يغذون الطغاة بسكوتهم..... الخالدون لم تولد لتكون جمعية خيرية توزع السلام.... بل جئنا لنستأصل اللحم الفاسد ليعيش الجسد.... ليعيش الوطن...


لمعت عينيه بزُرقة حادة وهو يضغط على معصميها بخفة ليجذبها إليه أكثر لترتجف الاخري اكثر حينما ارتطمت به رافعه رأسها وهي ترمق عينيه واحده تلو الاخري متابعاً بنبرته السوداء:الوطن الذي تحلمين به لن يأتي بالصلوات والدموع.... بل يأتي فوق تلال من جثث الأعداء ومن يشد على أيديهم.... هل تعتقدين أنني أستمتع برائحة الموت؟... أنا أموت في اليوم ألف مرة لكي يولد طفلٌ واحد في هذا الوطن عزيزاً لا ينحني لظالم.... إذا كان الثمن هو أن تُلطخ يداي بالدماء... وأن أُسمى إرهابياً في مجلاتكم وسجلاتكم.... فليكن! سأحمل هذا العار وحدي إلى قبري... لكنني سأترك خلفي أرضاً طاهرة...



انفلتت ضحكة ساخرة وموجوعة من بين شفتي تانيا خلف النقاب وهزت رأسها برفض قاطع وعينيها الخضراء تشتعلان بالاشمئزاز واردفت بصوت مخنوق وقهر:أرض طاهرة؟ تبنون طهارتكم على أشلاء الأطفال والنساء؟... أنت مريض يوريان! ...لقد غسلوا دماغك حتى اصبحت ترى القتل عبادة... والدم وعاءً للوضوء! ...أي وطن هذا الذي يرتوي بدماء الأبرياء ليحيا؟...


لم يهتز يقين يوريان البتة ...بل أرسى نظراته داخل عينيها وتابع وكأنه يشرح قانوناً فيزيائياً غير قابل للنقاش:الأشجار العظيمة تحتاج لقطع أغصانها الفاسده حتى لا تموت....ونحن نقطع الفساد في هذا العالم....عندما نطلق النار ونلقي القنابل أنا لا أرى ضحايا.... أنا أرى ثمناً مدفوعاً للحرية....الحرية غالية  أورفا.... والذين يموتون اليوم هم قرابين غد أفضل.....أنت لا ترين هذا لأنكي ما زلتي تنظرين بعين الضحية.....بعين الانتقام الشخصي....أما أنا....فأنا أنظر بعين الأمة


لتردف تانيا برعشه :انظر بعين الحقيقه يوريان ....انظر الي الواقع ...كي لا تُصدم فجاه ان كل ماجنيته هو دماء الابرياء ....افتح عينيك علي الحقيقه التي جعلوك اعمي عنها ....دون ان تدرك 



أفلت معصميها فجأة وابتعد عنها خطوة مشيحاً وجهه كقائد ينهي نقاشاً عسكرياً ثم أردف ببرود وجفاء:لقد أصبحتِ زوجتي الآن.... رغماً عن حقدك وقرفك مني....لست بحاجة للاقتناع بقضيتنا.... فبندقيتك في الميدان ستفعل ذلك نيابة عنك.... خذي مهرك... وجهزي نفسك.... فالحرب لا تنتظر دموع النساء....بما انك اوشيتي بالمعلومات سنضطر الي البدء مبكراً قليلاً وسترين كيف سينتهي الامر وتقولي اننا كنا علي حق 


جمدت كلمات يوريان الأخيرة الدماء في عروق تانيا واختفت الارتعاشة من صوتها لتحل محلها صدمة ألجمت لسانها لثوان...الجملة وقعت عليها كالصاعقة... لتدرك في تلك اللحظة أن اللعبة قد انتهت.... وأن الحرب التي كانت تخطط لها في الخفاء قد دُفعت إلى العلن بفضل اندفاعها....التفتت إليه بجسد متصلب... وعينيها الخضراء تتسعان خلف النقاب بذهول رُعب حقيقي مردفه بنبرة متحشرجة:ماذا... ماذا تعني بأنني أوشيت بالمعلومات؟ ...عن أي شيء تتحدث يوريان؟...

لم ينظر إليها.... كان يعطيها ظهره وهو يرتدي قفازاته الجلدية السوداء ببطء وثبات شديد.... وبذات البرود الذي يسبق العواصف المدمرة أردف بنبره سوداء فارغه :نعلم بكل شفرة نقلتها.... وبكل خطوة خطوتها خارج أسوارنا  أورفا....كنت تظنين أنك تتحركين في الظل... بينما كنت تسيرين تحت ظلي منذ اليوم الأول.... لكننا لم نمنعك.... بل تركناك تمررين ما نريدهم أن يعرفوه بالوقت الذي نحدده نحن.... والآن.... بعد أن ابتلعوا الطعم وظنوا أنهم كشفوا ثغرتنا... حانت ساعة الصفر والحرب الذي استمرت لسنوات حان الوقت لتنتهي بفوزنا




استدار نحوها فجأة وكانت ملامحه قد تحولت تماماً إلى ملامح قائد سراديب الموت حيث لا مكان للمشاعر أو الهوس... وتابع بعينين تشتعلان ببريق الحرب:بسبب ما نقلته لهم.... بالتأكيد ستتحرك قواتهم الآن نحو الفخ الذي نصبناه بعناية....طائرات صقر الليل F-117 أصبحت في مدرجاتها تستعد للإقلاع....والبلدات التي ظنوا أنهم سيحاصرونها ستتحول إلى مقبرة لهم... لقد قدمت لنا الخدمة الأكبر دون أن تقصدي.... والآن... عليك أن تحصدي ما زرعت يداكِ...اقترب منها اكثر وتراجعت تانيا خطوة إلى الوراء وشعرت بأن الأرض تهتز من تحتها مع كل خطوه تخطيها للخلف كان يتقدم خطوه نحوها حتي ارتطمت بالحائط واختفت خلف جسده وظله الضخم .....لم يكن الأمر مجرد زواج إجباري أو عقاب....لقد جعلها يوريان والخالدون طُعماً وجسرًا لتبدأ المجزرة الكبرى....خطتها للانتقام الشخصي سُحقت تحت أقدام قضيتهم المغسولة بالدماء.... لتدرك بمرارة أنها أصبحت الآن....ورغماً عنها.... شريكة في أولى شرارات الحرب الساحقة....ارتعشت شفتيها حينما رفع الاخر يده ممسك اطراف نقابها للاعلي كاشفاً عن وجهها وعينيه ترتخي بذبول مردفاً بنبره هادئه: سأخبرك لما فعلت ذلك ...ارغمتك علي الزواج بي لانه الحل الوحيد لحمايتك ....اصبحتي تنتمين لي ...لهذا اذا اراد احدهم المساس بك ...عليه قتلي اولاً ...


تصلب فكه قليلاً لاعقاً طرف شفتيه من الداخل وكأنه مقهور من شيء مكمل بنبره غير مفسره : اعتذر اني لستُ الرجل الذي قد تحلمين به ....مجرم حقير كما تقولين ....ادمعت اعين تانيا معتصره يديها برعشه حينما وضع يده علي وجنتها مكمل : لكن دعيني اخبرك اني برغم كل خطاياي...رجل مستعد أن يحرق العالم بأكمله ليضيء لك عتمتك....ومستعد أن يقف أمام الخالدون والأعداء معاً ليتلقى الرصاص نيابة عن قلبك.... قد أكون وحشاً في نظر هذا العالم  أورفا....لكنني الوحش الذي سيموت واقفاً على عتبة بابك قبل أن يصيبك مكروه....إن كان موتي سيمنحك الأمان.... فأنا أشتهي هذا الموت في كل ثانية....فقط لتدركي أن يد المجرم التي تقرفين منها... هي الحصن الوحيد الذي لن يخذل خضرة عينيكي أبداً...ابتلع غصته المريرة ومال برأسه قليلاً ليطبع قبلة دافئة... خفيفة كالريشة وطويلة كالعمر....على جبينها مغمض عينيه وهو يأخذ نفس عائداً للخلف ليتوقف حينما امسكت يده رامقه اياه بشفتين ترتجف : لا تغادر يوريان ....ارجوك ....لنغادر هذا المكان ....ربما يبدو الرحيل قرار خاطيء بالنسبه لك ....لكنك ستدرك يوماً ان الرحيل كان الفرصة الوحيدة لنبقى بشرًا....خذني بعيداً عن هذه المقابر... بعيداً عن رائحة البارود والعقائد التي لا ترحم....إن كنتَ حقاً الحصن الذي يبتغي الامان لي....فلا تجعلني وقوداً لحربكم...ولا تكون السلاح الذي يقتلون به الابرياء يوريان....


جمدت كلماتُها المرتجفة أصابع يوريان والتفت إليها ببطء وعينيه الزرقاء ترمقها بملامح غير مفسره تائهه... نظر إلى يدها الصغيرة التي تقبض على يده بقوة وكأنها تتمسك بقشة نجاة وسط طوفان....تراجعت حدة جموده للحظة وحل محلها حزن عميق يمزق كبرياءه العسكري ليردف بنبرة هادئة اشبه بسكون المقابر: أورفا... الرجل الذي جثا أمامك منذ قليل كان يملك خيار الرحيل معك إلى آخر الأرض... أما القائد الذي يقف أمامك الآن... لا يستطيع ترك اصدقائه يتحملون نتيجه ثقته بك .... لقد تأخرنا كثيراً على الهرب... فالشفرات التي نقلتِها لهم ومعلومات مكاننا السري.... جعلت الحرب تختارنا قبل أن نختارها...


ادمعت اعين تانيا هازه رأسها وهي ترفع نفسها مطوقه وجهه بكلا يديها مردفه : ليس دوماً الحرب هي الحل الوحيد ....لم تكن الحرب يوماً... لم تكن الحرب يوماً ملاذاً لأحد  يوريان....إنها تحرق كل شيء.. تحرقنا نحن أولاً.... انظر إلي.... ألا يكفي أننا فقدنا أنفسنا في سراديبها... دعهم يتقاتلون.... دع الأرض لأصحاب الأرض....سأدع الانتقام وكل شيء وأتي معك ولنرحل.... لننقذ ما تبقى من آدميتنا قبل أن نتحول إلى رماد 


سقطت دموعها علي وجنتيها متذوقه طعم دموعها بين شفتيها المرتجفه وهي ترمقه بتوسل أخير لتنجو من هذا المكان ...ربما لم تحصل علي انتقامها بالكامل لكن اكتفت بهذا القدر طلما يوريان معها ....طلما انها لن تفقده ....سيبيدونهم ....هي متأكده انها نهايتهم ولا تريد ان ينتهي الامر ويوريان بين الجثث المنسيه ....وبدل ان تفقد قلبها واخيها تفقد روحها معه ايضاً ...اذا فقدت يوريان لمن تعيش اذاً....اتيت لاحصل علي انتقامي وفقدت روحي داخل هذا المكان ....رمقت انفاسه المتسارعه وهو يتطلع نحو دموعها وكأنه لا يحتمل الامر ....لأول مره شعر انه ليس القائد ...ليس الرجل نفسه الذي اعتاد الجثث ورائحه الموت منذ صغره حتي ظن ان قلبه ميتاً ....الشيء الوحيد الذي كان يشعره انه حياً تعلقه بربه وانه يفعل الشيء الصحيح ....الان شعر انه ليس يوريان ...بل مجرد رجل بين عقيدة غُسلت بها روحه لسنوات... وبين امرأته التي تمسك برأسه وتترجاه أن يختار الحياة....


ارتجفت عينيه بألم وأحاط خصرها بكفيه ببطء جاذباً إياها للاعلي حتي تلاحمت جبهتاهما وهمس بأنفاس متثاقله : أورفا ....لا أستطيع...لتقاطعه الاخري حينما قربت فمها فجأه مقبله شفتيه معتصره عينيها وهي تتعلق بعنقه بقوه جاعله الاخر يتصلب في مكانه وانقطعت انفاسه لثوان ...لم يعد يري او يشعر بشيء سوي طعم شفتيها الدافيء والرطب وهي تقبله بوجع وقلبها ينتفض بقوه ودموعها التي بللت وجنتيهم معاً ....تلاشت مقاومته وانفاسها وتحركت يده التي تمسك خصرها لترتفع بلهفه عنيفه نحو ظهرها ليعتصرها اليه بقوه وكأنه يريد اداخلها داخل روحه وليس جسده فقط ...وكأنه يحاول حمايتها من العالم ....او حمايه نفسه من الانهيار بدونها ....كانت تقبله بيأس لربما يكون الحل الوحيد الذي يبقيه بجوارها لتشهق برعشه حينما اعتصرها بقوه للاعلي حتي لم تعد تلمس الارض وشفتيه تمزق خاصتها بنهم محموم ...يمتص خوفها ويرد عليه بوعود صامته يرفض لسانه البوح بها ....كأنه يستبيح من شفتيها وطناً بديلاً لم تدنسه الدماء .... حين تراجع ببطء ليلتقط أنفاسه المتلاحقة لم يبتعد بل أبقى جبهته مستندة إلى جبهتها وعينيه الزرقاء شاخصه داخل خضروتيها الحمراء لثوان معدودة لينقض عليها بقبله اخري عنيفه منحني بها نحو الفراش ....لم تعد تشعر بشيء اخر ....كانت في عالم بديل ...تناست فيه نفسها بين يديه ...انهمرت قبلاته العنيفة والمتلاحقة لتسلب منها آخر ذرات المقاومة...يديه الضخمه كانت تحاوط بوجهها تارة وتتغلغلان بين خصلات شعرها تارة أخرى بلهفة رجل يعلم أن خطيئته الأجمل قد بدأت الآن...كان صوت انفاسهم عالي وهو يسحب خصلات شعرها المموج نحو انفه مغمض عينيه وهو يستنشق رائحتها بلهفه بينما كانت تعتصر قماش سترته العسكرية بأصابع واهية مستسلمة لثقل جسده فوقها فاتحه فمها بأعين ذابله وهو يمتلك جسدها بعدما امتلك قلبها وروحها شاهقه بأنفاس مسلوبه وهو يدفن وجهه داخل عنقها عاضه شفتيها بألم هامسه له بمشاعرها بنبره مقطعه تحت أنينه الرجولي الخشن وهو يمتلكها مره بعد مره ....لا تتذكر متي انتهي الامر ....كيف فعلت ذلك ....كانت تريد اعطائه اي سبب للبقاء بانها حقاً تريده وتريد النجاه معه....كيف انتهي بها الامر تصيح باسمه بينما يهمس لها بأنها وطنه الذي لن يغادره .... كان يهمس في أذنها بصوتٍ مبحوح وأنفاسٍ لاهثة... يُقسم لها بين كل قبلة وأخرى أنها أصبحت وطنه واستعمرت روحه وانه سيحبها حتي أخر انفاسه ....



فتح يوريان عينيه ببطء رامقاً سقف الغرفه بشرود رامشاً بثقل لثوان طويله ثم انخفضت عينيه نحو رأسها المستقر فوق صدره العاري ...رفع يده بهدوء واخذ يداعب خصلات شعرها بلطف شديد ليلتفت الي ساعه يده وهي تصدر تنبيه ...ابعدها عن صدره بهدوء شديد ورفق ثم نهض عارياً ودلف الي الحمام ...وقف اسفل الماء يرمق الحائط ببرود وهدوء شديد مغمض عينيه وهو يتكيء بذراعيه فوق الحائط ورأسه للاسفل ....ابتلع ريقه ببطيء ثم التفت نحو الباب النصف مغلق رامقاً الاخري فوق الفراش نائمه بملامح متعبه وشعرها مبعثر حولها ثم اشاح وجهه مكمل استحمامه وارتدي ملابسه العسكريه وفرش سجاده صلاته .....وقف وبدأ يصلي بصمت موحش شفتيه تتحرك وحركاته كانت ساكنه يركع بهدوء ويسجد طويلاً  ثم نهض منهي صلاته وتوقف ...لم ينهض ...بقي جالساً وكأنه تائه ويريد من يرشده ....يشعر انه وقع داخل بئر اسود ولا يستطيع الخروج منه ...ولا حتي المحاوله ....نهض اخذاً قاروره ماء محتسي رشفه منها ثم تركها جانباً ...اقترب من تانيا جالساً القرفصاء امام فراشها وأمسك يدها بأطراف انامله وانحني واخذ يقبل باطنها واناملها واحداً تلو الاخر برفق شديد وعينيه تنظر لملامحها بذبول وهيام مبتلع غصته ثم رفع يده مبعد خصلاتها للخلف هامساً :لو كان الأمر بيدي تانيا....لو كان هذا الجسد ملكي لخلعت هذه البزة العسكرية وألقيت سلاحي في أقرب بئر ومشيت خلفكِ مغمض العينين إلى أي أرض تختارينها.... لكنكِ لا تفهمين.....أنا لم يعد بإمكاني الالتفات للخلف....فالذين سرتُ فوق جثثهم لأصل إلى هنا... يمسكون برقبتي الآن....إن رحلتُ.....لن أكون خائناً لقضيتي فحسب... بل سأكون قد وهبتُ رقبتك ورقبتي للموت دون ثمن....قال هذا مقبل يدها قبله طويله اخذاً وقت العالم بأسره ثم تركها برفق فوق الفراش ناهضاً حمل حقيبه سلاحه وخرج مغلق الباب خلفه ....تطلع نحو الرواق بهدوء ثم تقدم نحو مكتب القائد ...قرع الباب برفق ليُسمح له بالدخول ....رمق مورسال وهو يتناول سحوره بهدوء مردفاً : مبارك عليك الشهر الكريم سيدي ....ليردف مورسال وهو يمضغ قطعه خبز علي مهل : لم تخبرني ....كيف تتصرف من رايك يوريان 


اخفض يوريان رأسه بصمت لينفض مورسال يده ممسك محرمته يمسح يديه وهو ينهض متقدم نحو يوريان الذي بقي جامداً لا يجرء ان يرفع وجهه نحو مورسال ....اعتصر يوريان قبضته خلف ظهره المستقيم ومورسال يضع يده فوق كتفه مردف بنبره ميته : هل نسيت ماذا فعلت لاجلك يوريان....اعطيتك كل شيء قد ترغب به يوماً ....لا تجعلني اندم لحظه واحده ان الرجل الذي صنعته قد يضحي بكل ما بنيناه بدمائناً لاجل امرأه ....انت تعلم ان رقبتك ورقبه اخوانك جميعاً كانت لتكون تحت يدها 


ليردف يوريان بجمود دون ان ينظر الي عينيه:انها زوجتي الان سيدي ....ظلي....مايمسها يمسني ....واي قرار سوف تتخذه لن تنفذه الا بمشوره مني اولاً ...لذا اسمح لي ....ثم رفع عينيه رامقاً مورسال بملامح جامده واعين حمراء: هي لم تعد تنتمي الي هذا المكان ....اصبحت تنتمي الي...اذا اردت تنفيذ اي عقوبه بها فنفذها بي اولاً


تطلع مورسال نحوه لثوان طويله ثم اؤمي بهدوء شديد مربطاً علي كتفه وابتعد نحو مكتبه ثوانً معدوده ودلف ظلام دون ان يطرق الباب ....رمقه يوريان بطرف عينيه ليجد ملامحه مبعثره وغير مفسره  وعينيه حمراء... جامد ...ومظلم ....وبعدها بدقائق دلف عده قاده عسكريين مسؤلين عن فرقهم الخاصه .....امسك مورسال بعض التقارير امامه مردفاً بملامح سوداء  : بالتأكيد القوات تستعد للهجوم....تجمع جيشها الذي شتتناه ....وتسلح نفسها ...وقبل ذلك ....اريدكم ان تكسروا الايدي التي رفعت الاسلحه في وجوه الخالدون....ان تقتلعوا الحناجر التي صاحت ....والانفاس التي لهثت ....والدماء التي زهقت ....اقتعلوا كل من حاول اخراسكم ....اكل لحمكم ....نزع انسانيتكم....كل من نعتكم بالمسوخ....هذه الحرب ليست للسلام 

....من يرفع في وجهنا سبابة....اقطعوا يده بأكملها....ومن ينظر إلينا بازدراء.. اقتعلوا عينيه....هذه معركة إبادة لكل من ظن أن الخالدون مجرد كابوس عابر....نحن الواقع الذي سيتوسلون للموت كي ينجو منه....بعد سنوات طويله من تلك الحرب البارده ....حانت نهايتهم ....


ليردف يوريان بينما يصيح الجميع معدا ظلام الذي بقي صامتاً :الله اكبر ...  الخالدون... نَحنُ الأثرُ الذي لا يُمحى... والظِلُّ الذي لا يغيب.... حُكمُنا قَدَر....وبَقاؤنا أَبَد.... الأرضُ لَنا... والزَّمانُ طَوعُنا....والموتُ بوابتُنا للخلود....


نهض مورسال وهو يوزع التقارير لكل قائد بهم لينسحبوا واحداً تلو الاخر حتي توقف امام ظلام وخلفه يوريان الذي يرمقهم بصمت: يوريان ستذهب مع ظلام ....هناك مقر سري بالشمال خذ رجالكم ودمروه هو وذخيرتهم ....اريد قبل ان يفكروا بتسليح انفسهم ان يجدوا الرماد ينتظرهم 


اومي يوريان حاملاً التقارير الخاصه بالموقع والاحداثيات والعناصر والاسلحه التي سيستخدمونها ليلتفت يوريان نحو ظلام الذي اردف : هذه هي مهمتي الاخيره 


عقد مورسال حاجبيه ليردف ظلام بجمود: اعتقد اني لم اعد ادين لك بشيء سوي هذه المهمه....بعدها ستنتهي الحرب ....وحينما تفعل اكون قد غادرت هذا المكان ....


وقعَت كلمات ظلام كالصاعقه داخل المكتب  الممتليء برائحتهم ليتجمد يوريان في مكانه وعينيه تتسع بذهول... بينما التمعت عينا مورسال بفراغ أسود وهو ينظر إلى ابنه الوحيد.....إلى الآلة العسكرية الأعظم التي صنعها بيديه لتكون واجهة الخالدون المرعبة....

ساد صمتٌ خانق.....صمتٌ قطعته نبرة مورسال التي خرجت فحيحاً مرعباً وهو يخطو خطوة بطيئة نحو ظلام هامساً بنبره ميته:

تغادر؟ إلى أين !.... الأرض بأكملها ستصبح لنا بعد أيام.... الزمان طوعنا... وأنت تتحدث عن المغادرة وكأنك مجرد جندي أجير تنتهي خدمته بانتهاء المعركة...


لم يرمش ظلام ولم تتزحزح ملامحه الجامدة .... عدل الغترة السوداء حول عنقه ببرود ونظر في عيني والده بذات النظرة الميتة والمطفأة التي اعتاد عليها طوال حياته مردفاً بنبره فارغه: لم أكن يوماً أجيراً ....كنتُ ابنك الذي كان يفعل كل شيء لاجلك طوال حياته ....كعبد مملوك ...سددت ثمن رعايتك لي بجثث أعدائك التي ملئت بها المقابر طوال حياتي....هذه المهمه الاخيره سأنهيها لاجلك ....سأطحن عظامهم وأحيل ذخائرهم الي رماد ....لكن فور ان يسقط الحصن الاخير لهم...سينتهي العينه 001 ...وتستطيع الحصول علي مسخ أخر يقودهم ...


قبض مورسال على سبحته بقوة حتى كادت حباتها تتناثر ووجهه يزداد سواداً:هل هذا بسببها.... بسبب تلك الجثه التي تخبئها في غرفتك ... تظن أنني لا أعلم بهوسك ....حصلت عليها ....اذاً لا يوجد لديك مشكلة....اعتصر يوريان قبضته حينما امسك مورسال ظلام من ياقه بدلته وغترته مردفاً بحده وملامح سوداء: هذه الحرب حربك ....الحرب الذي اعددتك لاجلها لسنوات ....وحينما يصيحون بالقائد ليقف ويرفع رايته...سيكون انت الذي تقف فوق رمادهم ظلااام ....


صاح باسمه بغضب و ظلام يتطلع نحوه بجمود مردفاً بنبره خشنه وكأنها تخرج من اعماق روحه: إنها المهمه الاخيره بالنسبه لي ....آن لهذا الجندي ان يترك السلاح ويرتاح قليلاً ايها القائد....سأتنازل عن المجد....عن الدم ....عن الخلود ....عن إرث الخالدون ...سألقي كل شيء تحت قدمها ....وسأعود إليها ...سأخذها بعيداً هي وطفلي عن هذا الجحيم كما وعدتها....سأعيش في عتمتها....واعوضها عن كل شيء ....اكتشفت أني خطأ ....كنتُ خطأ طوال الوقت ....وسأحاول إصلاح ماتبقي مني لاجلها ....وانت ستدعني افعلها ...هذا اول شيء اطلبه منك طوال حياتي....وانا اطلبها ايها القائد 


ترك ظلام كلماته الأخيرة معلقة في الهواء كقنبلة موقوتة وأرخى مورسال قبضته ببطء شديد وعينيه تلمع بجمود مرعب وكأنه لا يرى أمامه ابناً بل يرى جثة مؤجلة عاصية... تراجع الزعيم خطوة إلى الوراء وهو يعدل ياقه جاكته العسكري .... ثم التفت نحو يوريان الواقف خلفهما كالصنم وأمر بصوت حاد وملامح جامده : يوريان ....تطلع يوريان نحوه بأعين حمراء مدركاً خطوره هذا الرجل مبتلع ريقه ببطيء ومورسال يردف بهدوء : أريد رماداً...وليس أعذاراً 



اومئ يوريان ثم التفت برأسه وعينيه عالقه بظلام الذي استدار بجسده الضخم دون أن يلقي نظرة ثانية على والده....خرج بخطوات ثقيلة....حذاؤه العسكري يقرع البلاط البارد... بينما غترته السوداء ترفرف خلفه كراية الموت والوداع.... لحق به يوريان وهو يتنفس بجهد هامساً من بين أسنانِه:هل جننت ظلام؟ أتقول هذا الكلام للمورسال وفي هذا التوقيت؟ ...فاطمة ابنه الصقلي  والزعيم لن يتركاك ترحل ببساطة.....أنت العمود الفقري لهذا الجيش....لكن الاخر لم يجيبه او اكترث تقدم نحو الخارج ليمسح يوريان وجهه متقدم نحو الخارج ....رمق القوات وهم يصطفون للصلاه ليغمض يوريان عينيه بعدم تصديق ثم تقدم امأمهم للإمامه 




تقدمت سدره نحو الآخر كان يجلس خلف مكتبه يتكيء برأسه فوق يديه التي يتكئ بأكوعه فوق المكتب ...عدلت خمارها وهي تقف بجواره ماده يدها فوق كتفه ليرجع رأسه رامقاً اياها ....كانت ملامحه متعبه وكأنه لم ينم لايام بالكاد يتذوق الطعام بسبب قِلته خصوصاً هذه الايام مر ثلاثه ايام علي رمضان وهو ينام لساعتين فقط يتابع قواته التي نشرها لتكسير واستنفاذ معدات العدو ليكسر قواتهم حتي ينقض عليها بضربته القاضيه ....لا تعلم ماهو موقفها من هذا ...لم تكن تفكر بشيء سوي اولادها ....والشيء الذي ابقاها صامته صورهم التي تم التقاطتها خلسه بأنهم بخير لكنها تشعر بالقهر علي حاله مايل التي لا تعرف اي شيء بخصوص حالته ...جلست القرفصاء امامه واضعه يدها فوق فخذه مردفه بنبره حزينه: ألم تكتفي مورسال ....


تنهد الاخر بهدوء ماداً يده نحو وجهها معدلا خمارها مردف بهدوء: تعلمين جيداً انها لم تكن حربي ....اذا توقفت ....هذا يعني تسليم رقابهم جميعاً الي حبل المشنقه والاباده الجماعيه لكل فرد بنا ...وانا اولهم ....لذا ...اما النصر والخلود ...واما الموت ....لن اكتفي حتي اعطيهم ما وعدتهم به طوال تلك السنوات ...وعدتهم بغد افضل ....ووطن يحتضنهم ...وهذا وطنهم ...أرضهم ....وهذه الطريقه الوحيده التي يستطيعون بها اخذ حقهم بيدهم 


لتردف سدره بجمود: النوايا الجيده لا تصلح العمل الفاسد مورسال....كل مايحدث ....كل بقعه دم سالت ستقع علي عاتققك انت ...


لم يجيبها ولم يتفوه بكلمه أخري لدقائق طويله لترمش سدره بقهر ناهضه لتلتفت نحو الباب حينما طُرِق ليسمح مورسال للطارق بالدخول ....تطلعت نحو فاطمه التي دلفت بابتسامه واثقه مردفه : السلام عليكم ...كل عام وانت بخير 


اومئ مورسال ناهضاً دون اجابه مشيراً لها نحو الاريكه ثم تقدم ساحباً كرسي رامقاً سدره لتجلس عليه بهدوء ...ابتسمت فاطمه بهدوء نحو سدره التي لم تبتلعها ولم تبتلع عينيها الغريبه ...مورسال بهدوء: احضرتك للحديث عن زوجك ....هل فكرت ايضاً بالرحيل معه؟


عقدت فاطمه حاجبيها وابتسامتها البسيطه تلاشت منتظره تفسير  ليردف مورسال ببرود قاتل : ظلام قرر اخذها والرحيل عن المكان وترك كل شيء لاجل صغيرهم بعد الرجوع من مهمته الاخيره


توسعت اعين فاطمه بذهول لثوان طويله وجمدت ملامحها رمشت عده مرات وكأنها فقدت النطق حتي الكلمات لم تستطع اخراجها  وابتسامه ظهرت أعلي ثغر مورسال حينما نهضت فاطمه بصمت خارجه من الغرفه ليلتفت نحو سِدره التي اردفت :لماذا مورسال ....لماذا ؟!


رمش مورسال ببرود وهو يتقدم نحوها جالساً القرفصاء امام كرسيها ممسك يدها بين يده رفعها نحو فمه مقبل اياها بلطف شديد ثم اردف : في قانون الحرب ....كل شيء مباح ....لم اكن لاكسر إبني ...لكن سأترك قانون الطبيعه يفعل وسأكون موجود لمداوته وارشاده للطريق الصحيح الذي ينتظره ....



فتحت تانيا عينيها ببطيء ثم اغلقتها مبتسمه وهي تستنشق رائحته في فراشها ومدت يدها تتحسس مكانه حتي تجمدت حينما وجدته فارغاً رفعت رأسها رامقه المكان لتجفل ناهضه ساحبه الفراش ساتره نفسها وهي ترمق انحاء الغرفه لتستقر عينيها نحو هاتف صغير فوق الطاوله الجانبيه ...امسكته تانيا بيد مرتجفه لتجده متوقف علي تسجيل صوتي ...فتحت تانيا التسجيل ليأتيها صوت يوريان وهو يردف بهدوء : صباح الخير أورفا.. تمنيتُ لو كنتُ هنا حين تفتحين عينيكي....الهاتف الذي بين يديك هو وسيلتك الوحيدة لي.... احفظيه جيداً ولا تجعليه يفارقك.... في الدرج أسفل الطاولة ستجدين سلاحكِ المحشو وبذتكِ العسكرية الجديدة....ارتديها....واعلمي أنكِ منذ هذه اللحظة لست مجرد امرأة في هذا الحصن...بل أنتِ حرم يوريان....لن يجرؤ أحد على النظر إليك.... وإن حدث.. فسلاحك في يدك... واقطعي أنفاس من يتجرأ...سكت الصوت لثوان....ولم يُسمع سوى تنهيدته الثقيلة والمقهورة عبر سماعة الهاتف قبل أن يكمل بنبرة أكثر انخفاضاً وعمقاً:تبدين جميله وانت نائمه ....ادفع حياتي ثمناً لابقي اراقب انفاسك كالآن ....لكن لا استطيع .... تانيا.. لقد تركتُ خلفي روحي وجسدي بين يديك على هذا الفراش وذهبتُ إلى الحرب بمجرد جثة تقاتل...كل شيء افعله ...كل طلقه من سلاحي ....هي خطوة أخطوها لأعود إليك.. حياً.... أو شهيداً في سبيل قضيتنا....انتظري عودتي.. ولا تدعي حقدك ينسيكي من أكون بالنسبة لك الآن....


انقطع التسجيل بصوت نقرة دافئة لتجد تانيا نفسها محاصرة بسكون الغرفة القاتل ...لصمت دام لدقائق استرجعت صدى صرخاتها باسمه....وهمساته التي امتلكت روحها.... فاجتاحتها موجة من القرف العارم تجاه ضعفها....رفعت كفيها المرتجفتين ونظرت إليهما بحقد ثم بدأت تمسح شفتيها بعنف وهستيرية بظهر يدها وكأنها تحاول مسح أثر قبلاته....مسحت الأثار علي عنقها وموضع دفن رأسه حتى تلون جلدها باللون الأحمر القاني وكاد ينزف لتشهق هامسه بقهر :غبي....غبي ....


صرخت بالكلمة بقلب ممزق وانفجرت باكية بنحيب مكتوم وهي تضرب الفراش بقبضتيها ثم امسكت شعرها بقهر وضياع .... نهضت من الفراش بجسد واهن وصدرها ينتفض بقهر ....رأت حقيبة المهر الملقاة أرضاً فتقدمت نحوها وركلتها بقدمها بكل ما أوتيت من قوة لتتناثر حزم الأموال في أرجاء الغرفة ثم بدأت تبحث عن ثيابها وقناعها بنظرات شاردة ومجنونة.....اقتربت من المرآة المعلقة على الحائط لتشاهد وجهها الذابل وعينيها الخضراء التي باتت حمراء من فرط البكاء ....التفتت نحو الهاتف الذي اصدر صوت رنين لترمقه بأعين حمراء دون ان تتحرك 



تطلع يوريان نحو الهاتف بصمت لاربعه أيام لا اجابه منها ....وفكره الاتصال بها ممنوعه لكن قلبه لم يستقر لحظه واحده منذ فراقها ...حتي تركيزه اصبح معدوم ....:يوريان استعد وعيك ....التفت يوريان نحو نوح الذي كان يشير لهم   بمحاوطه المكان حول الاشجار وامامهم الهدف ....كان اشبه بمستودع قديم بلغنا انه مستودع سري لاسلحه الثقيله وكان اخر مكان يتم مداهمته وكانت الخطه تدمير اي عتاد للعدو ....نهض يوريان بعدما اشار نوح رافعاً سلاحه وخلفه عده عساكر ....ركض يوريان نحو المخازن السفليه وعلا صوت القنابل اليدويه ليقف يوريان امام مخزن ممتلئ بالصناديق نازعاً  فتيل القنبلة اليدوية الأولى من حزامه ليرميها بآلية وخفة مفرطة وسط الغرفة المظلمة... تبعها بقنبله ثانية وثالثة ثم التفت بسرعة وهو يصيح بجنوده:تراجعوا! خمس ثوانٍ على الانفجار!....لكن خطوة واحدة لم يخطها بعدما تجمدت أطرافه فجأة واختفت ملامحه حينما شق عتمة المخزن صوت بكاء خافت ومن خلف أحد الصناديق الخشبية الضخمة خرج جسد صغير يرتجف.... طفل لم يتجاوز السابعة من عمره ملوث بالرماد والشحم الاسود علي وجهه ويمشي بخطوات متعثرة ومذعورة...وخرج خلفه عده اطفال من خلف الصناديق كانوا قد اختبأو خوفاً من صوت النار بالخارج 


انخفضت عيني يوريان الزرقاء بذهول شل حركته بالكامل واتسعت عينيه برعب حقيقي لم يعرفه طوال سنوات حربهم....كان الجميع يصيح به ان يبتعد بسرعه وهم يجدونه واقفاً بجمود دون ان يتحرك حتي كادو يفقدون صوابهم ....لم يكن يوريان مصدوم لرؤيتهم فحسب بل ما قتله أن الطفل انحنى والتقط القنبلة الأولى التي لم تنفجر بعد لأن فتيلها كان معيباً ومشي بخطوات بريئة ممتداً بيده الصغيرة المرتجفة نحو يوريان من بعيد متحدثاً بنبرة طفولية باكية:عمو... سقطت هذه منك...


توقف الزمن في عين يوريان....تلاشت عقيدة الخالدون كلها في جزأين من الثانية....نحن لا نقتل الأطفال... الجملة التي جادل بها تانيا قبل أيام سُحقت تحت قدمي هذا الصغير الذي يمسك بموته ويمده إليه ببراءة.... ظاناً أنه يساعد رجلاً عسكرياً سقط منه متاعه....ليصرخ يوريان برعب :لاااا!



صرخ يوريان بنبرة مرعبة هزت أركان المستودع ليرتجف الطفل بخوف وسقطت منه القنبله ببطيء عده مرات وبغرائز مشلولة رمى سلاحه أرضاً وانقض بكل جسده نحو الطفل ليشهق حينما شعر بيد تحاوطه من الخصر وظلام يصيح به وهو يسحب للخلف و اعين يوريان كانت نحو الاطفال داخل الظلام  في ذات اللحظة التي انفجرت فيها القنبلتان الاخريان بقوه ليتطاير جسدهم و الركام والشظايا وتشتعل النيران محاوطة إياهم بلهيب قبيح وانتفض كليهم للخلف بعيداً تحت صياح الجميع وهم يهرعون اليهم ....وأعين يوريان شاخصه نحو الرماد والدخان ....سعل يوريان بعنف وكان الغبار الأبيض يحجب الرؤية بينما رائحة اللحم المحترق والبارود تلذع رئتيه....كان جسده ملقوفة أرضاً وظلام جاثم فوقه يثبته بقوة يصرخ في وجهه بنبرة هستيرية ممزوجة بالخوف:هل جننت واللعنة؟! يوريان! أين كان عقلك؟! انظر لي...لم ينظر يوريان إلى ظلام ولم يسمع صياح نوح والعساكر وهم يهرعون بنحيب وذعر نحو أنقاض المخزن السفلية لاخراجهم....كانت عيناه الزرقاء شاخصتين بجمود مخيف نحو الرماد والدخان المتصاعد....هناك.... حيث كانت الصناديق قبل ثوان....لم يعد يرى سوى بقع سوداء متفحمة وبقايا لعب أطفال صغيرة مبعثرة انصهرت بفعل اللهيب ...ملابس ملونة اختلطت بالدم والتراب.....لم يكن مستودعاً للأسلحة الثقيلة كما أخبرهم مورسال... بل كان ملجأً خبأ فيه الأعداء أطفالهم ونساءهم بعيداً عن أعين القصف.....ارتخى جسد يوريان بالكامل تحت يدي ظلام.... وتصلب فكه وهو يبتلع غصة بمرورة كالعلقم.... بينما كانت أنفاسه تخرج متقطعة وواهنة....الكذبة الكبرى التي عاش لأجلها.....العقيدة النظيفة التي واجه بها الجميع.... تفحمت هنا أمام عينيه....كشف ليوريان لأول مرة وعن قرب....زيف القضية التي أفنى عمره لأجلها...التفت ببطيء نحو نوح الذي اشار لهم بالانسحاب لينهض يوريان راكضاً نحوه بقوه وامسكه من ملابسه وصاح بنبره محترقه وغاضبه : كنت تعلم ...كنت تعلم 


تطلع نوح نحوه بقلق شديد رامقاَ ظلام الذي نهض عاقداً حاجبيه ثم التفت الي يوريان مردف بثبات انفعالي كاذب:ماذا تقصد يوريان لنخرج من هنا بسرعه



شدد يوريان قبضته على قميص نوح بعنف جعل عروق عنقه تنبض بقسوة ودفعه ليرتطم بالحائط الحجري خلفه مقترباً منه حتى كادت أنفاسهما المشتعلة تلتقي وهتف بصوت مبحوح يقطر قهراً وناراً:لا تمثل دور الغباء أمامي يا نوح! مخزن الأسلحة الثقيلة؟ الملجأ الذي أرسلتنا لتدميره كان ممتلئ بالأطفال! الأطفال الذين أقسمنا أننا نحارب لحمايتهم! ...كنتَ تعلم أن الإحداثيات لملجأ مدني وليست لمستودع عسكري...اردتم تفجير كي يكون كرت قذر لجعلهم يستسلمون وينفذون الاوامر...كنتَ تعلم...


تدخل ظلام فجأة ممسكاً بذراع يوريان ليجذبه للخلف محاولاً إنهاء هذا الاشتباك قبل أن يراهما بقية العساكر وأردف بصوت منخفض وحازم :يوريان! اهدأ واللعنة ليس هنا! العساكر ينظرون إلينا....


أفلت يوريان قميص نوح بعنف دفعه خطوة أخرى للخلف والتفت نحو ظلام بأعين حمراء كالدماء يشتعل فيهما جنون يائس وبنبرة ساخرة ومحترقة ضحك ضحكة مكتومة لم تصل لعينيه وأردف وهو يشير بسبابته نحو الأنقاض المتفحمة:أهدأ؟ هل تطلب مني أن أهدأ بعد أن جعلتموني أحرق أطفالاً أحياء؟ أهذا هو الوطن الطاهر الذي وعدنا به مورسال؟ أهذه هي قضيتنا التي نموت لأجلها؟ لقد جعلتموني مسخاً.....جعلتموني القاتل الذي طالما أقسمتُ لتانيا أنني لستُ هو!....



وقف نوح يعدل من هندام سترته العسكرية بملامح متصلبة ورغم القلق الخفي في عينيه إلا أنه حافظ على جموده وأشاح بوجهه عن الرماد المتصاعد مكملاً بجفاء بارد:

تتحدث وكانك شريف ....نحن في حرب يوريان.. وفي الحرب لا توجد براءة مطلقة....هناك فقط نصرٌ أو هزيمة.... أولئك الأطفال كانوا سيكبرون ليحملوا السلاح ضدنا ويقتلعوا حناجرنا كما قال القائد.....هذه سياسه الحرب وكرت ضغط لهم كي ينسحبوا ....يدك مغرقه بالدماء بالفعل ...لا يوجد فرق ...


تجمدت الكلمات في الهواء الملوث برائحة الموت لتسقط فوق رأس يوريان كصخرة هدمت آخر ما تبقى من جدرانه الروحية.... تراجع خطوة إلى الخلف وعينيه الزرقاء التي كانت تقذفان شرراً انطفأت فجأة وحل محلهما ذبول مظلم.... فراغ مرعب أعمق من بئر أسود لا قاع له تردد فيه صدى كلمات نوح فيه لتخترق صدره وتستقر كخنجر مسموم....نظر يوريان ببطء شديد إلى يديه الضخمتين... يديه التي سجدت طويلاً في صلاته قبل ساعات طالباً الهدى والسكينة.... اليدين ذاتهم... هما من نزعتا الفتيل وأحرقتا البراءة في مهدها.....

شعر ببرودة تجري في عروقه برودة الموت العاطفي الذي يسلب الإنسان آدميته.... استلبت روحه في تلك اللحظة بالذات ووقع في أسر اكتئاب حاد وجارف....غشاوة سوداء ثقيلة غطت على حواسه كلها....لم يعد يسمع أزيز الرصاص في الخارج.... ولا صياح الجنود....ولا حشرجة أنفاس ظلام الذي كان يراقبه بقلق متزايد ...سقطت يديه إلى جانبيه بوهن كافِر وانحنى رأسه المستقيم لأسفل.... ليفقد ذلك الشموخ العسكري الذي كان يميزه.....لقد صدق نوح... وصدقت تانيا... وصدق العالم كله....هو ليس منقذاً..... وليس بطلاً في رواية شريفة....هو مجرد مسخ.... مجرد آلة قتل عمياء صُنعت بدقة في دهاليز مورسال....التفت ببطء دون أن ينظر إلى نوح أو ظلام وبخطوات ثقيلة ومبعثرة كخطوات ميت يتحرك باللاوعي بدأ يسير مبتعداً عن المخزن المشتعل تاركاً سلاحه ملقى على التراب وسط الرماد.... كان يسير بين الاشجار وجسده يرتجف داخلياً بصمت موحش ....يشعر بثقل الدماء يجر جثته إلى الأسفل وعتمه اظلمت عينيه ليجلس ارضاً بجوار شجره متكي بجسده الثقيل فوقها ودمعه حمراء سألت علي وجهه ليمد يده المرتجفه نحو ملابسه مخرج الهاتف واتصل بتانيا لثوان لتجيبه هذه المره وكأنها شعرت به ليهمس بنبره حزينه: تانيا 


لتردف تانيا بقلق: يوريان ....ماخطب صوتك ....ليردف يوريان بغصه : تانيا ...اريدك ...

لتردف تانيا بلهفه وبدا صوتها مرتجفاً : يوريان انا هنا ...تعال ...ستجدني أنتظرك 

ليردف يوريان ودموعه سالت علي وجهه:انا قادم اليك ....افتقدتك ....ثم شهق باكياً : افتقدك تانيا ....


شعرت تانيا بغصه تجتاح صدرها رامقه الهاتف ثم وضعته علي اذنها رامقه الصحراء المظلمه امامها بقلق هامسه:يوريان ....يوريان....لكنه لم يجيبها ...انتظرت ...ليس لدقائق وانما لساعات حتي ظهر ضوء الفجر....تراقب الطريق الذي رحل منه حتي يعود ....لايام كانت غاضبه منه انه تخلي عنها ....لكن لا تعلم لما قلبها غاص بألم حينما رن ....وكأن هناك شيء سيء شعرت به وارادت سماع صوته.....ليرتجف قلبها ناهضه حينما رأت السيارات تعود من بعيد ....حملت سلاحها ووقفت تري السيارات التي وقفت واحده تلو الآخري ....ترجل العساكر وبعدها قائد الفرقه نوح وظلام وبقيت عينيها عالقه تنتظر خروج يوريان لكنه لم يفعل ....


بقيت عينيها شاخصه نحو السياره ثم التفتت نحو ظلام صديقه المقرب لتجد عينيه حمراء كالدماء ....ابتلعت ريقيها وتقدمت خطوه للامام لتتوقف جامده وشفتيها ارتجفت أسفل النقاب وهي تري العساكر يسحبون جسد .....كذبت عينيها ....كذبت قلبها ...كذبت روحها ....لذا تقدمت بلا وعي نحو السياره رامقه ابوابها الفارغه ثم التفتت نحو ظلام مردفه برجفه : سيد ظلام ....لما لم يأتي يوريان معكم بعد ....انا كنت انتظره هنا 


لم يجيبها كان صامت بشكل غريب لتلتفت نحو العساكر ببطيء رامشه بثقل وانفاسها تختفي حينما مرَّ الجسد من أمامها محمولاً على أكتاف أربعة من العساكر يكسوه غطاء عسكري ثقيل تشرب بقَعاً داكنة من الدماء التي جفّت بفعل غبار الطريق.....تجمدت الأنفاس في صدر تانيا وشعرت بركبتيها ترتطمان ببعضهما كأن الأرض تحت قدميها قد مالت فجأة....كذبت عينيها.... كذبت الغطاء.... وكذبت ملامح ظلام المبعثرة التي لم ترها بهذه الهشاشة والكسر من قبل.... خطت خطوة للأمام....ثم أخرى....كجسدٍ يتحرك بلا هدي وعينيها الخضراء متسعه برعبٍ جارف أسفل نقابها... امتدت يدها المرتجفة لتقبض على ذراع ظلام بعنف تضغط بظفرها في لحمه وكأنها تستجير به ليوقظها من هذا الكابوس وصاحت بنبرة حادة ...مهزوزة... تخنقها الغصة:ظلام! تحدث معي واللعنة! أين يوريان؟ ...لقد اتصل بي...أخبرني أنه قادم...هل بقي هناك صحيح؟


أشاح ظلام بوجهه عنها ولم يستطع حتى النظر في عينيها الحمراء من فرط البكاء وتصلب فكه وهو يبتلع ريقه بصعوبة ليقترب احد العساكر الذي يعمل تحت يد يوريان مردف بنبرة مبحوحة... ميتة... خرجت بصعوبه : كان متعب ولم يتحدث الي احد ....دلف الي خيمته لينام وحينما اردنا ايقاظه للعوده وجدناه ميتاً في فراشه 


ارتخت يدي تانيا ببطيء بجوارها وهي تنظر اليه بذهول وعدم تصديق وشعور غريب اجتاح صدرها بألم والتفتت بكامل جسدها نحو العساكر الذين وضعوا الجسد ببطء ووقار على المحفة الخشبية وسط الساحة المظلمه لا يضيئها سوي عبق الفجر الازرق الخافت.....تقدمت تانيا نحوه بخطوات واهية... تسقط وترتفع....وكأنها ثمله دون نقطه شراب واحده ... حتي توقفت امامه لترتجف ساقيها راكعه على ركبتيها بقوه فوق الرمال بجانب الجسد.... رفعت يديها المرتجفه...ومدت أصابعها ببطء شديد تسحب الغطاء عن وجهه.... كان يوريان مسترخياً بهدوء مرعب وعينيه الزرقاء الجميله كانت مغلقه ...ملامحه ساكنه ...وشاحبه ...وكأنه رأي اسوء كوابيسه ..وان الموت كان السكينه الوحيده التي استطاعت روحه المجهده نيلها ....علي وجنته كان هناك أثر لدموعه الحمراء الاخيره وكأنه مات من شده القهر والحسره....


مدت يديها ببطيء نحو وجنتيه البارده واهتز جسدها برجفه وهناك غصه تخنقها حتي احمر وجهها أخذه شهيق مخنوق ثم اخرجته بنحيب وغصه وهي تنحني بجبهتها حتى تلامست مع جبهته الباردة ثم صرخت باسمه بأعلي صوتها :يوريااان ....ثم سحبت رأسه محتضنه اياها الي صدرها وهي ترجع رأسها للخلف صارخه للسماء :لااا....ارجوك لااا....ليس بعد....ليس الان.....يوريااان....صرخت بقوتها وهي تعتصره  والجميع يركض حتي ظهر الزعيم وهو يسحب ظلام من ملابسه يصيح بهم ماذا حدث له وهم اخبروه انهم وجده ميتاً فجأه بلا خدش واحد....التفت مورسال نحو تانيا التي كانت تصرخ وتحتضنه الي صدرها وتهتز به ليأمر النساء بسحبها منه لتصرخ تانيا وهم يسحبوها عنه والرجال حملوه الي الداخل وهي تحاول التملص منهم وتصرخ بأعلي صوتها خلف جثته .....


تركوها داخل الرواق علي الارضيه البارده وهي ترمق الغرفه التي ادخلوه بها ورفضت التحرك من امامها ....عينيها الحمراء عالقه نحو باب الغرفه وكأنها تتمني ان يخرج منها يبتسم لها تلك الابتسامة التي تجعل قلبها يرتجف لتسيل دموعها علي وجنتها بقهر وهي تعلم انه لن يخرج منه ابداً....رمشت حينما حجبت عنها الرؤيه ساقين طويلتين لترفع رأسها للاعلي رامقه ظلام الذي يمد شيء نحوها ....رفعت تانيا يدها حينما لحظت قلاده الصليب الخاصه بأخيها ملتفه حول ورقه مطويه ....امسكتها بيد مرتجفه متحسسه اياها ثم فتحت الورقه ببطيء  ونبضات قلبها كانت ثقيله ... لتجدها ورقه عقد زواجهم وداخلها ورقة اقتطعت على عجالة ...مُصححة بخط يده الخشن والمهزوز وكأن القلم كان يثقل كاهله وهو يكتب...انزوت بجسدها الي الحائط وساقيها الي ركبتيها وهي تقرأ وشفتيها ترتجف .... 

إلى أورفا.. مقدستي....إلى الحصن الوحيد الذي لم أكن أستحقه...لااعلم ان كنت سألتقي بك ام تقرأي هذه الكلمات ....اشعر بالثقل الشديد ....هذه البدله العسكريه تخنقني ....اشعر لاول مره اني حقير ومسخ كما قلتي.... لقد كذبتُ عليكِ.. وكذبتُ على نفسي....ظننتُ أنني أحارب من أجل وطن طاهر.... لكنني اليوم رأيتُ وجه الحرب الحقيقي....رأيتُ دماء البراءة وهي تسيل من بين أصابعي.... رأيت طفلاً يمد لي موته ببراءة ويظنني رجلاً صالحاً....في تلك اللحظة يا تانيا سقطت عقيدتي وسقطت معها روحي... أنا أرتجف.. أرتجف لدرجة أنني لا أستطيع السجود.... كيف أرفع وجهي لخالقي وأنا ملوث بكل هذا الدم....كيف أطلب منه المغفرة وأنا أسمع صراخ الأطفال يتردد في أذني مع كل نبضة....أنا لا أخشى الموت  تانيا.. أنا أخشى ألا تتقبل الأرض جثتي....وألا تتقبل السماء توبتي....أشعر أنني سأموت الآن.. ليس برصاصة....بل من فرط خجلي من الله.. ومن خجلي منكِ.... إن كان لي أمنية أخيرة في هذا العالم....فهي ألا تكرهيني يوماً..... وألا تذكريني كقائد للخالدون.... بل تذكري الرجل الذي يبكي الان يتمني لوكان ميتاً في حضنك قبل ان اموت هنا وحيداً مكسوراً ونادماً.... يتمنى لو كان يملك خيار الرحيل معكِ....أنا ذاهب إليه الآن بخجلي... وروحي مستسلمة لعقابه أو عَفوه.... سامحيني يا خضرة عيني... إن كان في قلبك متسع لمغفرة مسخ أحبكِ بهوس...انتهت الرسالة بنقاط حبر مبعثرة تلاشت معها آخر ذرات القوة في جسد تانيا لتقبض على الورقة وتضغطها نحو صدرها محتضنه نفسها وهي تبكي بنحيب وقلبها يتمزق 



تقدم ظلام خلال الرواق بصمت وملامح شاحبه ومتعبه ...لم يكن يري احد امامه ...شعر ان الاصوات معدومه ...والناس حوله عباره عن اشباح تصدر همس كلما القي التحيه عليه ...كان يريدها ....يشعر بثقل في صدره ...يشعر انه اصبح وحيداً تماماً...دلف إلى الرواق الطويل الذي بدا له هذه المرة ممتداً بلا نهاية....كسراب يبتلع خطواته الثقيلة.... الأضواء الباهتة فوق رأسه كانت تتراقص برتابة مستفزة....والوجوه التي تمر به لم تكن سوى ظلال باهتة....أفواه تتحرك وتصدر همسات مشوشة يجهل معناها....يُلقون عليه التحية العسكرية فيرد عليها بإيماءة آلية من جسد غادرته الروح....كان هناك طنين حاد يمزق طبول أذنيه وجدران عقله المتداعية لا تتوقف عن تكرار حقيقة واحدة... يوريان رحل.. وصدره بات فارغاً كقبر مهجور... لم يتبقَ له في هذا العالم سواها.... هي ملاذه الوحيد....المكان الذي يختبي فيه....وزنزانته التي يهرب إليها من قبح هذا العالم ومن قبح نفسه....كان يحتاج أن يراها الآن بالذات....يحتاج إلى ذلك القرب المريض الذي يجمعهما....أن يرى الرعب في عينيها الزرقاء ليطمئن أنه ما زال حياً.... أن يرى دموعها وهي تتوسل إليه ليقنع نفسه بأنه يملك سلطة فوق هذه الأرض....أن يعنفها بقسوة ثم يضمها إلى صدره بهستيرية غريبة يعتذر فيها عن وحشيته.....أكثر من عام كامل وهي أسيرته....أكثر من عام وهو يظن أنه أحكم إغلاق قضبانه حولها لدرجة أنها أصبحت جزءاً من روحه المريضة....تسارعت أنفاسه المتقطعة وهو يقترب من باب غرفتها والجنون في أعماقه يدفعه لفتح الباب بعنف متوقعاً أن يجدها قابعة في زوايتها المعتادة ترتجف من صوته... ويأخذها ويرحل عن هذا المكان


لكن الباب انفتح على سكون قاتل....برودة الغرفة لفتت وجهه الشاحب.... لتتجمد  عينيه الحمراء وشلل تسلل الي أطرافه 


 الغرفة فارغة...


لم يكن هناك أثر لجسدها....ولا صوت لأنفاسها المذعورة... تقدم خطوة  في الفراغ وكأن الأرض تريد ابتلاعه لتستقر عينيه الشاردة والسوداء  على الحائط ... هناك....بجوار غترته المعلقة بجمود كان وشاحها الحريري يتدلى بهدوء مستفز....كجثة تأبى السقوط...شعر ببرودة كافرة تجتاح أطرافه...وطنين حاد في اذنه ...وإنقباض مخيف في قلبه كاد يقتله.... امتدت يده المرتجفة نحو الوشاح وسحبه بعنف نحو أنفه واستنشق عبيرها الممتزج برائحتها...فاتحاً عينيه بظلام وملامح سوداء 


*****


#يتبع باذن الله

#ورده_عبدالله



سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك ربي واتوب اليك 







Love U all 


؛

تعليقات

  1. اليوم شبهتها بملازمة ستوكهولم وقت حسن بالأمان معو وبدها هو يحميها مع أني أتمنى انو يرجع جوزها وياخدها ويحميها لانو لينا انظلمت كتير حرام مع إني حبيت ظلام لانو مظلوم فقط

    ردحذف

إرسال تعليق

Madness come back a live

اقتباس

اقتباس من بارت 25 حب سام

Behind his black eyes

Ch|2

1999 a novel